كتبنا وما كتبنا

كتبنا وما كتبنا

قد تكون أغنية فيروز “كتبنا وما كتبنا” تعبيراً حقيقياً عن وضعنا ككتاب وصحفيين، فظروف عملنا في منطقة ساخنة وبلدان محتلة من سلطات أمر واقع لا تملك أدنى معايير قبول حرية التعبير والرأي الآخر شاقة وخطيرة جداً، فقد صنفت سوريا في تقرير منظمة مراسلون بلا حدود الصادر أواخر العام الماضي بين أخطر ثلاث دول في العالم على عمل الصحفيين.

أطلق على الصحفيين أوصافاً تحملهم ما لا طاقة لهم بها، فقد اعتُبر أن الصحافة هي “السلطة الرابعة”، وهو تعبير مجازي عن دور الصحافة المؤثر في الرأي العام، لكن هذا الوصف بواقعنا المعاش فيه تجني على الصحفي، فالصحفي في بلادنا لا يستطيع سن القوانين والأنظمة، وبالتالي فهو لا يملك سلطة التشريع، كما أن الصحفي لا يمكن له أن يصدر حكماً قضائياً لندعي أنه يملك سلطة قضائية، لا بل إن إطلاق صفة ما على أحدهم أو مجرد انتقاده أو انتقاد جماعته قد يودي بنا معشر الصحفيين مورد التهلكة، واستتباعاً فنحن لا نملك القوة التي تمكننا من سجن أحدهم أو فرض غرامات مالية عليه لنقول أننا نملك سلطة تنفيذية، ففي بلادنا لا توجد سوى سلطة الأمن وكل السلطات الأخرى تتبع لها، لهذا فكل من يرفض الاستبداد مستهدف ومضطهد، فما بالك بمن يصنع الرأي العام.

فالصحفيون والكتاب في بلادنا – المنكوبة بكل أنواع السلطات المجرمة – يعيشون حياة صعبة للغاية، وقد يكون من يعيش في الخارج أفضل حالاً بقليل ممن يعيش في الداخل من حيث الأمان، فالزملاء في الداخل يتحملون عبئاً أمنياً كبيراً، فهم خاضعون لسلطة أمر واقع، سواء في أماكن سيطرة النظام، أو أماكن سيطرة الفصائل العسكرية، فمجرد انتقاد قد يفتح على الزميل الناقد أبواب جنهم، فالمطلوب منه أن يكون طبالاً على حد تعبير عضو مجلس التصفيق التابع لبشار الأسد، والذي حول الإعلام من أدواره الحقيقة في الرقابة على أعمال الحكومات، ونشر الوعي والفكر، وإعلام الناس وإخبارهم بموضوعية وشفافية عن آخر التطورات في مناحي الحياة المختلفة، إلى التطبيل والتزمير للقائد الأوحد الفذ، وبهذا تساوى الطرفان في طريقة النظر إلى دور الإعلامي، وحتى في مجال المديح، قد يضطر الزميل الإعلامي في الداخل لمدح فصيل معين تجبناً للمضايقات التي تبدأ بمنعه من التصوير والتغطية الإعلامية، وقد تصل إلى أمنه وتعريض حياته للخطر، هذا الاضطرار للمديح قد يجعله عدواً لفصيل آخر يعارض الفصيل الممدوح، عدا عن الدخل المنخفض جداً والذي لا يلبي أدنى متطلبات الحياة، مما يضطر البعض للعمل في أكثر من وسيلة إعلامية أو لأن يكونوا بوقاً لإحدى الفصائل العسكرية أو السياسية.

اعتقال وقتل الصحفيين والنشطاء الإعلاميين أصبح نهجاً لدى سلطات الأمر الواقع الحاكمة للمناطق المختلفة من سوريا، والتي ابتليت بعدة احتلالات من دول ومليشيات مختلفة، ففي مناطق سيطرة نظام الأسد أصبحت حرية الرأي جريمة تودي بصاحبها إلى التهلكة، حتى لو كانت مجرد انتقاد بسيط من شخص عرف بموالاته ودفاعه عن النظام، كما هو حال وسام الطير صاحب صفحة “دمشق الآن” الموالية، وفي مناطق سيطرة تنظيم جبهة النصرة الإرهابي، نستذكر عشرات الحالات من الصحفيين الأجانب والسوريين والنشطاء “المواطن الصحفي” الذين اعتقلوا أو غيبوا أو قتلوا من قبل ملثمين مجهولين، ما هو حال الزميل رائد الفارس مدير راديو فريش، والزميل المصور حمود جنيد.

لا تختلف مناطق سيطرة مليشيا “بي واي دي” الإرهابية عن باقي المناطق، فقد وثق اتحاد الصحفيين الكرد السوريين في تقريره السنوي الانتهاكات بحق الصحفيين في مناطق الإدارة الذاتية وشمال سوريا، مشيراً إلى “وقوع 30 حالة انتهاك كحصيلة عام 2018 في المناطق الكردية”.

العيش في الخارج وإن كان يعطي فسحة من الأمان أوسع بقليل مما هو في الداخل، لكنه أمان كاذب حين تحق ساعة الجد والحقيقة، ففي دول الجوار يتعرض الصحفي السوري لمضايقات يختلف سقفها بين دولة ودولة، فمثلا يعيش الصحفي السوري في لبنان تحت سلطة أجهزة الأمر الواقع التابعة لمليشيا حزب الله القاتلة للشعب السوري، وكان آخرها اعتقال الزميل عبد الحفيظ الحولاني مراسل موقع “زمان الوصل” في لبنان من قبل مخابرات الجيش اللبناني، وهو الاعتقال الثاني له. وفي تركيا وإن كان حالها أفضل بكثير من حال بقية دول الجوار، إلا أنه حصلت اختراقات أمنية أدت لاغتيال عدد من الزملاء على يد عناصر تابعين لتنظيم “داعش” الإرهابي، وحال الزملاء في العراق والأردن …. ليس بأفضل حال.

مشهد الاعتداء على الصحفيين أصبح أمراً اعتيادياً، في ظل غياب قيادة سياسية تملك قوة شرطة منظمة، ومحاكم مدنية على مستوى المناطق المحررة تضبط الأرض، وتنشر العدل والأمان، والتي يجب أن تتابع أيضاً أوضاع السوريين في بلدان اللجوء المختلفة.

“كتبنا” الكثير الكثير عن ضرورة وحدة عمل القوى الوطنية الديمقراطية، وعن ضرورة إبعاد الأنا المتضخمة لدى الكثير من قوى الثورة والمعارضة، ورغم أنهم جميعاً متفقون على ضرورة الوحدة وإنتاج قيادة للثورة، حتى أن أحد الأصدقاء قال لي ألا تمل من تكرار وإعادة تكرار نفس الكلام، فأجبته بأن التكرار يعلم الشطار، ورغم التكرار إلا أن الكثير من القوى السياسية لازال يعتقد القائمون عليها أنهم المهدي المنتظر، وأنهم الفئة الناجية، ولا زالت الأنا المتضخمة لدرجة الورم موجودة، فهل يمكن أن نقول ” ويا خسارة ما كتبنا”؟.

  • Social Links:

Leave a Reply