د. سميرة مبيض: التطرّف كأداة للتسييس

د. سميرة مبيض: التطرّف كأداة للتسييس

تشكل سوريا اليوم نموذجا حيّا للاستخدام المباشر للتوجهات المتشددة والتنظيمات المتطرفة كأداة لتوجيه مسار السياسات العامة الخارجية والداخلية، يمكن تلخيص الأمر بأربعة أبعاد:

الأول هو وجود طرف متطرف بحكم أن تعريف التطرّف هنا هو اَي انزياح عن السلوك المعتدل بدافع من ايديولوجية معينة، قومية، دينية، أو غيرها تدفع بالمجموعة المعنية للعبور من العمل الفكري الى العمل المسلح العشوائي أو المنظم لنشر وفرض أفكارها.

البعد الثاني هو ضرورة وجود جهة لمحاربة هذا التطرّف تأخذ هذا البعد نظم سياسية سلطوية تقدم نفسها خارجيا كالمخلص من خطر تمدد الاٍرهاب وعبوره للحدود المفترضة وتبني سياساتها الخارجية على هذا المرتكز بفرضه كمبدأ لتبادل المصالح، وتقدم نفسها داخليا كطرف قائم على حماية المواطنين من خطر هذا التطرّف.

ويفترض ذلك بعدا ثالثا بالتأكيد وهو الشروط المحيطة بهذا الصراع والتي تتطلب من المواطن منح الثقة المطلقة بالسلطة وتقبل كل ضيق وتضييق في ظروف الحياة تقدمة للهدف النبيل المفترض بمحاربة التطرّف وحمايته منه، بما في ذلك تخليه عن مطالبه بالحرية السياسية والحريّة التعبيرية وبالحد الأدنى من العيش الكريم وبتطوير وتقدم بلده وضمان مستقبل أولاده وفِي حال خروجه عن أي من هذه القواعد سيتهم بالمشاركة في المؤامرة المفبركة ووهن عمل السلطة المحارب للإرهاب.

أما العامل الرابع والأخير فهو الارتباط الوجودي بين أطراف المعادلة، التطرّف من جهة والسلطة المحاربة له من جهة أخرى، تختل بغياب أي منهما وتمنح الغلبة للطرف الثالث وهو هنا الشعب الذي يفترض به قبول دور المغلوب على أمره المصدق المؤمن بكل أفلام التلفزيون الرسمي أو تطلق ضده يد الاٍرهاب والتطرف أداة الحكومة لقمعه وتدجينه.

في واقع الامر فان سوريا لم تشهد نشأة قطب تطرف واحد، بل عدة أقطاب توزعت على مناطقها وخدمت في تسييس الحراك في كل منطقة ورسم ارتباطاتها الداخلية والخارجية.
فبالعودة الى خارطة توزع النفوذ في سوريا اليوم والتي أشير لها بسبعة أقاليم، نرصد نشأة أقطاب تطرف ايديولوجي عدة بقي منها على الساحة السورية: قطب النصرة في القطاع الشمالي بفكر إسلامي متطرف، قطب حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في القطاع الشرقي بفكر يساري متطرف، الميليشيات الإيرانية في القطاع الأوسط بفكر إسلامي متطرف، الميليشيات الأمنية الداعمة للاسد في القطاع الساحلي بفكر سلطوي متطرف.

هذه الأقطاب التي أدت كل منها دور متعلق بالسياسة الخارجية والداخلية، يتم تحييدها اليوم تباعا تمهيدا للعبور الى مرحلة الحل السياسي تبعا لنتائج الفترة السابقة، والتحييد هنا لا يعني الإنهاء المطلق، بعيدا عن ما يطمح به كل سوري يسعى لمصلحة أبناء بلده، فلا زالت هذه الأقطاب أدوات تسييس على المدى المتوسط على الأقل. سيتم لجمها تدريجيا لكنها لن تندثر بل قد تبقى بحالة كمون في كل قطاع بمهام ترتبط بحفظ الحالة النابذة بين القطاعات المتجاورة من جهة وبالتلويح بها لتأطير السياسات الداخلية ضمن كل من القطاعات من جهة أخرى.

هذه الصورة الواقعية ليست حافزا للاستسلام بل هي حافز للعمل، فاستخدام التطرّف كأداة للتسييس منهج محفوف بالمخاطر أهمها ان بقاءه يتطلب استمرارية وجود مثل هذه الكيانات وبالتالي السماح بأدلجة اجيال جديدة على هذا المسار و كذلك إمكانية انفلات السيطرة على هذه الكيانات وتمكنها فعليا وذاتيا من فرض نفسها وتوسعها.

مما يجعل من التوجه لوقف هذا التقهقر في المنطقة ضرورة تتطلب بداية العمل على ما يجعل أي من هذه الأقطاب لا تمتلك اَي قاعدة شعبية وغير قادرة على تجنيد اَي فرد في المحيط السوري الموجودة فيه وذلك عبر خلق الوعي الشعبي حول أخطارها ودورها السلبي في الحد من الحريات و الوقوف بوجه التقدم السياسي والاجتماعي المنشود بحيث يأخذ المواطن نفسه دور محاربة أي تشدد وتطرف ايديولوجي من أي منشأ كان ويقي أبناءه من خطر الوقوع بها ويسقط من يد اَي توجه سلطوي السعي للتحكم به عبر هذه الاداة، ثم العمل على بناء أجيال تدرك معنى المصلحة العامة الغير فئوية والغير مؤدلجة انطلاقا من مصلحة المجموعة التي تتشارك بالأرض والموارد وصولا الى مصلحة الانسانية جمعاء لتكون جزءا من تقدمها وهو ما نطمح له لسوريا المستقبل

  • Social Links:

Leave a Reply