مدفعية الجنة: المبشرون الأمريكيون البروتستانت في عالم عربي عثماني-  محمد تركي الربيعو

مدفعية الجنة: المبشرون الأمريكيون البروتستانت في عالم عربي عثماني-  محمد تركي الربيعو

 

0
■ يلاحظ المتابع لما يُترجم في عوالم دور النشر والمكتبات العربية، أن هناك تطوراً حدث، خاصة في السنوات السابقة، على صعيد ترجمة الكتب الحديثة، إذ بدأت دور نشر عديدة تهتم بترجمة كتب صادرة حديثاً بالإنكليزية أو الفرنسية، لا سيما تلك التي تتعلق بالأحداث الجارية في عالمنا العربي، أو بعض كتابات الباحثين العرب في الجامعات الغربية، التي باتت تحظى باهتمام كبير لدى القارئ العربي، كما في حال أعمال الأكاديمي الفلسطيني وائل حلاق، الذي تُرجِم كتابه الأخير مثلاً «قصور الاستشراق» بعد أشهر قليلة من صدوره بالإنكليزية، كما ينطبق الأمر على بعض الكتب التي اهتمّت بدراسة الجهاديين في الأعوام الأخيرة.
ولا شك في أن لهذا الأمر إيجابياته، إذ يبقى القارئ والباحث العربي قريباً من الأفكار والمقاربات الجديدة في حقول عديدة، مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن حقل الترجمة، كما نظن لن يكون قادراً أو كفيلاً لوحده على إتاحة الفرصة لهذا الباحث، خاصة أن أي مقارنة سريعة بين ما يُترجم من كتب وما يصدر بالمقابل من دراسات حول الشرق الأوسط والإسلام مثلاً باللغات الأجنبية تُبيّن اتساع الفجوة. ورغم فورة الترجمة هذه، ما زالت هناك بعض الكتب الفكرية التي تُترجم لعالمنا العربي بعد صدورها بلغاتها الأصلية بسنوات عديدة، وأحياناً يؤدي هذا البعد الزمني بين صدور الكتاب وترجمته إلى انفصال القارئ العربي عن المناسبة أو المناخ الفكري الذي طُرِح في سياقه هذا الكتاب.
وكمثال عن هذا التخبّط وسوء الفهم للسياقات الفكرية أو اللحظات التاريخية التي ولّدتها بعض الكتب يمكن الإشارة مؤخراً إلى الكتاب المترجم حديثاً للعربية «مدفعية السماء» للمؤرخ في جامعة رايس الأمريكية أسامة مقدسي. فقد أُلِّف الكتاب ونُشِر في عام 2008 وهي أعوام كانت ما تزال مشحونة بصور الغزو الأمريكي للعراق، وقدوم موجة المحافظين الجدد في أمريكا، في حين يُترجم اليوم للعربية في وقت يشهد فيه العالم العربي تحولات وأسئلة وهواجس مغايرة للهواجس التي كانت سائدة في تلك الفترة. بيد أنه قبل الإشارة إلى السياقات التي أثمرت هذا الكتاب، فإن ما لفت نظرنا عند المقارنة بين النسخة الإنكليزية والعربية للكتاب، اعتماد دار الآداب التي أصدرت الكتاب على عنوان «مدفعية السماء»، وهو عنوان بدا للبعض محيراً ومغشوشاً، إن صح التعبير؛ إذ قد يوحي للوهلة الأولى بأن موضوعه يدور ربما حول الجهاديين أو الإسلاميين، خاصة أنه يذكّرنا بعنوان كتاب الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل «مدافع آية الله»؛ ففي عالمنا العربي هذه الأيام لا أكثر من النواب والناطقين باسم السماء، إلا أنه عند مراجعة النسخة الإنكليزية من الكتاب نجد أن العنوان على غلاف الكتاب كان أكثر وضوحاً، إذ أضاف عبارة فرعية ليصبح: «مدفعية السماء: المبشّرون الأمريكيون والهداية الفاشلة للشرق الأوسط».
وبالعودة إلى هواجس مقدسي في هذا العمل، نعتقد أن هناك مسألتين حكمتا رؤية مقدسي في هذا الكتاب، من الضروري الإحاطة بهما كما نظن، ودونهما قد يفقد الكتاب كثيراً من مغازيه؛ خاصة أن ما صعّب من فهم خلفيات ومبررات هذا العمل، أن مؤلفه لم يُخصّص للنسخة العربية (رغم مرور عشر سنوات على ولادته) مقدّمة يشرح فيها مقدمات وأسباب التفكير بإعداد هذا الكتاب؛ ربما كانت المقدمة كفيلة بتفسير هذا السياق، بيد أنه يبدو أن مقدسي ارتأى أن يترك الإجابة عن هذا الأمر في خاتمته. إذ يُشير في نهاية الكتاب إلى أن هدفه من دراسة رحلات المبشرين الأمريكيين الأولى إلى المنطقة في لحظة الغزو الأمريكي لها لا يؤشر إلى تواتر في التورط الأمريكي السابق، وإنما إلى قطع راديكالي معه. فمع أنه لا يزال هناك بالطبع العديد من الأمريكيين ممن يستخدمون اليوم لغة تحويل العالم إلى الديمقراطية أو الحرية، ولا يزالون يعتقدون جازمين بنسخة جديدة ورؤية للألفية، أو ما يدعى بالمسيحية الصهيونية على وجه الخصوص، غير أن أولئك لا يُقارنون برسالة المجلس الأمريكي إلى الدولة العثمانية التي تُركّز عملها كلية في المسيحيين الشرقيين والمسلمين في المنطقة، التي هجر ممثلوها لاحقاً الحماسة الألفية من أجل تكييف أنفسهم مع الوقائع الأجنبية.
أما الهاجس أو السياق الثاني الذي بقي يشغل بال المقدسي، فيتعلّق بالرغبة في تأسيس مخيلة أو تفجير حقل التاريخ المعني بدراسة الكولونيالية وتأثيراتها على المجتمعات المحلية. فهو يرى التشديد على المقاومة واختزال المبشّرين في الدولة العثمانية إلى مجرد «إمبرياليين ثقافيين» بمثابة إساءة فهم وتفسير لمرونة العالم العربي العثماني وتكيّفه. إذ عادة ما تركز السرديات السائدة في حقل ما بعد الكولونيالية إما على دور الكولونيالية في تدمير ثقافات المجتمعات التي غزتها، أو تعلي من شأن المقاومة المحلية؛ لذلك يقترح مقدسي دراسة العلاقة بشكل أعمق والخروج من ثنائية كولونيالية/مقاومة لصالح فهم سجلات السكان الأصليين وخياراتهم في لحظات المواجهة (كما في حال أسعد الشدياق الماروني بطل كتابه، الذي أبدى رغبة وميولاً حيال البروتستانتية). ولعله من المصادفات الجيدة في صدور كتاب مقدسي في هذه اللحظة وعرضه منهجية تتجاوز إرث خاله إدوارد سعيد، تزامن ترجمته مع ترجمة كتاب وائل حلاق سالف الذكر، ما قد يتيح للقارئ فرصة جيدة للاطلاع على رؤيتين مختلفتين حيال التعامل مع إرث الإمبريالية الثقافية، خاصة أن حلاق في كتابه الأخير لا يكلّ من عتاب إدوارد سعيد وقصور فهمه للاستشراق، ليس لأن كتاب الأخير فتح الباب أمام اختزال إرث كامل بدعوى استشراقيته، بل لأن سعيد لم يدرك أن هذا الاستشراق هو وليد «الحداثة المدمرة» وفق تعبير حلاق.
بروتستانتية أمريكية على شواطئ بيروت:
صعد مبشرون أمريكيون على متن «سالي أن» من ميناء بوسطن في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 1819. كانت مالطة محطة الرحلة الأولية ومركز انطلاق الرحلات البحرية والتبشيرية البريطانية. لم يكن لهم أي إلمام بالعربية أو التركية، ولا أي فهم حقيقي لمدى تعقيد من يتوجهان إلى هدايتهم من «الناس من مختلف الطبقات والطبائع». كثيراً ما كانت تعوزهم الحساسية تجاه الثقافة المحلية، حتى أن المبشر بارسونز مثلاً دخل ذات مرة بجزمته مسجداً قرب أزمير بذريعة أنها كانت طويلة وصعبة الخلع. أسّس المبشرون الأمريكيون محطتهم الإرسالية في بيروت. لم يأتوا كعسكر صليبيين أفجاج، بل كـ»مدفعية السماء» المخلّصة؛ رجال كلهم تصميم على استعادة أرض التوراة من رب هذا العالم الذي لطالما استبعد الكنائس المسيحية الشرقية، وناشدين فتحاً روحياً حيث ساد غيرهم بالقوة.
سافروا، لكونهم عزاباً، بصحبة الحجاج غالباً، واستطاعوا اجتياز مساحات شاسعة من الامبراطورية؛ فوصفوا تنوّع السكان المختلطين الذين التقوهم قدر المستطاع، كما وزّعوا وباعوا مئات النسخ من الكتاب المقدس والكراسات الدينية، بيد أنهم لم يتمكنوا طوال ثلاث سنوات من استنباط متحول عربي واحد. لم يكن هذا العجز ناجم فقط عن مجرد عدم دراية باللغة العربية، بل لأن المؤسسة المارونية كانت قد انغمست في المقابل بهمة في حرب إبادة مجازية متبادلة لا هوادة فيها، هذه الحرب التي تم خوضها بلغة دينية ظاهرياً/المسيحية الحقة في مواجهة الوثنية، والإيمان الثابت ضد الهرطقة واستُخدمت فيها مصطلحات أربكت وشوشت الصدام التاريخي المتكشف.
وفي خضم هذه المواجهة، أثار أسعد الشدياق الماروني انتباه المبشرين الأمريكيين؛ فهذا الشاب الذي درس في الكنيسة المارونية، سرعان ما ضجر وتململ من هذا الدرب. وشاءت الصدف أن يُقدّم إلى المبشر جوناس كينع في يونيو/حزيران 1825، فقام المبشر بتوظيف أسعد لتعليمه السريانية التي كانت لغة الطقوس الدينية عند الموارنة، كما عمل مصححاً وناسخاً في الوقت ذاته لعظات المبشر وصلواته بالعربية ومنخرطاً في السجالات والنقاشات الدينية على نحو متواصل من الصباح إلى المساء. ها قد ظهر أخيراً نوع الرجال الذي لطالما بحث المبشرون عنه. بيد أن قرب أسعد من المبشرين سرعان ما دفع مطران بيروت إلى اتهامه بالعشق المفرط للمال، والذي شجب بعنف جشع أسعد المزعوم، مع ذلك توسله للعودة عن درب الهلاك الأبدي الذي انطلق فيه بعزم وتصميم لا يصدقان. بعد أن يئس البطريرك أمام تصميم شدياق على تفسير الإنجيل بشكل مستقل، وقلب العالم رأساً على عقب، وإنكار المرجعيات والدين، قرر البطريرك الماروني إرساله إلى دير قنوبين المنعزل.
بدأ الاضطهاد الحثيث لأسعد الشدياق بعد وصوله إلى قنوبين، وبينما تشير الدلائل من دفتر يومياته ورسائله إلى أنه حافظ على حماسه التبشيري، إلا أن احتمالات فشله الديني في وجه الضغوطات القاسية لدفعه إلى التكيف مع الأسطورة المارونية بشأن الإيمان الثابت القويم. جُلد بلا رحمة على أخمص قدميه بالغصون اللينة الخضراء الشبيهة بالسياط طوال ثمانية أيام متتالية؛ كما وُضِعت الأصفاد في رقبته. وفي بداية مايو/أيار من العام التالي 1928 ارتفعت الأسعار وتفشّى الطاعون، وكان أسعد الشدياق لا يزال يرقد في سجنه عندما صعد أبطاله الأمريكيون على متن سفينة نمساوية مستأجرة للرحيل عن الشواطئ العثمانية، حيث فرضت الحرب اليونانية مرة أخرى ضريبتها الباهظة. عندما صعد المبشرون واثنان من المتحولين الأرمن كانوا قد خلفوا وراءهم أكثر من مجرد الرجل الذي سرعان ما سيحتفون به شهيداً، إذ أنهم تنازلوا في الواقع عن المعركة التي ابتدأوها هم أنفسهم، معترفين بأن الوقائع تفوقت على مثلهم. في المقابل، أذن استمرار تصميم أسعد على ضرورة الاقتناع ونشدانه نوعاً جديداً من حرية الضمير، بدنو عصر عثماني أكثر حداثة كما يرى مقدسي.
تأسيس الكلية السورية البروتستانتية
في عام 1831 بدت الإمبراطورية العثمانية كأنها على شفير الانهيار، إذ أدى انتصار إبراهيم باشا على العثمانيين إلى خلق فراغ في السلطة في جبل لبنان، ما شكّل حافزاً، كما يرى مقدسي، لتشكيل ثقافة طائفية جديدة أمعنت نهشاً في نظام السلطة الاجتماعي القديم. فبدأ الفلاحون المسيحيون يطالبون بالحرية من أسيادهم الإقطاعيين الدروز مصرّين على حقهم في أن يُحكموا من جانب أسياد مسيحيين فقط، بينما طالب الدروز بما أصروا على أنها امتيازاتهم القديمة في الأرض وخضوع العامة وقد أسفرت هذه الظروف غير المستقرة عن مواجهة تحولت إلى صدام دموي بين الموارنة والدروز، وأفضت في عام 1941 إلى أولى المواجهات بين الطائفتين. وجاءت لاحقاً أحداث 1860 التي شهدت مذابح بحق المسيحيين في لبنان ودمشق لتنبه المصالح والاهتمامات العثمانية والأوروبية العربية نحو بيروت وجبل لبنان، وعجلت في تدفق التعاطف المسيحي الأوروبي مع ضحايا المذابح من المسيحيين، فوصلت جمعيات تبشيرية وجمعيات خيرية من ألمانيا وبريطانيا العظمى لمساعدة اللاجئين والأيتام في مؤشر على مرحلة توسّع جديد للعمل التبشيري البروتستانتي في المنطقة.
كانت مدينة بيروت، شيئاً فشيئاً، تتحوّل من بلدة صغيرة يقطنها سكان ناهزوا خمسة آلاف نسمة في بداية القرن التاسع عشر إلى عاصمة عصرية لمقاطعة إمبراطورية أنشِئت حديثاً في عام 1888 يُقدر سكانها بمئة ألف نسمة، ربطها خط سكة حديدي حديث بدمشق، وارتبطت بإسطنبول بواسطة التلغراف، فضلاً عن السفن البخارية التي ربطتها بأوروبا، وفوق ذلك جاء الاعتراف العثماني بالطائفة البروتستانتية مناورة دفاعية وإعلاناً عن أن الامبراطورية غدت الآن جزءاً لا يتجزأ من عصر قرن تاسع عشر تنويري وامبراطوري. ساهمت هذه الظروف في أن تتحول بيروت إلى موطن لأهم مؤسسة تبشيرية أمريكية في الامبراطورية العثمانية: الكلية السورية البروتستانتية التي تأسست عام 1966.
ويرى مقدسي أن ما منح الإحسان التبشيري الأمريكي قوته ودافعه المتميز في نهاية حقبة الامبراطورية العثمانية، هو موقعه الشاذ وغير السوي فيما يتعلق بصلته بالاستعمار العربي، فقد عمل المبشرون خارج الإطار الكولونيالي الرسمي، وقد تمكن المبشرون، بفضل هذه المسافة التي كانت أيديولوجية بقدر ما هي مادية، من تمثيل رؤيتهم لأمريكا المحسنة من دون اعتراض عملي يُذكر من جانب العرب. كما مكنتهم من المساهمة إلى حد كبير في الآراء المثقفة في أمريكا بشأن العرب والمسلمين.

  • Social Links:

Leave a Reply