ناقدة الرأسمالية ومجادِلة لينين وشهيدة الثورة الاشتراكية

ناقدة الرأسمالية ومجادِلة لينين وشهيدة الثورة الاشتراكية

 

ثلاث صفات تختصر المساهمات الفكرية والسياسية لإحدى أهم الشخصيات الثورية في تاريخ الحركة الشيوعية، وهي الشخصية التي يضعها باحثون كثيرون في مجال الفكر الاقتصادي والسياسي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد كارل ماركس، وحتى قبل لينين ذاته، وإن كانت الأحزاب الشيوعية في المرحلتين الستالينية وما تلاها قد أهملتا إلى حدٍّ بعيد نتاجها، فلم يدخل ضمن المراجع الحزبية التثقيفية المعتمدة، ربما خوفاً من استحقاقات تفضي إليها الاستنتاجات التي يمكن أن تقوم على هذا النتاج.
إنها المنظـِّـرة الماركسية والفيلسوفة والاقتصادية والاشتراكية الثورية روزا لوكسمبورغ، البولونية المولد العالمية الانتماء الألمانية الممات، التي قام ضباط من فلول الجيش الألماني القيصري باغتيالها هي وكارل ليبكنيخت ورفاقهما بطريقة وحشية قبل قرن بالتمام والكمال، وتحديداً في اليوم الخامس عشر من شهر كانون الثاني عام 1919، إذ جرى التحقيق معها في أحد الفنادق، ثم ضُربت على رأسها بكعب بندقية إلى أن فقدت الوعي، ثم أُطلق عليها الرصاص، وأُلقي بها في قناة لاندفير، وكان هذا نذيراً واضحاً على ما ستؤول إليه الأوضاع داخل ألمانيا في العام 1933 وما يليه، كما أنـَّـه يمثل دليلاً على مدى التأثير الجماهيري الواسع الذي تمتعت به روزا، مما حدا بخصومها إلى تصفيتها.
ولدت روزا بتاريخ 5 آذار عام 1871 ضمن بلدة صغيرة تابعة لمقاطعة زاموسك البولونية الخاضعة للسيطرة الاستعمارية الروسية آنذاك.
في سن السادسة عشرة انتسبت روزا إلى إحدى حلقات حزب (البروليتاريا) الناجية من الملاحقة الأمنية حتى ذلك الحين، وفي عام 1889 بدأ البوليس بمطاردتها، مما أرغمها على مغادرة بولونيا، وانتقلت روزا إلى مدينة زيوريخ السويسرية، التي كانت مركز الهجرة الأكثر أهمية بالنسبة إلى البولونيين والروس.
وهناك انتسبت إلى الجامعة، ودرست العلوم الطبيعية والرياضيات والاقتصاد، كما لعبت دورا هاماً في الحركة العمالية المحلية وفي زخم الحياة الفكرية للمهاجرين الثوريين. وبعد مضي أقل من عامين عـُـرفت روزا كمنظرة للحزب الاشتراكي الثوري البولوني، وصارت المحررة الرئيسية لصحيفته.
نضجت روزا لوكسمبورغ فكرياُ بسرعة فائقة وانجذبت نحو الحركة العمالية الأممية في ألمانيا حيث شقت طريقها. وهناك صارت أحد المحررين الرئيسين لأهم مجلة نظرية هي (الأزمنة الحديثة)، التي كان كارل كاوتسكي يرأس تحريرها. وتعرَّضت روزا للسجن عام 1904 بتهمة إهانة القيصر.
عام 1906 اعتقلت روزا مجدَّداً، أمضت الجزء الأول من الاعتقال في السجن، والجزء الأخير في قلعة محصنة. وبعد انتهاء هذه الفترة، أطلق سراحها، وسحبت الجنسية الألمانية منها، وطردت خارج البلاد.
بين عامي 1905 و1910 حصل خلاف بين روزا لوكسمبورغ والقيادة المركزية لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين، وبلغت ذروة هذا الخلاف عام 1910، ووصلت عام 1913 إلى الشرخ الكامل بين روزا لوكسمبورغ وكاوتسكي بسبب الخلاف حول مسألة طريق العمال إلى السلطة.
في شباط من عام 1914، اعتقلت روزا لوكسمبورغ بسبب تحريضها الجنود على التمرد. وفي قاعة المحكمة تحولت روزا من موقف الدفاع عن النفس إلى موقف الهجوم على النظام القائم، وتعد مرافعتها، التي نشرت فيما بعد إحدى أهم الإدانات الاشتراكية الثورية للنظام الإمبريالي، ومع ذلك فقد جرى الحكم عليها بالسجن. وفي 3 آب من عام 1914، قرّرت المجموعة البرلمانية التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني التصويت إلى جانب تأييد قرار الحرب، وكان صدور هذا القرار عن قيادة الحزب خيانة صريحة وواضحة لمصالح الطبقة العاملة الألمانية.
إثر ذلك مباشرة، وتحديداً يوم 4 آب، اجتمعت مجموعة صغيرة من الاشتراكيين في شقة سكنية صغيرة، كانت تقطنها روزا، وقررت المضي في طريق النضال ضد الحرب، وقد قامت هذه المجموعة لاحقاً في عام 1916 بتشكيل عصبة سبارتاكوس، التي قادها الرباعي روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنيخت وفرانز ميرينغ وكلارا زيتكين.
إثر هزيمة ألمانيا القيصرية للحرب العالمية الأولى، قام البحارة الألمان بتاريخ 29 تشرين الأول 1918 بتمرد في ميناء فيلهلمسهافن، ثم تبعه تمرد في مدينة كيل، وقد ألهبت تلك التمردات روح الثورة، التي اجتاحت خلال أيام الإمبراطورية الألمانية بأكملها، وأدت نهاية الأمر إلى إعلان الجمهورية في ألمانيا يوم 9 تشرين الثاني عام 1918. وكان من نتائج الثورة تنحي القيصر فيلهلم الثاني عن العرش، وهروبه من البلاد. وكان من نتائجها أيضاً تحرير روزا لوكسمبورغ من سجنها بتاريخ 8 تشرين الثاني عام 1918.
وخوفاً من حرب أهلية شاملة في ألمانيا بين العمال المتشددين والمحافظين الرجعيين، لم يجرد الحزب الاشتراكي الديمقراطي النخبة الألمانية القديمة من سلطاتها وامتيازاتها، بل سعى إلى دمجها في النظام الجديد، مما أدى إلى نشوب انتفاضة عمالية واسعة عرفت باسم (انتفاضة سبارتاكوس الشيوعية)، التي قامت قوات عسكرية وميليشيات قومية بقمعها بوحشية بين 4 و15 كانون الثاني عام 1919.
في مؤلفها الصادر عام 1904 والمعنون بـ(قضايا تنظيمية للاشتراكية الديمقراطية الروسية)، عارضت روزا بشدة مركزية لينين المفرطة، وسعت إلى تأكيد أن الوعي الطبقي البروليتاري يدعو الى مراجعة كاملة لمفهوم التنظيم، وبيـَّـنت أن سعي لينين إلى مكافحة الانتهازية عبر مركزية تنظيمية صارمة، كان يهدد بتقييد المبادرة العفوية والتفكير الديمقراطي، وأوضحت أنَّ الانتهازية بحاجة إلى كفاح ضدها، لكن ليس بتكرار مناهجها التنظيمية.
خلال جدال روزا مع لينين بخصوص ثورة أكتوبر في روسيا بعد العام 1917، كان جوهر نقدها يتعلـَّـق بسمة الاستيلاء على السلطة وما هي الخطوات التي يتعين اتخاذها بعد ذلك مباشرة لضمان أوسع ما يمكن من الديمقراطية الثورية، وبحيث تؤمن الإجراءات الثورية أوسع مشاركة غير مقيـِّـدة للجماهير في ديمقراطية لا حدود لها، كما أنـَّـها رأت أنَّ المهمة التاريخية المنتصبة أمام البروليتاريا بعد استيلائها على السلطة، هي خلق ديمقراطية اشتراكية بدل الديمقراطية البرجوازية، وليس التخلص من الديمقراطية، فالممارسة الاشتراكية، كما فهمتها، ينبغي أن تعني تحولاً روحياً كاملاً لدى الجماهير، التي أذلتها قرون من الحكم الطبقي البرجوازي، وكان موقفها واضحاً ورافضاً لقمع الحريات العامة وإلغاء الأحزاب وحل البرلمان.
على صفحة غلاف كتاب (عن الثورة والحزب وأفول الرأسمالية)، وهو نصوص مختارة من أعمال روزا لوكسمبورغ، صادر بالعربية عن المكتب الإقليمي للمؤسسة التي تحمل اسمها عام 2016، يطالع القارئ، ليس دون وقفة تأمل، المقولة التالية المأخوذ عن روزا: (الحرية هي دوماً حرية أصحاب الرأي المختلف).

من أعمال روزا لوكسمبورغ الفكرية
– التطور الصناعي في بولونيا، لايبزغ 1898.
– إصلاحٌ اجتماعيٌّ أم ثورة؟ مع ملحق الميليشيا والعسكريتاريا، لايبزغ 1899.
– الإضراب الجماهيري والحزب والنقابات، هامبورغ 1906.
– التراكم الرأسمالي – مساهمة في التفسير الاقتصادي للإمبريالية، برلين 1913.
– العسكريتاريا والحرب والطبقة العاملة، فرانكفورت على الماين 1914.
– أزمة الديمقراطية الاجتماعية مع ملحق: مبادئ توجيهية بشأن مهام أممية الديمقراطية الاجتماعية، بيرن 1916.
– ما الذي تريده عصبة سبارتاكوس؟، برلين 1918.
– الثورة الروسية – تقييمٌ نقديٌّ، برلين 1922، وهو من الأعمال المنشورة بعد اغتيالها.

  • Social Links:

Leave a Reply