د.يوسف سلمان  نموذج الدولة الرّاهن في البلدان العربية

د.يوسف سلمان نموذج الدولة الرّاهن في البلدان العربية

 

1- يرى المفكّر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي أنّ الدولة تنتظم ويتجدّد هيكلها بالاستناد إلى القوى الاقتصاديّة، لكنّها ليست مجرّد انعكاس فوقي لهذه القوى ، بل هي أكثر من ذلك، إنّها تمثّل أداةً للترشيد والعقلنة الاقتصاديّة .

2 – يبرز سؤال مهمّ : هل الدولة بالفعل، كما يعبّر أصحاب الفكر اللّيبراليّ ، هي مؤسّسة محايدة، لحلّ الخلافات الطبقيّة والاجتماعيّة في المجتمع، و لتسوية الصراعات فيه ؟

3 – في معرض الردّ على السؤال السابق، ينبغي التذكير، بأنّ الدولة تعبّر في جوهرها، عن توازنات القوى الطبقيّة والاجتماعيّة في هذا البلد أو ذاك .
4 – ويتمّ استخدامها،بهذه الدرجة أو تلك، أداةً بيد الفئات أو الطبقات، المالكة لوسائل الإنتاج ،أو المتحكّمة بها، في خدمة الشركات الاحتكاريّة، في دول المركز الرأسمالي، وفي مصلحة بورجوازية السلطة وحلفائها في دول البلدان النّامية .
5- أمّا في البلدان العربية، فإنّ الدولة، تكاد تكون عبارة عن مجرّد جهازٍ قمعي بيروقراطي ، تسيطر عليه نخب حاكمة شمولية، تحتكر السلطة والثروة، في ظلّ غياب القانون
6- فالدولة في بلداننا، لم تتطوّر، كمؤسسة وكيانٍ مستقلٍّ عن شخص الحاكم،أو عن النظام السياسي، الّذي يمارس السلطة، بل أصبحتْ أداةً في يد الحاكم ، لإحكام قبضته على المجتمع .
7- كما أنّها، لم تتطوّر،بوصفها تعبيراً عن مجتمعٍ معيّنٍ،له قيمه وأهدافه وطموحاته ، بل بوصفها تعبيراً عن فئاتٍ محدودة، استطاعتْ من خلال سيطرتها على أجهزة ومؤسسات الدولة، أنْ تستغلّها لتحقيق مصالح ضيّقة،لا تنسجم مع القيم والمصالح العليا للمجتمع .

8- السائد والمسيطر في بلداننا العربيّة، هي دولة السلطة، التي تصادر المجتمع و تعبيراته السياسية والنقابية والحرّيّات،معتبرةً نفسها، معبّرةً عن الكلّ الاجتماعيّ،إذْ لا وجود لأيّ صوتٍ أو تنظيمٍ أو حركةٍ خارج مظلّتها.
9- لهذا السبب بالذات، يتزايد استخدام مفهوم المجتمع المدني في بلداننا، بسبب حاجة شعوبنا الماسّة إليه .
10– يرتبط المجتمع المدني، أوثق الارتباط بقضايا محوريّة عديدة، تمسّ أسس الدولة الحديثة .
11- يمكننا تكثيف هذه الأسس بما يلي : الدستور والديمقراطية والفصل بين السلطات وإطلاق الحريات واستقلالية القضاء وحرية الصحافة و مبدأ المواطنة والدور الإيجابي المستقل للأحزاب والنقابات والجمعيات و المؤسسات الثقافيّة وغيرها، وهو ما تحتاج إليه، أمسّ الحاجة، مجتمعات بلداننا .
12- هنا ينبغي القول، إنّ المجتمع المدني يحدّ من تسلّط الدولة ويحمي الأفراد والجماعات من تعسّفها .
13- بالتالي، فإنّ المفهوم يستخدم ضدّ الأنظمة التسلّطيّة،التي تقوم بمحو وتغييب المجتمع عن ممارسة أيّ دورٍ إيجابيٍّ فاعل .
14- إنّ ما تفعله أنظمة التسلّط والاستبداد فعليّاً، هو إلحاق مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة : الأحزاب السياسية والنقابات العمالية و الاتحادات المهنية والحرفيّة والمنتديات والجمعيات والمؤسّسات الثقافية والفكريّة، ومراكز البحوث وغرف التجارة والصناعة والزراعة والمؤسسات الدينية، بأجهزة الدولة، وإخضاعها مباشرةً لسلطتها .
15- ينتج عمّا تقدّم، قيام السلطات الحاكمة في بلداننا العربية، بالقضاء على استقلال المؤسسات الثقافية، ومحو دولة القانون وتأسيس الدولة التسلّطيّة .
16- تعيد الدولة التسلّطيّة في بلداننا، على مدار الساعة، إنتاج علاقة التنافي والتضاد بين الدولة والمجتمع .
17- إنّها تستولي على تعبيرات المجتمع : السياسيّة والنقابيّة والثقافيّة والحقوقيّة كلّها، وتخضعها لسيطرتها، كي يصبح احتكار السياسة والقوّة والثروة لأهل السلطة متوفّراً، ما يلغي أيّ أثرٍ لدولة المؤسّسات، ويعزّز دور الدولة التسلّطيّة .

18- هذا يعني واقعيّاً وعمليّاً، تضييق المجال السياسي المجتمعي وتقليصه، حتى يتطابق مع مجال دولة السلطة .
19 – يتمّ هذا كلّه، من خلال نزع السياسة من المجتمع أوّلاً، وعسكرة مجال الدولة ذاته ثانياً، أي عبر مأسسة القمع واقترانه بالاحتكار الفعّال لمصادر الثروة والقوّة والسلطة، على حساب المواطن و سلطة الدولة .
20- في هذه الحال، يستعاض عن سلطة الدولة، الّتي تفسح في المجال للمجتمع، بممارسة دوره، يستعاض عنها بدولة السلطة، الّتي تنتفي في ظلّها السياسة، بوصفها فاعليّة مجتمعيّة، كي تكرّس السياسة، بوصفها فاعليّةً سلطويّة ضيّقة، تهمّش دور المجتمع بأحزابه ونقاباته ومثقّفيه، وتقصيه عن ممارسة فاعليّته وتأثيره في حياتنا .

21- لذا، ينبغي التشديد على أنّ ممارسة السياسة، بمعناها الحديث، تعني ممارسة المجتمع : بأحزابه ونقاباته ومنظماته واتحاداته المهنيّة وصحافته الحرّة ومؤسساته الثقافيّة وقضائه المستقلّ، لدوره بحرّيّة، بعيداً عن أيّ إكراهٍ أو قسر .

  • Social Links:

Leave a Reply