فايدة كامل بصوت السيسي: دَعْ رئاستي!

فايدة كامل بصوت السيسي: دَعْ رئاستي!

 صبحي حديدي

من خلف الميكروفون اعتادت المغنية فايدة كامل (1932 ـ 2011) على تعبئة الرأي العام المصري، والعربي، خلال العدوان الثلاثي على مصر: “دَعْ سمائي فسمائي مُحرقة/ دع قناتي فمياهي مُغرِقة/ واحذر الأرض فأرضي صاعقة”. في سنوات لاحقة، مطلع الثمانينيات بصفة خاصة حين صارت عضواً في مجلس الشعب المصري (وحطمت رقم “غينيس” القياسي في عدد الدورات المتعاقبة)، استخدمت الميكروفون أيضاً؛ ولكن لاقتراح خمسة تعديلات دستورية، بينها واحد يتيح للرئيس المصري، أنور السادات يومذاك، أن يحكم مدى الحياة.

وريث فايدة كامل، في مصر الراهنة، هو النائب عبد الهادي القصبي، رئيس ائتلاف “دعم مصر” الذي يمتلك الأغلبية في مجلس الشعب؛ والذي يحدث أيضاً أنه ينتمي إلى الطريقة القصبية الصوفية، وسبق له أن ترأس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر. والقصبي، صحبة 155 نائباً، رفعوا إلى رئاسة المجلس طلباً باستحداث ستة أحكام جديدة تخصّ القضاء، معظمها يمارسه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصلاً، بقوانين خارج أية سلطة تشريعية. لكنّ الغرض من تمريرها اليوم عبر مجلس الشعب هو إعادة تفصيل الدستور، بما يمكّن السيسي من إحكام القبضة على السلطة الوحيدة التي يمكن أن تُبطل قرارات السلطة التنفيذية؛ خاصة إذا انتقلت التعديلات إلى الفقرة الأخطر: المادة 140 من الدستور المصري، والتي تنص على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة.

لا جديد هنا، ولا فائدة أصلاً، في استذكار الوعود التي قطعها السيسي، مقسماً بالله العظيم في كلّ مرّة، حول عدم التمديد، وعدم الرغبة في الحكم، وعزوف العسكر عنه، بل وامتناعه هو شخصياً عن الترشح لرئاسة الجمهورية في أعقاب انقلابه العسكري. هذا رجل حنث بعشرات الوعود، وهو أمر بات صفة أولى لصيقة به؛ كما التفّ، بقرارات رئاسية، على الدستور ذاته الذي هندسه رجاله؛ وضرب عرض الحائط بأحكام قضائية لا شبهة فيها البتة (تيران وصنافير، وإلغاء أحكام الإعدام بموجب مطالعات أجهزة المخابرات)، بل ذهب أبعد فأقصى المستشارَين اللذين اتخذا هذه الأحكام في مجلس الدولة (يحيى الدكروري وأنس عمارة، تحديداً).

مفيد، في المقابل، التذكير بأنّ السيسي، منذ 3 تموز (يوليو) 2013، باشر السلطة الانقلابية من موقعه العسكري، أو العسكرتاري على وجه أدقّ، وهكذا بقي، ويلوح أنه يعتزم البقاء حتى يشاء الله؛ غير مختلف، إلا في تفاصيل ثانوية، عن نهج سابقيه من رؤساء مصر العسكر، دون استثناء جمال عبد الناصر، غنيّ عن القول. ففي عهد الأخير، وهنا فضيلة التذكير، صدرت قرارات آب (أغسطس) 1969 التي استحدثت المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وترأسه ناصر بنفسه؛ كما أنشأ المحكمة العليا، التي حلّت تدريجياً محلّ المحكمة الدستورية العليا، وأعاد تشكيل الأجهزة القضائية على نحو ضمن استبعاد القضاة غير الموالين، في غمرة ما اصطُلح على تسميته بـ”مذبحة القضاة”. اغتيال السادات أفرغ “تعديلات فايدة كامل” من مضامينها التطبيقية مؤقتاً، لكي يستأنفها حسني مبارك عبر إنشاء مجلس القضاء الأعلى في سنة 1984، وإحياء مجلس الهيئات القضائية في 2008، وهكذا…

وعبر عسكرتاريا من أمثال السيسي، وقبله محمد نجيب وناصر والسادات ومبارك، وبدرجة أقلّ محمد حسين طنطاوي؛ احتفظت المؤسسة العسكرية المصرية بموقع الرئاسة، عبر الانقلاب والإكراه ومهازل الانتخابات والتعديلات الدستورية. ولم يكن طور محمد مرسي، الرئيس الوحيد المنتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر، سوى فاصل قصير أقرب إلى استراحة الجنرالات قبل تنظيم انقضاضهم التالي؛ الذي أسبغت عليه جماهيرية واضحة سلسلة أخطاء مرسي، النائب عن مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين في المقام الأول.

واليوم، إذْ يزمع السيسي إضفاء الصفة الدستورية على نظامه الدكتاتوري، لا عزاء لمعارضة مصرية ضلّت الطريق ــ سريعاً في الواقع، وعلى هدي الهواة المذعورين! ــ فمنحت العسكر تفويضاً بإطلاق الاستبداد على عواهن أقبح من ذي قبل. ثمن تواطؤها باهظ، على شاكلة ما تلاقيه اليوم من تنكيل ومهانة.

  • Social Links:

Leave a Reply