مقدمه حول الثقافة – جميل جمالي

مقدمه حول الثقافة – جميل جمالي

تشهد مسألة الثقافة , أو بالأحرى مسألة الثقافات , تجدداً يجعل منها قضية راهنة على المستوى الفكري و السياسي , رغم أنه شاع استعمال الكلمة بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر وانتشرت كلمة ثقافة وأصبحنا نسمعها ونقرؤها ونستعملها كثيراً في حياتنا اليومية , دون أن نعير الانتباه لمعناها الدقيق , أو نحاول تحديدها تحديداً علمياً , حيث إنها نوع من الكلمات المطاطة مثل ( حضارة , سلام , معرفة ..) التي كثيراً ما تستعمل لملء فراغ مفهومي أو معرفي أو ثغرة تاريخية دون الاهتمام بالدقة في الاستعمال , ولكن تفحص مفهوم الثقافة العلمي يفترض دراسة الوضعية الاجتماعية للمفهوم الثقافي ,حيث تنكشف تباينات اجتماعية وقومية تكمن وراء الاختلافات الثقافية .
يجدر الإشارة إلى أن الثقافة تمارس أثراً قوياً في حياة الفرد يفوق في شدته وحدته النوازع الفطرية عند الانسان , مما يعني أن الثقافة أحد التشكيلات والعوامل الاساسية في بناء الشخصية وتوجهها السلوكي بكل أشكاله , وهي ليست عامل ثابت في تشكيل الشخصية بل متغير ومتحول ومتطور عبر تفاعل الشخصية مع الواقع والعالم ,ولتوضيح ذلك أقول , الشخصية الثقافية فردية أم مجتمعية , إما أن تكون علاقتها بالعالم أو الأخر تصالحية مسالمة تتصف بالقبول والرضا , أو معارضة مسالمة, أومعارضة عنيفة , أي أنها تؤثر وتتأثر , فالثقافة ليست أفكار مجردة , بل سلوك انساني في علاقة جدلية مع التشكلية الاجتماعية الاقتصادية و السياسية في حقبة زمنية وتاريخية . وعبر التطور التاريخي للوضعية الاجتماعية تشكلت أنساق ثقافية مختلفة , مغلقة متعصبة عرقية ودينية ارتبطت منظومتها القِيمية بالأيديولوجيا السياسية مثل النازية , أو بفكر شمولي ديني يرفض الأخر ويتعالى عليه ولايعتبره مساوٍ له في الانسانية مثل (اليهودية ) وثقافات أخرى شمولية تنظر إلى الشعوب الأخرى وتراثها وقيمها على أنها همجية ومنحلة , ولا يمكن لهذا التصور الثقافي أن يقر بوجود حضارة أخرى لا تتمثل قيمه وأفكاره عن الحياة أو العالم الأخر .. إلا أن الوضع تغير مع التطور الحضاري للإنسانية , ومع تنامي المعرفة بالثقافات الأخرى , والنظرة إلى أن الشعوب ذات الثقافات المختلفة تعيش بحسب قوانينها المستمدة من بيئتها الخاصة , وهذا ما أدى إلى نشوء النظرة المعروفة ( بالنسبية الثقافية عند كليفورد غيرتز ), (وتقضي هذه النظرة بعدم وجود ثقافة أدنى أو ثقافة أعلى , بل إن الذي يحدد قيمة الثقافة وعلوها هو قابليتها على الانفتاح على الثقافات الأخرى ..) فالقابلية التي تتمتع بها الثقافة في استقبال ثقافة أخرى والتفاعل معها هو الذي يحدد مستواها القيمي في سلم الوجود الانساني من حيث الأفضلية.
يقول الباحث كوش أن (الثقافة معدية) أي تمتلك الثقافة خاصية (الانتشار والتأثير والانتقال) وهذا ما نلاحظه قديما وحديثاُ , فقد تأثر الفكر الديني الاسلامي في مكة بالثقافات التي انتقلت إليه عبر شعوب أخرى يمانية وشامية وفارسية وغيرها الكثير , القادمة لمكة في رحلات تجارية وفي مواسم دينية , كما أثرت وانتشرت ثقافة الفكر الديني الاسلامي في ثقافات شعوب أخرى خلال الفتوحات الاسلامية لبلدان عربية وأجنبية , وتأثر هو بهذه الثقافات المختلفة وقوانينها وعادادتها وأساليب معاشها خلال الفتوحات الاسلامية .. فالغزوات والتجارة والحروب والاكتشافات الجغرافية ,تخلق فضاء تنتشر فيه الثقافة , مع الانتباه أن المسيطر سياسياً وعسكريا واقتصادياً يكون له الحظ الأكبر في فرض ثقافته , فيسمى في هذه الحالة (الغزو الثقافي ) ولهذا الغزو وجهين أحدهما سلبي والأخر إيجابي ,السلبي هو سعي الغالب فرض ثقافته الخاصة وجعلها ثقافة مهيمنة , والوجه الإيجابي, هو في التلاقح بين الثقافات , مما يضيف ويثري الثقافة , وقد شكل الصراع الثقافي جزء من الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي فكان من نتائج هذا الصراع في الميدان الثقافي, أنه يُفضي إلى لقاء وتقابلٍ بين الثقافات المتجاذبة , وهذا التثاقف والتفاعل بين الثقافات ليس سلباً كلياً في النظر لثقافة ما أضعف أو له أثار مدمرة على الثقافة الأضعف , بل أنه بوصفه التثاقف واحدا من المجريات المعتادة في التطور التاريخي للثقافة .

  • Social Links:

Leave a Reply