حب في الزحام  د.أحمد كنعان

حب في الزحام د.أحمد كنعان

 

جلست أنتظر عند باب غرفة التوليد، أقرأ القرآن وأضرع لله تعالى تيسير ولادة حبيبتي “مادلين” ..
وحمدت الله أن وهبنا ستة أولاد في أقل من ثلاث سنوات، وحمدته سبحانه على الحب الذي جمعنا وجعل مادلين تنجب توأمين .. توأمين .. بنت وصبي في كل بطن.. فاطمة .. آدم .. عائشة .. جوزيف .. سلوى .. مايكل ..
أسماء عربية وأخرى أمريكية .. هكذا اتفقنا أن أتولى أنا تسمية البنات، وتتولى هي تسمية الصبيان ..
وحملتني الذاكرة إلى البداية ..
إلى ذلك المساء الدافئ من شهر أبريل .. بعد ثمانية أشهر من تعارفنا .. كنا عائدين من الكلية بالقطار الذي يمضي بنا تحت شوارع مدينة الملائكة “لوس أنجلوس” ..
كنا واقفين داخل عربة القطار المزدحم بالناس .. أنا مستند بظهري إلى زجاج العربة، ومادلين تريح رأسها على صدري والصليب الذهبي يرتاح على صدرها .. فجأة ودون مقدمات قلت لها :
– مادلين .. أحبك .. وأريد أن أتزوجك ..
ضحكت ضحكة مختصرة عذبة، ورفعت يدها فمسحت على الصليب وتنهدت كأنما تبتهل، والتفت الناس إلينا برهة ثم عاد كل منهم إلى شأنه، فيما رحت أنا أمسح العرق الذي تصبب من جبهتي !
ثمانية أشهر مضت .. ولم أقل لها “أحبك” .. كنت أحبها وأشتهيها .. لكني كنت أداري .. وأتألم .. ثم .. دون مقدمات .. وسط الزحام، خرجت الكلمات من فمي وكأنني محموم يهذي !
لا أدري ما الذي حرّك لساني في تلك اللحظة ؟!
ولا أدري أي شيء أثارني ؟!
لكني بعد أن قلتها شعرت بسعادة طارت بي إلى سابع سما ..
وعندما نزلنا من القطار متجهين إلى المطعم لكي نتعشى كعادتنا كل مساء، شعرت بيدها تضغط على يدي .. نظرت في عينيها فرأيت بريق فرح، وتلألأ وجهها وهي تقترب مني وتهمس في دلال :
– مجنون .. أنت مجنون .. لكني أحبك .. وسوف أتزوجك ..
آه .. كم أحببت جنوني في تلك اللحظة عندما همست بتلك الكلمات وأطلقت ضحكة صافية حلت لي مشكلة ظلت تؤرقني ثمانية أشهر .. تلك هي مشكلة الفوارق بيننا .. الدين .. البلد .. الجنس …
هي من بلد وصل إلى القمر، وبات يحلم بالمريخ ، وأنا من ضيعة دمشقية منسية تحلم بالكهرباء والحرية .. هي مسيحية لا تعرف من الدين غير هذا الصليب الذهبي الذي ينام على صدرها مثل طفل صغير، وأنا مسلم يخامرني يقين مطلق بأني ولدت من محراب جامع .. لا من رحم امرأة ..
يا إلهي .. كيف اجتمعنا ؟!
هي صبية مرحة لا تعرف الهم، وأنا قلب عربي مليء بالهموم والجراح ..
فما الذي يجمعنا ؟!
هي شقراء زرقاء العينين تحب السباحة ولعب التنس، وأنا طوال عمري أحن إلى شامية سمراء، واسعة العينين، تحب الشعر وتدمن الأحلام الكبيرة مثلي ..
فأي قدر عجيب هذا الذي جمعنا ؟!
أنا شاعر أحمل في قلبي هموم بلد يتمزق، لا يعرف كيف يحكم نفسه .. وهي من بلد عظيم يحكم العالم !
مختلفين .. لكن .. جمعنا القدر العظيم صانع المعجزات الذي قبل ثمانية شهور أصاب قلبي بتسونامي حبها عندما ذهبنا نقضي العصرية عند شاطئ المحيط .. كانت هي تراقب الشمس تغطس في المحيط، بينما كان حبها يغطس في قلبي مثل تسونامي يمسح في طريقه كل أحد سواها !
وسمعتها تضحك في انطلاق غير عابئة بالناس حولنا وتكرر جملتها :
– أنت مجنون .. لكني أحبك .. وسوف أتزوجك ..
قلت لها وأنا ألملم الشعر عن وجهها :
– لا تستعجلي .. فأنت لم تري الجنون العربي على أصوله بعد .. لكن الآن .. اضحكي ولملمي هذا الشعر عن وجهك فقد بدأت أغير منه ..
فاستأنفت ضحكتها التي ترن مثل البيانو، وقالت :
– ما رأيك بمطعم مكسيكي نحتفل فيه بهذا الجنون ؟!
هززت رأسي ( أجل ) فتابعت هي تقول :
– ممتاز .. وهذه فرصة لأقدم لك هدية عيد ميلادك الذي يبدو أنك نسيته وأنت تعيش هذا الجنون !
– صدقت .. أنا فعلاً نسيت، فأنا عشت حياتي لا أحفل بأمسي ولا بيومي .. لكني بعد اليوم سأقلع عن هذه العادة ..
قطع علي شرودي وذكرياتي الممرضة التي خرجت من الغرفة وأسرعت فجلست إلى جانبي والتصقت بي حتى خيل لي أنها سوف تقبلني، وجاء الطبيب فطلب مني أن أصاحبه إلى مكتبه ..
– خير .. دكتور ؟!
سألته وقد بدأ قلبي يركض بلا وعي، فقد أحسست أن خطباً قد أصاب الولدين .. فاستوقفته وأعدت عليه السؤال وأنا على حافة الانهيار :
– دكتور .. أرجوك .. ما المشكلة ؟! كيف هي مادلين ؟!!
لم يجب، وظلت نظراته تهرب بعيداً عني، حتى دخلنا المكتب، فأجلسني على الأريكة وجلس على مكتبه، ونظر إلي بعينين غائمتين، وقال :
– للأسف .. ماتت مادلين ..
– ماتت !!
صرخت .. وغامت الدنيا في عيني، وعندما صحوت وجدت نفسي في السرير، والطبيب يعدل إبرة المصل المغروزة في ذراعي، وسمعته مع ابتسامة هادئة يقول :
– لقد أوصت مادلين بأن يحمل الولد اسمك .. وتركت لك تسمية البنت ..
تمتمت وأنا أختنق بالعبرات :
– مادلين .. مادلين .. سموها مادلين ..

*****

  • Social Links:

Leave a Reply