المسألة السورية؛ الإدارة الذاتية اللامركزية مثالاً (التحديات والإمكانات) – د. جمال الشوفي

المسألة السورية؛ الإدارة الذاتية اللامركزية مثالاً (التحديات والإمكانات) – د. جمال الشوفي

  • مقدمة
  • توطئة: في المسألة الدولية، بين سوتشي وجنيف
  • المرسوم 107 عام 2011 والإدارة اللامركزية الشكلية
  • معوقات الإدارة اللامركزية الإدارية وضروراتها
  • خاتمة وتوصيات
  • المراجع

مقدمة

أرخى البحث في الحل السياسي للمسألة السورية محاور أساسية عدّة، تقوم في مرجعياتها على تباين واضح بين إرادة السوريين من جهة وإرادة السلطة من جهة أخرى، تذهب خلاله السلطة الحاكمة إلى تقويض أي مسعى سياسي لأي فرصة للتغيير والتمسك بثوابت وجودها المطلق في السلطة القائم على مثلث: الأجهزة الأمنية ومركزية القرار الأمني السياسي، السلطة التشريعية الشكلية المنفذة لقرارات الجهة الأولى، مع ارتباط باقي السلطات الأخرى القضائية والإدارية والاقتصادية بشكل التنفيذ العمودي بعنوان عريض مفاده التبعية للمركز. بينما ذهبت أوساط المعارضة السورية إلى البحث أولاً في التغيير الديمقراطي ولاحقاً بالتمسك بموضوعة جنيف/1(1) لعام 2012، القاضية بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات تستهدف التغيير الكلي في بنية النظام، وإقامة العدالة الانتقالية ونظام الحكم البرلماني ودولة المواطنة والقانون.
المسألة السورية التي باتت حالة تشابك دولي ومبحثاً رئيساً في قضاياه الدولية، وبخاصة بعد التدخل الروسي العسكري فيها مع عدد من الميليشيات الطائفية والإقليمية، أصبحت أكثر تعقيداً من ذي قبل، وتتباين حولها المشروعات الممكنة الدولية في إيجاد حلول لها، خصوصاً تلك التي تحاول البحث في نقطة وسط بين المشروع الروسي العسكري الباحث عن وجوده الدولي السياسي في مراكزه الأولى عبر المسألة السورية وكارثة شعبها ونكبته، في مقابلة موضوع الشعب السوري في الحرية ودولة المواطنة، وذلك الذي يبحث عن نقاط استناده في المعادلة الدولية، وبخاصة تلك التي ترفض هذا التفرد الروسي فيه.
أمام هذه الخلطة السياسية، تبرز على السطح مجموعة حلقات سياسية تدور في فلك هذه الحلول، وشروطها الأولى تنبع من:
– الحل السياسي السوري الممكن برضا طرفي النزاع الأساسيين: النظام والمعارضة.
– التوافق الدولي الروسي/ الأمريكي بكيفية تقاسم “الكعكعة” السورية من دون الاحتكاك المباشر بينهم، ومن خلفه إعادة ترتيب كامل الشرق الأوسط.
– البحث الدولي، عبر لجان المبعوث الدولي لسوريا ستيفان دي مستورا، خارج فرضيتي النظام والمعارضة، بما يتعلق بالحالة الدستورية والإدارية وذلك مع ميل واضح إلى عدم الأخذ بجدية بمصالح الشعب السوري وتطلعاته المشروعة.
تستهدف هذه الدراسة، إلقاء الضوء على مفعولات المسألة السورية دولياً وبالضرورة إلقاء الضوء على موضوع شائك في إحدى تفصيلاته ألا وهي اللامركزية الإدارية المطروحة من أكثر من جهة دولية في الحل السوري، وإذ تستكمل الدراسة شروطها بضرورة إلقاء الضوء على المرسوم التشريعي رقم 107 للعام 2011 الخاص بالإدارة اللامركزية في سوريا، وذلك بغية الوصول إلى بعض المحددات السياسية الممكنة وتحدياتها ومعوقاتها.

توطئة: في المسألة الدولية، بين سوتشي وجنيف

في خلفية المشهد، وواقعية العالم اليوم، سوريا عقدة التشابك الدولي بما يحتويه من تنسيق وتقاطع واختلاف وتباين بين مصالح الدول الإقليمية الكبرى ومن خلفها الدولية أيضاً، ويبدو أي حل مطروح فيها يستلزم توافقاً دولياً وإقليمياً عليه كما أشار إلى ذلك مركز كارينغي للدراسات ((يتطلب تحقيق السلام في سوريا أولاً، تقارباً بين التصورين الروسي والأمريكي حول نظام إقليمي، وربما عالمي. ويستلزم، ثانياً، وبصورة ضمنية أكثر، تفاهماً بين إيران والمملكة العربية السعودية حول تقاسم السلطة، والأمن، والنفوذ في المنطقة))(2).
وحيث يدرك الجميع خطر اشتداد النزاع بينهم وما قد يولده من صراع فعلي مباشر يولد شرارة حرب كبرى يحاول الكل تجنبها اليوم، ويدق هينري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا السابق وأحد أهم راسمي سياساتها الخارجية بقرع جرس إنذار إمكان حدوث حرب عالمية ثالثة كبرى، وذلك في حديث له مع الديلي سكيب منذ أكثر من عامين “إذا كنت لا تسمع طبول الحرب تقرع فأنت حكماً مصاب بالصمم”(3)، ما دفع اللاعبين الدوليين إلى الذهاب باتجاه حرب سياسية كبيرة تجر معها الفاعليين الدوليين فيها كلهم، وهذا كله مبدؤه ومنتهاه سوريا.
سوريا ويا للعجب يقول مواطن وهل هي كعكة مجزية؟ نعم سوريا ومنذ عام 2015 إلى اليوم تتكثف فيها مظاهر الحرب العالمية كلها: فروسيا بقواتها التي صرحت عنها وزارة دفاعها في 22/8/ 2018 بأن حصيلتها العسكرية استطاعت استعادة ما نسبته 96.5 في المئة من الأراضي السورية التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة بعدما كانت فقط 8 في المئة عام 2015، وتصفها روسيا بالعمليات التدريبية لقواتها(4). بينما كان التحالف الدولي بقيادة أمريكا يعلن اخلاءه لمناطق سيطرة داعش منها بالتوازي، ويثبت نقاط قواعده العسكرية التي تتجاوز عشر مواقع داخل سوريا(5) في مقابلة القواعد الروسية. ولم تقف المسألة هنا، بمعنى الاكتفاء بتقاسم النفوذ داخل سوريا عسكرياً، بل ذهبت إلى مستويات عليا في السياسة الدولية، إذ انتظر الجميع من الروس الالتزام بتعهداتهم بالدفع بحل سياسي وفق مرجعية جنيف للمسألة السورية، وتبدو المؤشرات كلها اليوم أمام المجتمع الدولي خلاف ذلك، بل بالعكس تسعى روسيا إلى نقطتين محددتين:
– استكمال نصرها العسكري داخل سوريا وتثبيته بطريقة سياسية دولية مفادها أنها قوة عالمية كبرى على الجميع تجنب الاحتكاك المباشر بها، والتنسيق معها والاعتراف بها في مقدمة الدول العالمية مرة أخرى.
– تفريغ مقررات الشرعية الدولية المتعلقة بسوريا كلها بخاصة جنيف/1 وتحويلها إلى مرجعية روسية الرؤية بما تتضمنه من نقاط جدولة الحل السياسي السوري وفق ما أقرته في ما سمي “بمؤتمر الحوار الوطني السوري” في سوتشي(6) أوائل عام 2018، وفي النتيجة الاعتراف الدولي بحلها السياسي بعد الاعتراف العسكري في ذلك.
موقعتا جنيف وسوتشي نقطة النزاع العالمي السياسي الكبير اليوم، فالأولى تقوض ما فعلته روسيا كله طوال ثلاث سنوات مضت، والثانية تقوض الجهد العالمي كله في استيعاب المسألة السورية وترويض روسيا في المعادلة العالمية، وبينهما يقف الشعب السوري قاطبة بين فكي النزاع غير المنتهي الذي بدأت معالم الجدية فيه، ولنقل معالم صراع “الثيران” على الحلبة السورية تتضح أكثر وأكثر، والسوريون لا يريدون منها سوى استقرارهم وأمنهم والعيش الكريم في دولة الحرية والمواطنة، فهل كانت صعبة هذه المعادلة على العالم؟
من هنا، ثمة جهد دولي حثيث للذهاب بالمسألة السورية تجاه لا سوتشي، ولا جنيف، كحل وسط بين القوتين العظمتين، وهو ما لا يرضي السوريين بطرفي نزاعهم المعارض والموالي، لكنه يبدو خطوة سياسية لا بد منها، وقد يكون أحد أهم بنودها تشكيل لجنة دستورية معتمدة أممياً تنص على الإدارة الذاتية اللامركزية وتفعيل قرار مجلس الأمن 2254(7)، بما يسمى حكومة انتقالية وطنية، مترافقة مع تخفيف في صلاحيات الرئيس لحدوده التشريعية وإيلاء رئيس الحكومة صلاحيات تنفيذية أوسع بخاصة في مسألتي الأمن وأجهزته والاقتصاد ومفعولاته، وهو ما تحاول مجموعة الخمس المصغرة والمضاف إليها مصر وألمانيا ونتائج اجتماعها حول سوريا طرحه على الروس اليوم. لتبرز على سطح المشهد السياسي ضرورة التفصيل في موضوعة اللامركزية الإدارية كما الدستورية في مقدمة الحدث السوري، فهل تمتلك الوطنية السورية مفاتيح تنفيذه والقبول به أولياً ومرحلياً؟

المرسوم 107 عام 2011 والإدارة اللامركزية الشكلية

منذ بدء الحراك الشعبي عام 2011 والمتسع في سوريا، أجرت السلطة السورية مجموعة من التغييرات تطال بعض القوانين المركزية التي كانت مطلباً رئيساً للحركة السلمية الجماهيرية. في قراءة الواقع ومجرياته إلى اليوم كانت محض محاولة لإخراج السلطة نفسها من معادلة الثورة ومسبباتها، فقامت بإجراءات متتالية عدة تستهدف الشكل من دون المضمون، كان منها إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية(8) المعمول به منذ 1963، واستبدال قانون الإرهاب به(9) عام 2012، واستبدال دستور 2012(10) بدستور عام 1973(11) وتغير بعض بنوده المتعلقة بالمادة الثامنة التي تضع حزب البعث في قيادة الدولة والمجتمع، وتفرغ النقابات والمؤسسات المدنية من مضمونها وتربطها جميعاً بالحزب، وفي الدستور الجديد بالوزير المختص ((منح قانون الجمعيات وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، الصلاحية الكاملة بمنح أو عدم منح الترخيص، وأعطى الوزارة الصلاحية الكاملة لحل أي جمعية من دون إبداء الأسباب ومن دون حق اللجوء إلى القضاء للاعتراض على ذلك))(12).
ربما يقول بعض إنها محاولات إصلاحية من السلطة لاستيعاب الحركة الشعبية المتزايدة التي تعم كامل سوريا، لكنها في العمق أعادت تكريس الهيمنة والتسلط بشكله الفعلي، وبخاصة أنها ترافقت مع مسلسل طويل من الحلول العسكرية والأمنية المستمرة إلى اليوم، وعملت على إخراجها بصورة عصرية نصياً، وذلك كوجبة جاهزة للمجتمع الدولي الضاغط عليها. ومن هذه القوانين كان المرسوم التشريعي 107 لعام 2011 الخاص بقانون الإدارة المحلية (الذي يمكن الاطلاع على مضمونه على موقع مجلس الشعب السوري(13)) بما يحمله من تعريفات ومبادئ وقوانين وأهداف، جاء في فصله الثاني، المادة 2: إنه يهدف إلى تطبيق لامركزية السلطات والمسؤوليات وتركيزها في أيدي فئات الشعب تطبيقاً لمبدأ الديمقراطية.
القانون يحتوي على 161 مادة، تناول فصله الأول التعريفات العامة والتقسيمات الإدارية وعدد سكانها، وحدد صلاحيات الوحدات الإدارية وشكل انتخاباتها ومدتها، وحدد في مادته الثالثة، الفصل الثالث، تعريف المجلس الأعلى للإدارة المكون من رئيس مجلس الوزراء رئيساً والوزير نائباً ورئيس هيئة التخطيط معاوناً والمحافظين ورؤساء مجالس المحافظات أعضاء، وأجاز للمجلس إمكان إحداث وحدات إدارية جديدة (م 10)؛ ورسم القانون خطة اللامركزية ومهمات المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية في المواد من 12 إلى 38. ومن المفيد ذكره أنه جرى تعديل المادة 55 منه المتعلقة بحالة إعفاء المحافظ أو غياب، بأن يحل محله قائد الشرطة ممثلاً للسلطة التنفيذية، ويبقى عاقداً للنفقة على أن تشطب عبارة “في حال إعفائه إلى حين تعيين بديل”، وذلك في القانون رقم 11 لعام 2015(14)، ما يحيل على المسؤولية المالية فقط من دون التصرف الإداري الممكن.
اللامركزية المعتمدة في هذا القانون، تتعلق فقط بشكلها الخدمي والتنفيذي، وتلغي بمضمون موادها اللامركزية ومبدأ الديمقراطية الانتخابية، وتعيدها إلى مركزية النظام السياسي وذلك من خلال المواد الآتية:
– المادة 3 التي أحدثت ما يسمى المجلس الأعلى للإدارة الذي يرأسه رئيس مجلس الوزراء كما أشرنا أعلاه، ومفاد هذا عودة كامل الصلاحيات اللامركزية إلى موقع المجلس التنفيذي فقط، وربطها به مركزياً.
– مادة 39 المتضمنة: يكون في كل محافظة محافظ يعين ويعفى بمرسوم، وهو يمثل السلطة السياسية المركزية في المحافظة وفق المادة 41، ويشرف على عمل السلطات المحلية والأجهزة المحلية والمركزية جميعها في المحافظة وفق المادة 42. ما يقلص دور الحالة الانتخابية المنوطة برئيس مجلس المحافظة المنتخب شعبياً كما نصت المادة 20.
– حدد استثناءات متعددة للأجهزة والقوى الأمنية من الحالة اللامركزية كما في المادة 46.
– حيّد موضوع الاختصاص والكفاءة سواء في حالة التعيين أو حالة الانتخاب للمكتب التنفيذي.
– نصت المادة 129 من دستور 2012 أن المجالس المحلية هيئات تمارس سلطاتها في الوحدات الإدارية وفقاً للقانون، بينما هي مرتبطة حكماً وفق المادتين 39 و10 بالمحافظ المعين وبرئيس مجلس الوزراء التنفيذي من خلال المجلس الأعلى للإدارة.
وتبدو واضحة الدراسات التي زينت لهذا القانون بشكليته الديمقراطية المنتخبة البراقة فهو ((ضمانة مؤسساتية دستورية: كونه يعترف بوجود كيانات إدارية مناطقية لها الحق في إدارة شؤونها ذاتياً، مع الاعتراف للمشرّع بحق تنظيم هذه الوحدات من حيث إحداثها أو إلغائها أو دمجها في نطاق عملية إصلاح إداري أو إقليمي تفرضه التوجهات الاستراتيجية الجديدة))(15)، مع أن المرجع ذاته يذكر ذلك التعارض الفاضح بين الدور التنفيذي المنوط بهذه المجالس المنتخبة وسلطتها التشريعية، ما يخالف نص القانون في ذاته، لتبرز التسويغية أكثر وضوحاً في ذلك من خلال منتدى محامي سوريا ((هذا القانون يشكل نقلة تشريعية نوعية تنظم عمل الإدارة المحلية والوحدات الإدارية باختلافها وواجب على كل مواطن المساهمة في إغناء هذه العملية الديمقراطية من أجل الوصول إلى مجتمع ديمقراطي))(16) الذين بدؤوا دراستهم له بالمادة 129 المذكورة أعلاه.
هي الشكلية النصية ذاتها التي حاول مجموع العاملين في حقل السلطة تلميع مفهومها حول ديمقراطية الدولة وعلمانيتها الزائف في المجتمع، بغية تسويغ الحرب على الثورة، ويظهر هذا الموقف بشكل جلي آخر في مواقع جنيف المتعددة إلى اليوم، وتنصلها من أي استحقاقات دولية تتعلق بتغير بنية النظام، وآخرها التنصل من اللجان الدستورية التي تقر مرجعية جنيف1 التي تستلزم التغيير الديمقراطي الكلي عبر هيئة حكم كاملة الصلاحيات واستبدال مرجعية سوتشي المنبه إليها أعلاه بها.

معوقات الإدارة اللامركزية الإدارية وضروراتها

تواجه اللامركزية الإدارية معوقات عدة في الدول المستقرة والديمقراطية أهمها، كما يقول الباحث في مجال الانتقال الديمقراطي توم كاروثرز، معارضة السلطة المركزية للتخلي عن سلطاتها المالية والإدارية التي تمارسها بشكل انفرادي، والثانية تتمثل في ضبابية قوانين اللامركزية(17). فكيف يمكن لها أن تطبق في نموذج يمتلك كامل مفاتيح السلطة؟ وليس ذلك فحسب، بل إن كوارث الحرب الشاملة على المجتمع أصابته بمجموعة من الفوالق العميقة، أهمها:
– تغول السلطة بأجهزتها المركزية الأمنية والسياسية وسطوة حلولها العسكرية ونتائجها الكارثية.
– الشروخ العمودية بين مكونات نسيجه المحلي، سواء كانت دينية أم سياسية.
– تنامي المشروعات محلية الصفة ذات النزعة الانفصالية.
وهذا ما لا يمكن أن يحل بنسخة دستور وصفية وقانون إدارة محلي موصوف باللامركزية وحسب، من دون معالجة أصل المشكلة أساساً وهو شمولية الدولة والهيمنة المطلقة لنظام الحكم. فإن كانت التباينات المطروحة بين مشروعي جنيف وسوتشي أعلاه، هي تباينات دولية تستند إلى محاولة الحل السوري، فإن الإدارة الذاتية واللامركزية الإدارية خطوة ضرورية في هذا الاتجاه؛ فعدا عن كونها خطوة عصرية تحتكم إليها الدول المتقدمة عالمياً تصل إلى مرحلة الفدرالية والتشريعات المناطقية المحلية الخاصة، إلا أنها تشكل خطوة أولى في المرحلة الانتقالية الممكنة تحقق نقاطاً عدّة هي:
• تخفيف مركزية السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية.
• تحيل إدارة المناطق السورية على إدارات منتخبة من دون وصاية نموذج السلطة المركزي، وتحقق ضرورات التحدي الديمقراطي من حيث بعدي التنمية والإدارة المحليين.
• تخفف من غلو المشروعات دون الوطنية ذات النزعة الانفصالية.
• تذهب باتجاه تخفيف الاحتقان الطائفي/ الديني المستشري بفعل العنف اليومي طوال ثماني سنوات.
في سياقات الحل السوري، طرحت مؤسسة راند الأمريكية خطة سلام للحل السوري(18)، تستند إلى تقسيم سوريا إلى مناطق آمنة كأساس للاستقرار والحل فيها، فتقول الدراسة: ((إن أفضل الآمال من أجل وقف المقتلة السوريّة، هو القبول بمناطق مُتفّق عليها، تأخذ في حسبانها التقسيمات الإثنو-طائفية، والخطوط الحالية للمعركة))، وبحسب خطة الحل هذه، فإن تقسيم مناطق السيطرة في سوريا سيؤدي بداية إلى مناطق وقف إطلاق نار كاملة تحت شعار الحيازة على الأرض كمناطق آمنة للاستقرار، مبنية على أساس القدرة على التحكم بالأرض من دون وجود تداخل بين النظام والمعارضة والأكراد، وفي النتيجة الوصول إلى حل سياسي ونظام حكم لامركزي، يعفي الأطراف كلهم من البحث عن موقع الرئاسة بشكله العمودي، وذلك سواء كانت بصيغة لا مركزية مخففة أم لا مركزية كلية.
تبدو تجربتي إدلب والتجربة الكردية إلى اليوم مهمتان في هذا السياق، وذلك بعد استثناء المنطقة الجنوبية منها، ومع أن التجربة الكردية مكثفة كنزعة انفصالية أولاً ومتحولة مع الزمن إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي واللامركزية الإدارية، لكنه يبدو من المبكر الحكم عليها ما لم ترتبط بالحالة السورية العامة من بوابة الانتقال الديمقراطي الذي تبدأ مقدماته عموماً من الإدارة الذاتية اللامركزية بما تتضمنه من سلطات لامركزية وإدارة ذاتية تخفف من هيمنة السلطة الحاكمة أياً كان شكلها، وتحد من غلو المشروعات الطائفية والقومية الضيقة الانفصالية بمرجعية مبادئ إدارية متضمنة في الدستور.
خاتمة وتوصيات
لا يمكن الارتهان للمشروعات الدولية وفقط في المسألة السورية، وحيث لا يمكن أن يمرر مشروع فيها إلا بضمانة دولية عامة وإرادة السوريين أنفسهم، وأمام استفحالها بوصفها مسألة دولية كثيفة وما قد تنتجه من كوارث عالمية، تصبح اللامركزية الإدارية ضرورة وطنية مرحلية تستهدف بناء خطوط الثقة أولياً وتجسير المبادئ الديمقراطية بشكل محلي، وتفتح البوابة العريضة للعمل السياسي والمدني من دون وصاية السلطة المركزية، لا أن تبقى رهينة مشروعات التقاسم والنفوذ الدولي من جهة، وهيمنة المركزية العسكرية الأمنية من جهة أخرى، وبالضرورة البحث عن طرائق انفصالية كاملة بدلاً منها.
من هنا، يمكن للوطنية السورية، بنخبها ومؤسساتها ومنصاتها المتعددة العمل على مشروع الدستور العصري بما يتضمنه من حقوق فوق دستورية تضمن الأمم المتحدة حمايتها وتنفيذها، مترافقاً مع تحقيق اللامركزية الإدارية والإدارة الذاتية السياسية المناطقية وفق الشروط فوق إدارية أولية تتلخص في:
– مجلس المحافظة منتخب محلياً بما فيه رئيس المجلس الذي يشغل رأس الهرم الإداري السياسي في المحافظة أو الإقليم (ما يسمى بالمحافظ المعين حالياً) ونائبه.
– إجراء مسابقة مفتوحة لأعضاء المكتب التنفيذي تراعي معياري الاختصاص والكفاءة معاً وبإشراف مجلس المحافظة وهيئة قضائية مستقلة.
– القوى الأمنية (الشرطة والأمن الداخلي) من أبناء المحافظة أو الإقليم ذاته، وتعمل بإمرة السلطة القضائية المحلية.
– الاحتكام إلى قانون قضائي مركزي عام يعتمد مفهوم المواطنة والدولة العصرية بشكله المبدئي.
– تحديد دور الأجهزة الأمنية وحصرها في حماية القانون الوضعي وتنفيذ القرار القضائي.
– الإدارة الذاتية للمناطق والأقاليم وربطها بالحياة البرلمانية العامة.
– حرية التنافس الاقتصادي والتعامل التجاري الحر وفتح البوابة للمواطن السوري في الداخل والخارج لحرية الاستثمار والادخار.
– هذا مع الاحتفاظ بجيش وطني موحد يتجاوز اللامركزية الإدارية.
ومن ثم يمكن للمسألة الوطنية السورية أن تقف على رجليها بذلك مرة أخرى، خارج رغبات الممولين والمتحكمين من جهة، والطامحين إلى اقتناص نصر عسكري ومن خلفه سلطة مطلقة، وكذلك خارج رغبات النفوذ العالمي ونزاعاته من جهة أخرى، كخطوة أولى في استعادة الهوية الوطنية السورية المهددة بالهدر والتأكل، واستعادة الثقة الممكنة بمستقبل سياسي قريب يفضي فعلياً إلى الاستقرار وتفعيل مؤسسات الدولة وفق نصها الدستوري المتفق عليه، وفتح الطريق أمام استعادة المواطن السوري بتصنيفاته كلها المعارضة والموالية والرمادية ثقته في مستقبل الدولة، سواء رضي بهذا غلاة السياسة في السلطة والمعارضة وأمراء الحرب أم لم يرضوا، ومن خلفهم المنظومات العالمية النفعية التي لا تبحث إلا عن مصالحها المادية وفقط من خلالنا وعلى أرضنا.

المراجع:
1- http://www.shrc.org/wp-content/uploads/2014/01/security-council.pdf
2- بيري كاماك وآخرون، انكسارات عربية، دراسة حالة 7 “سوريا – شبكة من الصراعات”، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 23/1/2017.
3- http://www.dailysquib.co.uk/world/3089-henry-kissinger-if-you-cant-hear-the-drums-of-war-you-must-be-deaf.html
4- https://arabic.rt.com/middle_east/964958
5- موسكو تكشف عدد القواعد العسكرية في سوريا https://arabi21.com/story/1075106
6- مؤتمر_سوتشيhttps://ar.wikipedia.org/wiki/ .
7- http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2015/12/20/
8- قانون الطوارئ، سورياhttps://www.marefa.org/
9- http://ouruba.alwehda.gov.sy/node/226558
10- موقع مجلس الشعب السوري،
http://parliament.gov.sy/arabic/index.php?node=5518&cat=423
11- دستور الجمهورية العربية السورية، 1973، http://www.shrc.org/?p=7453
12- إسماعيل عبد الله، الخارطة السياسية السورية 5، الحوار المتمدن، 24/6/2005.
13- موقع مجلس الشعب السوري، http://parliament.gov.sy/arabic/
14- موقع رئاسة مجلس الوزراء السوري،http://pministry.gov.sy/contents/12329
15- سعيد نحيلي، الإدارة المحلية في سوريا بين الواقع والأفاق، مركز دمشق للدراسات، 2017.
16- http://www.damascusbar.org/AlMuntada/showthread.php?t=21915
17- http://www.alghad.com/articles/2271582هموم اللامركزية
18- خطة مؤسسة راند الأمريكية للحل في سوريا، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 11/7/2016.

  • Social Links:

Leave a Reply