في عودة «الاجتماعي»: السترات الصفراء وثقافة المتاريس –  محمد سامي الكيال

في عودة «الاجتماعي»: السترات الصفراء وثقافة المتاريس –  محمد سامي الكيال

كتب فريدرك إنجلس في تقديمه لكتاب كارل ماركس «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت»: «فرنسا هي البلد الذي كان الصراع الطبقي التاريخي يصل فيه كل مرة، وأكثر مما في أي بلد آخر، إلى نهاية فاصلة، وهي بالتالي البلد الذي كانت فيه الأشكال السياسية المتغيرة، التي يتحرك ضمنها هذا النضال الطبقي، والتي تتلخص فيها نتائجه، تنطبع في خطوط جلية إلى أقصى حد».
لا يبدو أن كثيرا قد تغير بهذا الخصوص منذ زمن إنجلس، فحتى يومنا هذا ما زالت فرنسا الميدان الذي يمكن من خلاله بوضوح اختبار المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع. وما يحدث فيها يعد مؤشرا مهما لاتجاهات الحراك الاجتماعي على الصعيد الأوروبي والعالمي. فبعد عقود من تسيّد المقولات الثقافوية والهوياتية في تحليل المجال العام، تقوم حركات مثل «السترات الصفراء» بإعادة إحياء تقليد احتجاجي عريق، انطلق تاريخيا من فرنسا: نصب المتاريس في الشوارع، والدخول في مواجهة مفتوحة مع السلطة، وهو التجسيد الأكثر التصاقا بالمخيلة لفكرة الصراع الطبقي، ما يُنبئ بعودة العامل الاجتماعي بقوة في عالم اليوم.
إلا أن «ثقافة المتاريس» هذه لم تعد تجد كثيرا من المناصرين بين النخب في عصرنا، وتعاملها وسائل الإعلام وجهات إنتاج الثقافة بتشكك كبير، على عكس تحركات «اليسار» الهوياتي المحتفى بها بشدة إعلاميا، والمغدق عليها من عطف وإحسان ممولي منظمات «المجتمع المدني» المعروفين. كما شهدنا مؤخرا في عدة مدن غربية مثل برلين ولندن ونيويورك. ليس في الأمر ما يثير الاستغراب، فإن تكون ممثلا لأيديولوجيا السلطة أكثر سهولة وربحية من أن تسبح ضد التيار. ولكن ما هو حقا شكل المعارضة الذي تبديه «السترات الصفراء» ومثيلاتها من الحركات الاحتجاجية؟

جاكيون جدد؟

على الرغم من أن نصب المتاريس هو عادة أصيلة في الاحتجاج المديني، إلا أن كثيرا من المعلقين شبّه حركة السترات الصفراء بـ«الثورة الجاكية» Jacquerie، أي ثورة الفلاحين الفرنسيين التي انطلقت عام 1358 ضد طبقة النبلاء، إبان حرب المئة عام. ويمكننا بالفعل أن نجد عددا من نقاط التشابه بين الحدثين. ما ينتفض اليوم برأي الكثيرين هو «فرنسا الطرفية»، أي المناطق شبه الريفية والضواحي «المهمشة»، ضد الهيمنة الطبقية والثقافية لنخب المدن الكبرى. «المنعطف البيئي»، الذي يسعى عددٌ من الحكومات الأوروبية لتحقيقه، بالتماهي مع ثقافة الشعور بالذنب، ونمط الحياة «الأخضر»، الذي تتبناه الفئات الأكثر حظا على السلم الطبقي، ثبت أن أول من يدفع تكاليفه هي الفئات الأفقر، وينعكس سلبا على حياتها وقدرتها الشرائية وفرص عملها. وبعد عقود من تحطيم حقوق العمل، يبدو أن حقوق الاستهلاك للطبقات الدنيا هي ما يؤرق اليوم أخلاقيي الخطاب البيئوي، فرفع الأسعار لتحقيق الأهداف «البيئية» لن يؤثر على معدلات استهلاك الفئات العليا، بل سيؤثر أولا وأخيرا على الاستهلاك الشعبي الواسع للأقل دخلا. عالمٌ يركب فيه العمال السيارات ويطورون فيه خياراتهم الغذائية والاستهلاكية هو من مخلفات دولة الرفاه التي يجب تصفيتها، وهي المهمة التي يؤديها رفع أسعار المحروقات والطاقة واللحوم و«ضرائب السكر»، بحجج بيئوية وصحية وثقافوية تعزز النرجسية الأخلاقوية للنخب. وإذا كان تلاعب وغش الشركات الكبرى هو المسبب الأساسي لارتفاع نسب التلوث البيئي، مثل فضائح شركات السيارات، وإزالة الغابات لاستخراج الفحم الحجري (كما يحدث حاليا في ولاية هامبورغ الألمانية) فإن الفقراء، كالعادة، هم من يجب أن يدفع الثمن.
اندلعت الثورة الجاكية لأسباب مشابهة، فقد كان على الفلاحين أن يدفعوا الضرائب الباهظة لتمويل إعادة بناء ما خربته حرب المئة عام، التي خاضها النبلاء، وقد عانوا أيضا من استعلاء نخب عصرهم، فنعت «الجاكية» جاء من التعميم الساخر الذي كان الارستقراطيون يطلقونه على الفلاحين، الذين يحملون بنظرهم اسما واحد هو «جاك». ما يطمس أي سمات شخصية للجموع الغفيرة من البشر العاملين. «جاك» في يومنا هو ابن الفئات الدنيا «العنصري»، «الشعبوي»، غير المهتم بـ«التعددية الثقافية»، وغيرها من القضايا «السامية» التي تؤرق النخب. الثورة الجاكية أيضا لم تمتلك هيكلا تنظيميا واضحا، بل اعتمدت في أحيان كثيرة، على الهبّات العفوية للفلاحين، وهو ما يبدو شبيها بحال حركة السترات الصفراء، التي لم تُبد حتى الآن هياكل تنظيمية وسياسية واضحة المعالم. رغم كل هذا فحراك السترات الصفراء ليس بالتأكيد ثورة فلاحين، و«الأطراف» الفرنسية والأوروبية تم تمدينها منذ زمن طويل. نحن نتحدث هنا عن ظواهر اجتماعية تتم في «عالم مدن»، ونتيجة لتناقضات المدينة ذاتها. وبعيدون جدا عن جو الريف والفلاحين في العصور الوسطى.

تقادم البراديغما «الجديدة»

تعززت، في مطلع الألفية الحالية، التحليلات القائمة على نقض المقولات الاجتماعية لحساب مفاهيم ثقافية وهوياتية، بوصفها محاولات لمواكبة «العالم الجديد»، الذي برز مع العولمة وانهيار المنظومة الاشتراكية، ولعل مساهمات عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين، خاصة في كتابه «براديغما جديدة لفهم عالم اليوم»، هي الأكثر جدية وإثارة للاهتمام في هذا السياق. يتحدث تورين عن «نهاية المجتمعات» بعد التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، وتسيد مفاهيم «الإدارة»، خاصة المالية منها، على مقولات الإنتاج والعمل التي عرفها المجتمع الصناعي التقليدي. ما يجعل الاعتماد على مصطلحات اجتماعية مثل، «الطبقة» و«الصراع الطبقي» و«علاقات الإنتاج» قاصرا. فقد انتقل ميدان الصراع، حسبه، من المجال الطبقي الوطني إلى مجالات الإدارة العالمية التي تعني الكائن الإنساني عموما، هنا تبرز قضايا مثل، البيئة والنوع الجنسي والفردية والحقوق الإثنية، ويصبح للثقافة الدور الأساسي في تحديد الشرط الإنساني، ما يجعل من الصعب علينا أن نعرّف أنفسنا بمقولات اجتماعية، ويجبرنا على تبني نماذج فكرية جديدة. يراهن تورين على «الذات الفاعلة» بوصفها أحد أكثر العوامل أهمية في عالم اليوم، والمرتكز الأساسي لمقاومة الهيمنة والتعسف، فهي قادرة، من خلال محاولاتها لاكتشاف نفسها، وسعيها نحو «الاعتراف» بها وبحقوقها الثقافية، إلى التصدي للإرغامات الجماعية والسلطوية، وتحقيق عالم أكثر تحررا.
فكرة «الذات الفاعلة» ليست غريبة عن علم الاجتماع، ولا حتى عن التراث الماركسي الكلاسيكي، فانتقال الطبقات الاجتماعية من «طبقات بذاتها» إلى «طبقات لذاتها»، أي امتلاكها للوعي الذاتي بمصالحها الطبقية، هو أساسي في التحليل الماركسي، ولكن ليس بالانفكاك من شرطها الاجتماعي، بل بسببه بالذات. كما أن التأكيد على أن انفصال «الإدارة» عن «الإنتاج والعمل» سيؤدي إلى نهاية «الاجتماعي»، لا يمكن وصفه إلا بأنه متسرع وغير مبرهن عليه. قد يتغير شكل الصراع الاجتماعي والطبقي نتيجة التغيرات في أسلوب الإنتاج والتقنية وأساليب الإدارة، وقد تتدهور طبقات اجتماعية وأشكال معينة للوعي الطبقي، ولكن هذا لا يعني نهاية المسألة الاجتماعية أو زوالها، بل يعني بكل بساطة اتخاذها أشكالا جديدة، نرى اليوم تجلياتها المتنوعة.

ذوات زائفة

كان تورين، المنتمي إلى تقليد فرانكفوني طويل مناهض لـ«الطائفية»، يتخوف من «انقلاب الذوات الفاعلة على نفسها» بفعل مبدأ الهوية، وقد تحققت مخاوفه فعلا بعد أن باتت قضايا «الاعتراف» أيديولوجيا السلطة الحالية. فمسائل النوع الجنسي والثقافة، التي تهم «الذوات الفاعلة»، أثبتت أنها ليست أكثر من سياسات زائفة، لدى فصلها عن القضية الاجتماعية والطبقية، وتعني نخبا محدودة، تزهو بفردانيتها وتستعرضها في الأحياء السياحية في المدن الغربية الكبرى، بدون أن تجرؤ كثيرا على مغادرتها إلى «المجتمع» الكبير في الخارج. ربما لم نعد نرى «ذوي الياقات الزرقاء» يخوضون صراعهم الطبقي، إلا أن فئات أخرى من العمالة غير المستقرة والإنتاج «الطرفي»، التي فقدت كثيرا من مكتسباتها وحقوقها، وتضطر للعمل في ظروف أسوأ وأجور أقل، تبرز على الساحة لتوصل صوت الخاسرين من النيوليبرالية. أما «الإدارة العالمية» فأثبتت كثيرا من الأحيان أنها ليست سوى إدارة لفقاعات من المال الزائف، تنفجر لتطيح بالمنتجين الحقيقيين. تقادمت «البراديغما الجديدة» مبكرا أمام حقائق العالم المعاصر. وعاد الاجتماعي بقوة، مبرهنا ربما على مقولة ماركسية عتيقة: «تاريخ كل المجتمعات لم يكن إلا تاريخ الصراع بين الطبقات الاجتماعية».
قلنا إن الطبقات الدنيا هي من يدفع ثمن النفاق البيئوي، ويبدو أن هذا النوع من المقولات الأيديولوجية الأخلاقوية قد تكــرست بوصـــفها سلاحا طبقيا. يُشهّر اليوم بحراك «السترات الصفراء» بوصفه حاملا لشعارات عنصرية وهوموفوبية، أو خاضعا لتأثير «الشعبوية»، هذه الاتهامات، حتى لو صحّت على قطاع من الحراك، لا تنفي بروز المسألة الطبقية وأحقيتها، والتي قد يحملها اليمين نتيجة للفراغ الذي خلّفه «اليسار»، بعد تبرجزه وتبنيه لقضايا «الاعتراف». ما يجعل المهمة الأساسية لأي نهوض يساري منشود هو القطيعة مع الأيديولوجيا الهوياتية، والعودة إلى القضايا الاجتماعية والطبقية الأساسية، كي لا تنقلب الآية، فيصبح اليمين يسارا، واليسار مجرد «هوية» مثيرة للسخرية.

  • Social Links:

Leave a Reply