ماركس والدولة المدنية الناقصة – يونادم يونادم

ماركس والدولة المدنية الناقصة – يونادم يونادم

يكتب الرفيق يونادم يونادم فهمه لمسار النظريه بعد ماركس
وسننشر على التوالي مقتطفات مما يكتبه لسهولة القراءة
المقال الأول
ماركس والدولة المدنية الناقصه
يونادم يونادم
هل هناك نظرية مكتملة عند ماركس عن الدولة؟ أعلم بيقين تام ان مجرد التفكير في طرح السؤال عن وجود نظرية محددة عن الدولة (لدى ماركس، او انجلز، او لينين) سيكون له وقع جارح، لربما يؤخذ بمنزلة الهرطقة. فالدولة، عند ماركس، نقطة المبتدى ونقطة المنتهى. فانتصار نمط الإنتاج الرأسمالي، او التشكيلة الرأسمالية التي كرس ماركس فكره لدراستها وتحليلها، يبدأ بالظفر السياسي للطبقة الرأسمالية،

مثلما ان نهاية التشكيلة الرأسمالية، التي استشرف ماركس قربها الوشيك، يبدأ بتدمير الدولة الرأسمالية بالثورة الاجتماعية. لهذا السبب قلت إن الدولة هي نقطة المبتدى ونقطة المنتهى، مع كامل إدراكي ان الدولة، عند ماركس، متفير تابع، اي انها ليت قائمة بذاتها، ولا تفسر بذاتها. بل هي نتاج التطور العضوي للرأسمالية، أنها جزء من البنية الفوقية للمجتمع، حسب تحليله.

اهمية الدولة في نظر ماركس، تكمن في انها تمثل المنتوج النهائي للرأسمالية، ان جاز التعبير، أداة استمرارها، تنظيمها الأسمى، قوتها العاتية، ومعلم وجودها.

كما تتمتع أهمية الدولة من كونها أيضا اداه لتنظيم المجتمع الجديد، ووسيلة خلقه. ان ماركس هو منظر التسييس بلا منازع رغم الأهمية المركزية التي يضفيها على الاقتصاد، أي حركة نمط الإنتاج. ففي التحليل الأخير، ينبغي للطبقة العاملة أن تستولي على هذه الأداة، تحطمها، وتحل محلها أداة سياسية جديدة، كيما يتسنى إرساء الأساس لزوال المنظم الجديد (البروليتاريا) وأداته التنظيمية الجديدة (الدولة الاشتراكية)، أو اضمحلالها التدريجي.

الدولة، في تصور ماركس التاريخي تقف في نقطة النضج الحقيقي للرأسمالية، أي الظفر السياسي للطبقة الجديدة، مثلما تقف في نقطة انهيارها، وعليه فإن نمط الإنتاج الرأسمالي الناضج، مثلما رآه ماركس، يقف بين نقطتين سياسيتين: نشوء الدولة الرأسمالية من هنا، ودمارها من هناك. من هنا الأهمية

الحاسمة لموضوع الدولة.

الواقع آن ماركس وضع منذ وقت مبكر، لبنات نقد وتحليل الدولة الحديثة. حسبنا في هذا الصدد الإشارة إلى: نقد فلسفة الدولة عند هيغل، ثم نقد فلسفة الحق عند هيغل (انظر مثلا الكتابات المبكرة)، أو تحليلاته في “الايديولوجيا الألمانية”، التي تتناول تاريخية الدولة، علاقتها بالمجتمع المدني، تفاعلها مع مالكي الثروة، بل مع شتى الطبقات، إلخ.

هذ٥ الكتابات المبكرة تفصح عن نوايا ومشاريع تتناول الدولة الحديثة. إلا أنها، كما سنرى، بدايات مشاريع.

تحوّل مركز الثقل في اعمال ماركس من تحليل الدولة إلى تحليل ((المجتمع المدني)) (اي المجتمع الرأسمالي) بعد المخطوطات الاقتصادية – الفلسفية، إلا أنه لم يتخل عن إفراد مكانة أساسية لتحليل الدولة.

ولتبيان هذه الحقيقة حسبنا الالتفات إلى خطط ماركس في مشروعه لدراسة التشكيلة الرأسمالية، على خطط كتابة “رأس المال”.

هناك ما لا يقل عن 14 خطة مختلفة صيغت بين أيلول 1857 ونيسان 1868 حسب قول روسدولسكي (انظر المراحع).

الخطة الأصلية تتوخى تقسيم دراسة التشكيلة الرأسمالية كنظام عالمي (لا كدولة قومية محددة) إلى ستة

مجلدات يتناول كل مجلد حقلا محددا على النحو التالي:

1 – رأس المال

2 – الملكية العقارية

3 – العمل المأجور

4 – الدولة

5 – التجارة الدولية

6 – السوق العالمية.

تعرضت هذه الخطة الأصلية، القديمة نسبيا، إلى التعديل. فمثلا إن العمل المأجور صار فصلا من فصول الجزء الأول من رأس المال، مثلما أن الملكية العقارية بحث بحثا مستفيضا في الجزء الثالث منه. واندمجت البنود 1 و2 و3 فيما بعرف الآن بالمجلدات الثلاثة لراس المال (1)

هذا التعديل اختزل التقسيم السداسي إلى تقسيم رباعي على النحو التالي: 1 -رأس المال

2 – الدولة.

3 ٠ التجارة الدولية.

4 – السوق العالمية.

من الواضح وضوح النهار أن ماركس لم يتمكن من تغطية المواضيع 2 و3 و4، لا في النصوص المنثورة لرأس المال، ولا في المخطوطات (2).

اعطى ماركس الأولوية في عمله التفصيلي لتحليل نمط الإنتاج بتلك الغزارة الأخاذة، وذلك التنقيب الدقيق المتأني، المركب، معتمدا على منهجية تجمع تقاليد المدرستين الألمانية والإنجايزية٠٠ومنهجية هيغل التاريخية النزعة إلى البناءات الكبرى (اي ما يدعى ب grand narratives حسب تعبير ليونارد)، ومنهجية بيكون التجريبية، المتفحصة لحالات مفردة، جزئية، كمقدمة لأي تعميم٠

ولا حاجة إلى القول إن هذا العمل الذي تواصل من عام 1843 حتى عام 1883 استغرق جلّ الحياة الواعية لماركس، واستنفد معظم جهده النظري. ومن الواضح ان هذا الاستنفاذ او الاستغراق يعكس اولويات منهجية، اولوية تحليل (المجتمع المدني)، (اي الرأسمالي) كلحظة مقررة وحاسمة، من اجل فهم المجال الآخر السياسي والحقوقي، او الدولة إن شئتم. إن الانتقال من لحظة المجتمع إلى لحظة الدولة لم يكن غائبا قط عن ذهن ماركس، إلا ان الانتقال من هذه إلى تلك لم يتحقق في مجال البحث النظري، مع انه كان ملازما لتفكيره. لقد نشرت أعمال ماركس وإنجلز الكاملة (طبعة MEGA الألمانية) في 52 مجلدا، تشكل المؤلفات الاقتصادية منها 17 مجلدا، أما الباقي فموزع على مؤلفات الشباب، والمباحث الفلسفية والتاريخية والسياسية، والمراسلات، علاوة على المقالات الصحفية الظرفية. وخلال هذه المجلدات برمتها لن يجد المرء اي نص مكرس للدولة، باستثناء نقد فلسفة الحق ونقد فلسفة الدولة لدى هيغل (1843).

ويقع هذا النص في نحو 70 صفحة من القطع الصغير (حجم طبعات بنجوين Penguin الشعبية) او نحو 45 صفحة من القطع الكبير ٠ ويعود تاريخ كتابة هذا النص الهام إلى آذار – آب 1843. (النص الكامل الذي وضعه ماركس في نقد فلسفة الدولة ثم نقد فلسفة الحق عند هيغل مع كتابات اخرى في كتاب مستقل بعنوان: “الكتابات المبكرة”)

ها نحن أمام حساب بسيط: 45 صفحة من 52 مجلدا أشرنا إلى أن الاستغراق في تحليل (لحظة المجتمع) كان أولوية منهجية، منعت ماركس من الانتقال إلى (لحظة الدولة) بعد هذا المستوى الوسيط، إلى اللحظة الأشمل: السوق العالمي. نرى في هذا النقص (خارج حدود الأولويات المنهجية) ذلك التضاد المؤسس، المستحكم بين

محدودية الكائن البشري، والامتداد اللانهائي لوقائع التطور البشري.

(1) افرد ماركس مجلدا آخر للنظريات الاقتصادية، نشر بعنوان: نظريات

فائض القيمة ٠

(2) تقع المخطوطات في 200 نسخة وتقدر بأربعة أضعاف حجم الغروندريسة (المخطط الأول للدراسات عن راس المال)، كما يقدر متنها بنحو 5.1مليون كلمة. (انظر مقدمتنا لكتاب: ماركس، نتائج عملية الإنتاج المباشرة. الجزء المجهول من رأس المال، 1989، بيروت، ص 11وما بعدها.

بعد هذا المستوى الوسيط، إلى اللحظة الأشمل: السوق العالمي. نرى في هذا النقص (خارج حدود الأولويات المنهجية) ذلك التضاد المؤسس، المستحكم بين محدودية الكائن البشري، والامتداد اللانهائي لوقائع التطور البشري.

رغم أن ماركس لم يضع او لم يتسن له أن يضع نظرية واضحة، مشغولة، مفصلة في الدولة، فإنه قدم حشدا كبيرا من التعليقات، والانتقادات، واللذعات الهجائية، والتصورات والوقائع عن الدولة، وبخاصة الدولة الرأسمالية كما تطورت امام ناظريه. ليست هناك من وسيلة بالطبع لتسويغ الافتراض أن هذه الملاحظات كانت جزءا من نظرية مكتملة الملامح سوى أن فسحة الزمن (او “أمنا الطبيعة” حسب قوله) لم تسنح لتدوينها. لقد ذهب ماركس في رقاده الأبدي، ولن يسعنا أن نعلم، إلا في افتراضات درامية جديرة بخيال روائي، إن كان هذا هو الحال حقا. ولإيساعنا ان نعرف بالطبع، ان كان ماركس سيحتفظ بملاحظاته واحكامه المنشورة فيما لو تفرغ لدراسة الدولة بكامل الامتلاء الذي محضه لدراسة المجتمع الرأسمالي أم كان سيعدلها في ضوء الوقائع التجريبية، او السير الفعلي للتاريخ، الحكم الأول والأخير عنده. لكن ما نعلمه، جزماً، أن مثل هذه النظرية عن الدولة لم تكتب، والأبحاث الاولية عنها لم تكتمل.

أما تعليقات ماركس في كتاباته السياسية، وبخاصة ثلاثيته عن فرنسا (الصراع الطبقي في فرنسا، 18 برومير لويس بونابرت، والحرب الأهلية في فرنسا) او في نقد برنامج غوته، او خطابه في اجتماع الأممية (لاهاي 1872) او رسائله او تعليقاته الكثيرة (ولا يزيد التعليق أحيانا عن سطر او سطرين)، فإنها، بمجموعها لا تشغل غير حيز متناه في الصغر حقا، حيّز ينبئ عن نوايا مقبلة.

ماركس والدولة: حقول الملاحظات

يلاحظ عدد من المفكرين الماركسيين المعاصرين، (ميليباند، هيرست، كارنوي وآخرون) ان ماركس خلّف لنا تراثا عن الدولة لا يزيد عن “مجموعة غير منظمة” من التحليلات السياسية والفكرية، رغم ان نقد مفهوم الدولة الهيغلي (كما سنرى)، شكل انطلاقه في دراسة الدولة كما في الفكاك من أسر هذا الفكر

الهيغلى نفسه. ويمكن، ابتغاء التبسيط، ان نقسم ملاحظات ماركس زمنيأ إلى ثلاث مراحل:

1 – المرحلة الأولى هي مرحلة بداية النقد الهيغلي. والنص الأساسي لهذه المرحلة هو: نقد فلسفة الحق عند هيغل، ونقد فلسفة الدولة. في هذه المرحلة تدور تحليلات ماركس في إطار فلسفي – تاريخي يمكن إيجازه في حقلين: الحقل الأول هو اشتقاق الدولة من المجتمع المدني، لا من الفكرة المطلقة. والحقل الثاني هو نقد انفصال المجتمع السيامي (الدولة) عن المجتمع المدني. وهما حقلان سيندمجان في ملاحظاته وتحليلاته اللاحقة عن الدولة. في هذ، المرحلة يقع ماركس تحت تأثير فيورباخ الحاسم.

2 ٠ المرحلة الثانية هي مرحلة تصفية الحساب مع الوعي الهيغلي – الفيورباخي، وعرض التصور المادي الجديد للتاريخ.

المرجع الأساسي لهذه المرحلة هو: *الايديولوجيا الألمانية، (1845. 1846). ومن المفيد تبويب وفرز ملاحظات ماركس عن الدولة في هذا المؤلف، وهيا اغنى مرجع مبكر من حيث كمية الملاحظات ونوعيتها٠

نجد في “الايديولوجيا الألمانية”، جمهرة ملاحظات وتحليلات عن الدولة موزعة على الشكل التالي:

8 ملاحظات. 1 – جو٠هر الدولة

4

ملاحظات. 2 – الدولة والانقسام الطبقي

4

إشارات. 3 – الدولة والبرجوازية

1

ملاحظة

٠

4 – الدولة والطبقة العاملة

1

ملاحظة. 5 – آصل نشوء الدولة

1

ملاحظة. 6 – الدولة ونظام المراتب الاقطاعية والطوائف الحرفية

3

ملاحظات. 7 – الدولة والمجتمع المدني

ملاحظتان. 8 – الدولة فى منظور الهيغليين الشبان

4

ملاحظات. 9 – نقد وهم استقلال الدولة عند الهيغليين الشباب

هذه التعليقات والتحليلات والإشارات (بعضها فقرة إضافية وبعضها بضعة أسطر وإن تكن مرتبطة بسياق أوسع) تتمحور في أربعة حقول:

1- الفقرات من 1-4 تتعلق بالدولة كأداة للسيطرة الطبقية بيد البرجوازية،.

2- الفقرات 5-7 تتعلق بتاريخية الدولة ونشاتها في الحقبة الاقطاءية٠

3- الفقرة رقم (8). تتصل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع ككل.

4- الفقرة 9 تتركز على النقد الفلسفي لمدرسة الهيغلييين الشباب.

نحن بإزاء أربعة حقول، يتميز الرابع منها بسجال ظرفي، سجال مع المدرسة الهيغلية يخدم في تأسيس التمايز الفكري عنها، وستضمحل أهميته لاحقا، بعد هجرة ماركس إلى فرنسا وبلجيكا فإنجلترا، حيث سيواجه ظروفا جديدة.

3- المرطة الثالثة: تغطي الفترة الثانية من نشاط ماركس التي توصف عادة بالمرحلة الناضجة. في هذه المرحلة ينتقل ماركس من التركيز على السياسة إلى التركيز على المجتمع، ومن الفلسفة الى الاقتصاد السياسي. إن عملية العبور تبدأ بوادرها مع “العائلة المقدسة”؛ و”الأيديولوجيا الألمانية” و”المخطوطات الاقتصادية – الفلسفية”. نقطة التحول تبرز، بلا مراء في “البيان الشيوعي”، ثم، تتوطد في “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”، الاستهلال الكبير “لرأس المال”.

في هذه المرحلة يبلور ماركس مفهومه للطبقة، كفاعل سياسي، وللسياسة كمظهر أو تجل للمصالح الطبقية، من هنا ضرورة تسييس الطبقة العاملة عنده، تنظيمها في حزب خاص لتمثل مصالحها الخاصة، من جانب، وليحلل من جانب آخر الأزمات الدورية للرأسمالية (على أساس مثال إنجلترا) كمقدمة للانهيار التاريخي.

تبرز في هذه الفترة كوكبة من المفاهيم الجديدة. القاعدة والبناء الفوقي، الطبقات ككليات فاعلة، تناحر الطبقات، القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، التضاد المستحكم بين الاثنين، الازمات الدورية للرأسمالية، الحتمية التاريخية لموت هذه التشكيلة، تنظيم البروليتاريا في طبقة مستقلة، الإعداد للانقلاب الثوري، إقامة دكتاتورية البروليتاريا، زوال الطبقات واضمحلال الدولة.

في إطار هذه الكوكبة من التصورات سيعيد ماركس صياغة تصوراته السابقة عن الدولة. إلا أن هذه التصورات لن تسقط بعض الاستنتاجات القديمة من المرحلة الهيغلية، لكنها ستغتني بوقائع التجربة التاريخية، الاوروبية.

تتوزع ملاحظات ماركس على ثلاثة حقول من المفاهيم الأساسية عن الدولة:

1 – الحقل الاول يقوم على مفهوم الدولة كأداة للهيمنة الطبقية والقمع الطبقي، أداة لضمان ملكية ومصالح الرأسمال ضد العمل، لجنة لتسيير شؤون البرجوازية، العنف المنظم للرأسمال من اجل

اخضاع العمل. إنها نتاج التناحرات الطبقية للرأسمالية والقوة الناظمة لها.

إن هذا المفهوم المركزي يتفع عن جملة من المفاهيم الثانوية، التابعة، منها نقد فكرة حياد الدولة، او نقد تمثيلها للمصالح العامة، أو نقد التدابير الانتخابية، او نقد فكرة المساواة الحقوقية – السياسية.

ان ماركس عدو الدولة اللدود، وداعية زوالها.

2 – لحقل الثاني يقرم على مفهوم آخر، يرى ان الدولة كمؤسسة مستقلة عن المجتمع المدني، بل تصبح سيدة له، قوة مهيمنة عليه (انظر مثلا: 18 برومير لوس بونابرت).

3 – الحقل الثالث يقرم على مفهوم جديد يؤكد تاريخية الدولة، اي يؤكد خصوصية كل دولة في التطور بفعل اختلاف الثقافات، والجماعات الإثنية، والعوامل التاريخية المختلفة.

إن الحقل الأول هو التصور المركزي الأساسي الذي بلوره، إنجلز أولا، في ضوء تحليله للتجربة الشارتية في إنجلترا. وتد تبناه، ماركس ورسخه، كما أشرنا، في “الإيديولوجيا الألمانية”. و” البيان الشيوعي” وفي “مساهمة في نقد الافتصاد السياسي”. بيد ان تجربة فرنسا (18 برومير، فالكومونة) قدمت لماركس معطيات جديدة أعادته إلى إحياء جانب من منطلقاته السابقة، أي الحديث عن استقلال الدولة عن المجتمع ككل بوصفها قوة مهيمنة عليه. كما ان التجربة العملية لحركات الطبقة العاملة قادته إلى التحول من النموذج الكلي (الدولة بعامة) إلى الحالات الجزئية (بريطانيا، فرنسا، هولندا، إلخ) مفسحا المجال لرسم خط بياني خاص لتطور كل دولة على انفراد، مما يعني ان الدولة لم تعد تشتق مباشرة من نمط الإنتاج. لم تمد الدولة (نموذج بونابرت) خاضعة لطبقة واحدة (أحيانا تخضع لفرد واحد)، كما لم تعد ثابتة البنية.

وبالطح فان هذه التمايزات في تشكل الدولة تخضع لمنطق مشترك: إنها تجري في إطار التشكيلة الرأسمالية الأوروبية المعاصرة لماركس.

بناء عليه فان الحقل المركزي (الأول) حقل نسبي تماما، من حيث تعيين “جوهر” الدولة، وهو حقل نسبي أيضا من حيث تعيين “بنية الدولة”، وهو نسبي كذلك من حيث اختزال الدولة الى “نتاج” لنمط الإنتاج، او اشتقاقها من هذا النمط وحده.

ماركس ومونتسكيو

تعتمد تحليلات ماركس وملاحظاته على وقائع تجريبية ملموسة، فهذا هو صلب وأساس منهجه في البحث. حسبنا التنكير بان مر١حع “رأس المال”، ناهزت العشرة آلاف مرجع ووثيقة.

لكن هذه التحليلات لا تتميز في كونها ملاحظات غير منسقة في نظرية خاصة بالدولة، فحسب (كما أشرنا) بل انها ذات محدودية اخرى، زمانية ومكانية.

لا ريب في ان ماركس درس دراسة مستفيضة تاريخ المانيا وفرنسا وبريطانيا، بما في ذلك تطورها السياسي، وبوجه أدق تطور الدولة.

إن تعميماته وملاحظاته تعتمد أساسا على هذه البلدان. بتعبير آخر إنها تعتمد على جزء من التجربة الأوروبية المعاصرة لها. وماركس نفسه يعترف، بتواضع العارف، ان دراساته عن الدولة محدودة تماما. وهذا ما نراه في نقاشه مع الحركة العمالية في هولندا (مؤتمر الاممية في لاهاي 1872) حيث يؤكد انه يجهل خصائص الدولة وتطورها في هذا البلد، ولا يستطيع ان يقرر إن كانت الثورة البروليتارية قابلة للتحقيق بوسائل الاقتراع (كما في إنجلترا) أم بوسائل العنف، كما يتوقع لها في بعض بلدان

القارة (فرنسا أساسا). الميزة الأخرى لتعميمات ماركس انها محدودة من حيث الزمان أيضأ. فهي تتمحور بدرجة أساسية على القرن التاسع عشر. مثل هذه المحدودية في رقعة المكان والزمان تجعل أي تعميم ناقصا. فالاستدلال (induction) الفكري، أي استخلاص مفهوم عام من حالات فردية، لا يتحقق، كما رأى أرسطو، إلا بعد الفراغ من معاينة كل الحالات الفردية. ولربما لهذا السب بالذات أدار أرسطو ظهره إلى الاستدلال باعتباره محالا منطقيا. ولربما لهذا السبب بالذات احيت الفلسفة الإنجليزية على يد (فرنسيس بيكون)، مبدأ الاستدلال المنطقي ارتباطا بالنزعة التجريبية، أي دراسة الحالات الجزئية.

من المفيد هنا أن نقارن نماذج ماركس بنماذج مونتسكيو. ومرد هذا الاختيار أن مونتسكيو هو أحد المنابع الأساسية للفكر السياسي ل (هيغل) ١لذي تعلق به ماركس، نقدا او قبولا، كما ان مونتسكيو هو خير مرجع كلاسيكي للنظم المقارنة.

يعتمد مونتسكيو في نظريته الحقوقية-السياسية (روح الشرائع) مقارنات تاريخية حضارية – جغرافية واسعة، مرنة، ومركبة.

معروف أن منطلق نظرة مونتسكيو هو النظرة الحقوقية، أي دراسة القوانين. انه يرى، أي مونتسكيو، في القوانين والشرائع (عقل الانسان) والتي ستتحول إلى “العقل” أو “الفكرة” الهيغلية لاحقا.

ونراه ينظم دراسة الحقوق من الأعلى إلى الأدنى. وهناك أولا القانون الطبيعي (الناشئ عن تركيبنا ككائنات طبيعية)، (٠حق السلم، حق الاغتذاء، حق الوصال الجنسي). هناك ثانيا القانون الوضعي، وهو يتمايز إلى حقول شتى: حق الأمم (العلاقات بين الدول) الحق السياسي العام (الحكمة ١لبشرية الني تتأسس عليها كل المجتمعات) الحق السياسي الخاص المميز لكل مجتمع (علاقة الحاكم بالمحكوم) الحق المدني (علاقة مواطن بآخر، أي العلاقات الاجتماعية)، والحق المنزلي (الاسرة).

ولو قلبنا التسلسل لتشكلت عندنا السلسلة التالية: الأسرة، المجتمع المدني، المجتمع السياسي (الدولة)، النظام الدولي. وهو بنيان فلسفة الحق نفسه عند هيغل كما سنرى.

بعد تحديده لمفهوم القانون (أو الشرائع) الوضعي باعتباره “عقل الانسان”، يبدأ مونتسكيو بحثه في اشتقاق القوانين من ” طبيعة الحكومة” أو حسب تعبيره “مبدأ كل حكومة”، فهو العنصر الحاسم، والمنبع الأصلي الذي تتفرع عنه المسارب الأخرى، سواء نزولأ إلى المجتمع فالأسرة والفرد، أم صعودا إلى العائق بين الدول.

إن شكل الحكم (شأن روح الشرائع) يتحدد بمركب من عوامل متنوعة: خصائص الشعب المعني (الاخلاق، العادات، الدين)، ثم سبل عيشه (أو نمط الإنتاج المحدد: زراعة، صيد، رعي، تجارة)، ثم الخصائص الطبوغرافية (المناخ، تضاريس الأرض، الموقع)، ثم مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي، – حجم الثروة، عدد السكان إلخ. وسيجد في هذا التعيين المركّب من حتمية ثقافية، وحتمية جغرافية، وحتمية اقتصادية، منبعا لتعيين تنوعات هائلة في نظم الحكم، ومبادئه، وبنائه المؤسساتي، وتقاليده، وقواه الاجتماعية. إن نظام العلاقات الضرورية التي يطلق عليها اسم الشرائع، تندغم عنده، شان بنية الدولة، في كل الأبعاد المذكورة.

يجد دارس مونتسكيو. أن لديه حشدا من الدول يغطي القارات: اميركا، فرنسا، انجلترا، اسبانيا، السويد، روميا، هولندا، ايطاليا، تركيا، اليابان، الصين، افريقيا، او التاريخ: روما، أثينا، بابل، قرطاجة، الآشوريون، أسبارطة، إلخ٠ لكنه يركز على خمسة نماذج اساسية: الجمهورية الرومانية ودولة المدينة الإثينية، الامبراطوريات الاستبدادية الشرقية (تركيا العثمانية)، النظام الملكي الفرنسي، النظام الملكي البريطاني. يبدأ تنميط مونتسكيو للدولة من حيث اشكال الحكم: جمهوري، ملكي، استبدادي. ثم يعمل على توسيع هذا التنميط الأساسي بتنميطات ثانوية من أسلوب الحكم (ديمقراطي، أرستقراطي)، الى المبدأ الأساسي للحكم، إلى اشكال تنظيم المؤسسات في الدولة (فصل او دمح السلطات)، إلى اشكال التنظيمات الوسيطة الواقعة ين الدولة والمجتمع، والطبقات التي تشغل هذه المواقع.

وبقدر ما يتطق الأمر بهذه الدراسات المقارنة يمكن القول إن المقايسات والمقارنات نات ثلاثة أبعاد.

البعد الأول هو البعد الحضاري، أي المقارنة بين الدولة في الشرق والدولة في الغرب.

والبعد الثاني بعد تاريخي، هو مقارنة أوروبا الحديثة (في زمانه) بماضيها، بروما القديمة أو أثينا.

أما البعد الثالث فيعتمد مقارنة داخلية إن جاز التعبير بين

النموذج الفرنسي والنموذج البريطاني، المتمايزين مؤسساتيا واجتماعيا واقتصاديا، وان كانا يندرجان في نمط “المجتمع التجاري” أي المجتمع الرأسمالي الحديث. ورغم الطابع الحقوقي في سفر مونتسكيو، فإنه يقدم نظرة أرحب إلى الدولة، وبخاصة بعدها المؤسساتي وعلاقاتها بمختلف الطبقات. وأن هذه الأبعاد امتدت، الى حد ما، إلى معالجات هيغل.

لكن ما يهمنا في هذا الصدد، الاشارة إلى سعة وشمول نظرة مونتسكيو إلى تنوع الدول، وضيق ومحدودية تذميط الدولة، المختزل في كلاسيكيات ماركس. نعود إلى حيث انطلقنا. لم يترك لنا ماركس إرثا كافيا في مجال دراسة الدولة، بل خلف حقولا فارغة، تتعلق بتشكل الدول الحديثة في أوروبا، آو في الشرق: اليابان، مصر، تركيا العثمانية. لقد عاصر ماركس ثورة الميجي اليابانية، واطلع على إصلاحات محمد علي، وكانت التنظيمات العثمانية الأولى قد بدأت في حياته. لكن عينه بقيت لصيقة بأوروبا، بل بدولها الرئيسية: فرنسا، بريطانيا، المانيا، رغم إشاراته المهمة لنمط الدولة في الشرق القائم على غياب الملكية الخاصة للأرض، معللا ذلك بظروف المناخ وطبغرافية الأرض (حتمية مونتسكيو الجغرافية؟) وخضوع المنتجين للدولة بوصفها المالك والحاكم (فرضية نمط الإنتاج لآسيوي).

الوظائف الغائبة: ماركس وهيغل

أشرنا فيما سبق إلى الحدود المعينة التي تناول فيها ماركس الدولة: الإطار الأوروبي، والقرن التاسع عشر؛ وينبغي الآن أن نتناول حدود معاينة ماركس لوظائف الدولة وبئيتها في هذا الإطار عينه.

إن مبضعه التحليلي ينصب على الوظائف القمعية للدولة بعامة، وظائفها في لجم الصرع الطبقي وضبطه، ودرجة خضوعها لقوة المال ممثلا بالطبقة الجديدة (الرأسمالية أو البرجوازية). كما يعاين ماركس الانفصال، لمدمر برأيه، بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي (فكرة هيغل المستعارة من آدم سميث) او انفصال النواب عن ممثليهم. كما يركز نار نقده عنى ضيق ٠حق الاقتراع العام، من جانب، مثلما يتطلع إلى استثمار هذا الحق وسيلة للانقلاب الاجتماعي حيثما يشكل العمال أغلبية الأمة، من جانب آخر.

وأصيب ماركس بعدوى النقد الرومانسي الألماني لمبدأ فصل السلطات (مونتسكيو) وأهميته، بل ضرورة تطويره، فذراه يدعو إلي دمج السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدولة الثورية المقبلة، مكررا صدى فكرة هيغل عن اعادة وحدة المجتمع |المدني والمجتمع السياسي وان يكن هيغل يربط هذه الوحدة بوجود المجتمع المدني من خلال احزابه السياسية، بينما يربط ماركس هذه الوحدة بتدمير المجتمع المدني، وإلغاء تعارضاته، شرطا مسبقا لوحدة الاجتماعي والسياسي. ((إن هذ١ الدمج للسلطة الاقتصادية بالسلطة السياسية، وازالة

المنظمات الاجتماعية الوسيطة بين الفرد والدولة أنجب ديكتاتورية موظفين، تعمّر طويلا، كما نعرف بلتجربة التاريخية)).

ان دراسات ماركس لا تتناول كثرة من الحقول التي تظل فارغة. ويمكن ذكر أبرز هذه الفراغاات:

1 . دور الدولة في بناء الأمة، عملية المطابقة بين الحدود

الإثنية للأمة والحدود السياسية للدولة.

2 . دور الدولة الثقافي، وظائفها في مجانسة اللغة، وتوطيد الثقافة العليا الموحدة، وخلق نظام التعليم

الحديث.

3 – وظائف الدولة كمالك ومنتج (مثال الميجي – اليابان، أوالمانيا، ق 19).

4 – أشكال المؤسسات لتنظيم العنف المشروع (الجيوش)، وظروف خضوعها للمؤسسات السياسية المدنية أو جموحها عنها.

5 – دور الدولة كفاعل مستقل في التاريخ العالمي.

هذه فراغات مؤكدة؛ فراغات لا يزال الفكر النظري السياسي- التاريخي يعمل فيها محاولا البحث والتنقيب، وهي تشي بسعة هذا الحقل وتعقيده. مع ذلك لم تكن هذه القضايا غائبة عن مجال

الرؤية في الفكر الأوروبي. ولقد تناول هذه الجوانب وغيرها حشد من المفكرين السابقين لماركس. بل إن بعض الباحثين الماركسيين وغير الماركسيين الأوروبيين المعاصرين يتساءل بتعجب من اغفال ماركس لدور الدولة في تكرين الامة، وهو المعروف ببصيرته الثاقبة في التقاط أدق التفاصيل في الحقل الاجتماعي والسياسي، رغم أن القرن التاسع عشر كان يعد عصر نهوض القوميات، عصر الصراع المحتدم للمطابقة بين الحدود الإثنية والحدود السياسية التي نسميها ظاهرة تكرين الأمم القومية States Nation-.

أشرنا في مطلع ورقة البحث هذه الى عاملين: عامل منهجي اعطى ماركس بموجبه الأولوية لتحليل بنية المجتمع بوصفها العنصر الحاسم والمقرر. وعامل اخر بيولوجي – معرفي: يتعلق بمحدودية وقصر أمد الحياة لدى الكائن البشري من جهة، وسعة او لا تناهي حقل المعرفة من جهة أخرى.

  • Social Links:

Leave a Reply