موالد النساء في دمشق الجديدة – محمد تركي الربيعو

موالد النساء في دمشق الجديدة – محمد تركي الربيعو

موالد النساء في دمشق الجديدة: 

حركة قبيسيات؟ أم رسم لخطوط الصراع في المدينة؟

محمد تركي الربيعو

بعيد فترة الخمسينيات والستينيات، بدأ الاحتفال بالمولد النبوي في الفضاء الحضري السوري شيئاً فشياً يقتصر على اقامته في البيوت أو المساجد، بينما أخذت الاحتفالات الدينية الشعبية مثل “خميس المشايخ” في حمص، وغيرها من الطقوس التي ما تزال تمارس إلى يومنا هذا في مدن القاهرة والدار البيضاء، تتراجع لصالح رؤية أكثر حداثوية لهذا الطقس. 

وكان الباحث البلجيكي توماس بيريه قد أشار في دراسته الاثنوغرافية “عرض سلطة العلماء: المولد النبوي في مدن سوريا”، والتي شملت مدينتي حلب ودمشق، إلى أن أسباب توحيد الاحتفال الديني بهذا اليوم، بدل المظاهر المختلفة للاحتفال التي كانت سائدة، يعود لأسباب تتعلق بالمفاهيم الحداثية الاصلاحية التي بدأت توجّه مع بدايات القرن العشرين ضربات قاضية للطقوس الصوفية الدينية، إضافة إلى أن ازدياد توغّل الدولة في الحياة اليومية هو عامل آخر لا يقل أهمية؛ إذ شهدنا ظهور مقاربة أمنية حيال أي حدث أو تجمع؛ بيد أنه في موضوع الموالد الدينية، شكّل تخصيص أماكن محددة للاحتفال به، بدل ممارسة هذه الاحتفالات في الشوارع أو الساحات العامة، أمراً ايجابياً، كون هذه الاحتفالات غالباً ما تترافق مع طقوس انتهاك، لا تشمل بعض الطقوس غير المألوفة (اختيار ملابس تنكرية)، بل تتضمن اعادة إدارة المكان وتنظيمه بعيداً عن عيون السلطة غالباً، إذ أن قيام المحتفلين بأداء دور رجال الأمن والشرطة وإدارة الفضاء، يُعدُّ تعطيلاً لدور الدولة في ممارسة العنف المشروع (إذا اعتمدنا تعريف فيبر للسلطة).

كما يحمي هذا التخصيص لأماكن الاحتفال، كما تبين لبيريه من خلال جولاته الاثنوغرافية، سلطةَ العلماء، فالمولد يتحول في الجامع إلى مسرحية تقدّم نظاماً اجتماعياً يسود فيه العلماء، وتمنع بالمقابل أي انتهاك أو محاولة للاحتفال خارج القواعد (لاحظ بيريه في أحد جولاته كيف صُدَّ عدد من الشباب الذين حاولوا الاحتفال بهذا الطقس بحركات مختلفة واخرِجُوا خارج المسجد من قبل القائمين وليس السلطة).

إعادة اختراع المولد النبوي:

بيد أن ما كشفته الأيام الماضية والتي صادفت احتفالات المولد النبوي، أننا أمام مشهد مغاير للمشهد الذي وصفه لنا بيريه بين عامي 2006ـ2008 فالملاحظ ترافق الاحتفالات هذا العام مع مظاهر مغايرة للقواعد السابقة.

و نقلت وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لنساء دمشقيات وهن يحتفلن في أحد المطاعم الموجودة في ضواحي المدينة (بلودان) ويتمايلن بحركات ايقاعية بعيدة عن حركات الأجساد المعروفة في الذِكر. وبينما ربط البعض هذا المشهد بالاهتمام الملحوظ الذي أبداه النظام باحتفالات المولد النبوي هذا العام، ربطه آخرون، بنوايا لدى النظام في ارسال رسالة للعالم حول دعمه لهذا الاسلام الصوفي الشعبي كبديل عن الاسلام السلفي الذي نراه في ادلب؛ فهؤلاء النسوة وفق هذه القراءة لسن سوى قبيسيات مثّلن المشهد بإحكام في سياق السياسات الدينية الجديدة للنظام السوري.

غير أن هذا التفسير للأمر بوصفه لعبة أو تسريب من مؤيدي النظام، لا ينقل سوى جزءاً بسيطاً من مشهد الاحتفال، وارتباط هذا المشهد بالتغيرات على صعيد الهويات المحلية والحرب وربما على صعيد الاشكال والشبكات البديلة الاسلامية المحلية، وغاياتها في مجتمع محلي دمشقي طاله كما طال غالبية المدن السورية تغيير كبير، وإن كان هذا التغيير في مدينة دمشق طال الأطراف، بينما بقيت بعض الأحياء محافظة على طابعها الاجتماعي والثقافي إلى حد ما.

هل كنّ قبيسيات؟

 تصف لنا آنا مادوف/ أستاذ الجغرافيا الحضرية، اعتماداً على تصوّر حنا ارندت، طقسَ الموالد الشعبية في القاهرة. فالمولد لا يُعدُّ مكاناً روحياً ورمزياً، بل أيضاً مكاناً لإعادة ترتيب العلاقات والصراعات، والأجساد بين أهل المدينة.

وفي حال مولدنا بدمشق، ذكرت بعض التحليلات كما أسلفنا، أن النساء اللواتي شاركن يُعتبرن بشكل أو بآخر امتداداً لحركة القبيسيات التي تأسّست على يد الشيخة منيرة القبيسية، والتي ضمّها الشيخ كفتارو (صاحب العلاقة المتينة مع نظام الأسد الأب) إلى الطريقة النقشبندية في نهاية خمسينيات القرن العشرين. وبقيت هذه الجماعة النسوية الدينية، تمارس على امتداد عقود دورها في المدينة ضمن أطر تنظيمية ذات طبيعة علمانية، كما فعل علماء دمشق، وقد تجسّدت الطبيعة العلمانية لهذه الأطر أو المؤسسات، كما يشير الباحث السوري عمر العمادي، في نموذج “الجمعيات”. فقد أدرك العلماء أن مؤسساتهم التقليدية لا يمكن التعويل عليها في ظل الدولة القومية الحديثة، لا سيما أن الأوقاف (المؤسسة التقليدية) أصبحت في متناول الدولة/عمر العمادي. فوجدوا في الأشكال التنظيمية العلمانية بديلاً وخياراً أفضل.

بيد أن اللافت للنظر في الفيديو المنتشر للفتاة وهي تتمايل، ارتداؤها لباساً يتألف من وشاح أوحجاب خفيف مع سروال جينز ضيق، وهو لباس عادة ما يميز النساء الدمشقيات المحليات ويختلف تماماً عن لباس القبيسيات السمتي.

وينبغي الانتباه إلى أن الربط بين هؤلاء الفتيات والحركة القبيسية لم يأتي لفهم خلفية هذا الاحتفال أو لقراءة او فك الصورة التي  تماهي بين الدمشقيات المحجبات والقبيسيات ( قراءة نراها لدى النخب العلمانية السورية)، بل جاء من باب سوء الظن بهؤلاء النسوة، فالاتهام بالقبيسيات هذه الايام لا يعني ارتباطاً بجماعة دينية، بل موقفاً سلبياً من الانتفاضة، بعد أن اختارت هذه الحركة الصمت العام، كما فعل الكثير من علماء المدينة، حين شهدت البلاد احتجاجات ومطالب بالتغيير عام 2011.

 ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الموقف من الحركة ما زال يخضع لرؤية سلبية أيضاً، كما أن النقاش حول موقفها عادة ما يتجاهل، على نحو لافت للنظر، أن العلماء وحركة القبيسيات لم يعدوا أنفسهم في يوم ما مجرد موظفين حكوميين أو تابعين للسلطة، بل نظروا إلى أنفسهم على أنهم حماة للشريعة ضد العلمنة، فاجتهدوا من أجل الاسلمة ضمن منهجية تنظيمة وغاياتية مغايرة لأطر الاسلام السياسي، أو ضمن منهجية قريبة في أساليبها لما يدعوه آصف بيات ب”الزحف الهادىء” الذي يقوم على أطر علمانية (جمعيات ومدارس) بدل مزاحمة السلطة على شرعية العنف (كما فعل الإسلاميون الحركيون). ويُقال أن كفتاور كان دوماً ما يدعو العلماء إلى ضرورة تحمّل كل شيء في سبيل حماية نشاطهم من قرارات النظام بتوقفها. وقد حكم هذا المنطق أيضاً منهج الحركة القبيسية، رغم محاولات النظام تصويرهن في جانبه؛ تروي إحدى المدرّسات: في عام 2012 وجدت نفسي فجأة في القصر الرئاسي. وجاء الرئيس، وأعطى النساء محاضرة عما يحصل في سوريا ومن ثم غادر الغرفة. وكالعادة، تم التقاط الصور ونشرها/ العمادي.

رسم خطوط التصدع في مدينة دمشق:

أعود مرة ثانية إلى ملاحظات (آنا مادوف) حول المولد ودوره في إعادة ترتيب العلاقات داخل الفضاء المديني. فأماكن الموالد لا تتميز بالحوار والتواصل فقط، بل أيضاً بإعادة رسم خطوط التصدع والانقسامات الهوياتية والطبقية داخل المدينة.

ففي حالة احتفالنا الدمشقي، يرتبط مكان الاحتفال، بلودان (احدى ضواحي دمشق)، في ذاكرة الدمشقيين أو الشوام بقصص السيران (الرحلة) الذي كان يمارسونه في أيام العطل؛ فقد ميّزوا من خلال هذا الطقس الاجتماعي هويتهم الدمشقية عن باقي أبناء المدينة الجدد…ولا يُعدُّ طقس التسلية (السيران) جزءاً من إرث الترفيه واللهو الذي عرفه أهل المدينة، وإنما جزءاً أصيلاً من هوية الدمشقيين، وهي طقس مارسه كل أهل المدينة بما فيهم العلماء الدمشقية، ويعود إلى القرن الثامن عشر؛ فقد نقل لنا المؤرخون صوراً كثيرة عن السيران الذي كان يكرّره الشيخ عبد الغني النابلسي في وادي بردى أو منطقة كيوان. ويروي الغزي في عام 1727 عن سيران قام به النابلسي، كان من الكبر بحيث التبس على البعض وظنوا أنه معسكر لحاكم دمشق وجنوده.

وفي سيراننا الحالي الذي ترافق مع إزالة الحواجز داخل مدينة دمشق مؤخراً، تقوم عدد من الفتيات والنساء بإعادة اختراع الاحتفال بالمولد النبوي عبر نقله من المنازل أو أماكن معروفة لهذه المناسبات، إلى المجال العام، وبمشاركة نساء غير محجبات (في السابق كانت المشاركة بالطقس تتطلب ارتداء حجاب خفيف على أقل تقدير). إلا أنهنّ بقين في هذا الاحتفال ملتزمات ببعض قواعد الحفل النبوي الدمشقي (مكان مغلق وغياب للرجال)؛ وفي حين ركّزت بعض الأصوات المستهجنة على وجود (نادل)، يمكننا المقارنة هنا بين وضع النادل ووضع سائق العائلة في السعودية. إذ أشارت الانثربولوجية اميلي لورنار إلى أن المعايير الدينية الوهابية ترفض الاختلاط، مع ذلك يتم التغاضي عن وجود سائق للعائلة، وتعزو ذلك إلى أن السائق غالباً ما يكون هندياً أو باكستانياً، بالتالي لا يمكن أن يكون زوجاً، فلا وجود له إذاً؛ في هذا التأويل المحلي، يعاد تفسير النص الديني لصالح مفهوم انثوي للذكورة أوالزوج (السعودي). ربما ينطبق الأمر ذاته على النُدل الذين تواجدوا في الاحتفال النبوي، فغالباً ما يأتون من خلفيات فقيرة وريفية، وبالتالي لا يُعدُّ النادل للنساء المشاركات (ميسورات الحال في الأغلب) عريساً أو قريباً من وسطهم المحلي، أي لا وجود له في عرفهن أو تعريفهن الانثوي للعريس/الذكر الدمشقي (سابقاً كان يُعرَف بعدد المفاتيح في اشارة لممتلكاته).

إذاً من هن هؤلاء النسوة وما هدفن من هذا الاحتفال؟

أعود لبعض الأخبار التي نُشرِت حول هذا الحفل، والتي أشارت إلى أن تكاليف المشاركة لكل امرأة في الاحتفال قد بلغت 6000 آلاف ليرة سورية (12 دولار). ربما تتناقض هذه النزعة الاستهلاكية مع الصور الفظيعة من الفقر التي يعيشها السكان، ولعل هذا ما آثار حفيظة البعض حياله، ودفع إلى اعتماد وصف آخر للنساء باعتبارهن يمثلن “اسلام البزنس” في دمشق.

بيد أنه خلافاً لهذه الصورة، في حال ربطنا بين هذه النزعة الاستهلاكية ونقل طقوس الاحتفال إلى أحد المطاعم، نلاحظ أننا أمام مشهد أو نمط علماني للاحتفال الديني (يصحُّ هنا ربط هذا السلوك بسلوك القبيسيات في دمشق وممارساتهن العلمانية). لكن هذا النمط العلماني لا يعبّر عن اسلام سوق أوبرجوازي محلي دمشقي، بل هو أقرب، كما نظن، إلى فكرة الصالونات الإسلامية التي عرفتها القاهرة في فترة التسعينيات، وتحدّثت عنها سامية سراج الدين في سياق قراءة تجربة هذه الصالونات مع شهر رمضان. ففي تسعينيات القاهرة أخذ الجانب العام من وقائع رمضان يكشف عن جهد واعٍ ومتعمّدٍ لتحويله إلى مناسبة تجارية من قبل نساء النخبة القاهرة التقليدية أولنقل أقرب للمظهر الذي مارسته فتيات دمشق في الاحتفال النبوي. كما ترافق احتفالهن بنقل نشاطهن من المسجد إلى أماكن عامة أخرى. الأهم في ما ذكرته سراج الدين إشارتها إلى خلفيات النساء في هذا الصالون، فقد تبين لها أن معظم الناشطات في هذه الصالونات أو الأطر التنظيمية الجديدة، ينتمين إلى البرجوازية القديمة في مدينة القاهرة من ملاك الأراضي، وأن كثير منهن غالباً ما كنا ينأين بأنفسهن عن محدثي النعمة الذي صاروا أصحاب ملابين بين عشية وضحاها في ظل سياسة اللبرلة التي أوجدها أنور السادات. 

في حال قارنا بين ملاحظات سراج الدين ونساء مولدنا الشاميات، نرى أن التغير الاقتصاد السياسي للمدينة (بروز محدثي نعمة جراء الحرب وغزوهم لأماكن عديدة في الفضاء الدمشقي)، دفع بعدد من النساء إلى محاولة التأكيد على الهوية المحلية الدمشقية التي تتعرض لتغيير كبير والحفاظ عليها (الشام ما عاد فيها شوام/ مثل يتكرر كثيراً في المدينة). ومثلما تعيد الموالد في القاهرة رسم خطوط التصدع، يعيد هذا الصالون الاحتفالي أ والطقوس رسم أو تثبيت خطوط التصدع التي تعيشها مدينة دمشق بعيد الحرب( يمكن مقارنة هذه الطقوس أيضاً بإعادة احياء الطقوس الحجازية بعيد التسعينيات في ظل حالة التهميش السياسي التي بات يشعر بها الحجازيون/ مي يماني). اذاً يتيح هذا الاحتفال الديني للنساء الدمشقيات التأكيد على عاملين، يتعلق الأول بالابتعاد أو التمايز عن محدثي النعمة ممن استفادوا من الحرب وفرضوا شروطهم ووجودهم على أماكن عديدة في قلب المدينة، وبالتالي حماية الهوية المحلية الدمشقية؛ والثاني الابتعاد عن الاتهام بالأصولية الإسلامية وأي اتهام لهن بالانتماء إلى جماعة إسلامية عبر مزج هذا الاحتفال بمنطق السوق.

إذاً نحن أمام نخب دمشقية تقليدية، تشعر أنها محاصرة من محدثي النعمة وافرازات اقتصاد ما بعد الحرب، فتستغل هذا المشهد لإعادة ترتيب المدينة، وللتأكيد على وجود هوية محلية للمدينة. هذا لا يعني أننا في مواجهة حركة سياسية، إذ أن هذه النشاطات لا ترمي إلى أبعد من التأكيد على رسالة هوياتية أكثر منها سياسية، ولا سيما أن حافز التغيير بات غائباً في قناعة أهل المدينة…

  • Social Links:

Leave a Reply