فصول السوريين اللذيذة – خطيب بدلة

  فصول السوريين اللذيذة – خطيب بدلة

فصول السوريين اللذيذة

الفَصْل، عند المصريين، هو الصف المدرسي، وعند عامة العرب جزءٌ من كتاب، لذا يكتبون في العناوين الداخلية: الفصل الأول، الثاني.. إلخ. ولكن الفصل، عند عامة الشعب السوري، يحمل معنىً مختلفاً. يقال: فلان عمل بعَلَّانْ فَصْلْ.. يعني أوقعه في مقلبٍ كوميدي. وللأديب الكبير الراحل عبد السلام العجيلي كتابٌ صادرٌ عن دار طلاس، عنوانُه “فُصُول أبي البهاء”.
عاش السوريون، كما هو معروف، نصفَ قرن ممنوعين من التعبير تحت طائلة القتل والاعتقال والتعذيب، ولكن الذين طُردوا من سورية خلال السنوات الثماني الأخيرة، ولجأوا إلى دولٍ يتوفر فيها هامشٌ من الحرية، أصبحوا يتحدثون ويكتبون بحرية، وهذا حسن، ولكن “الجرعة” تزيد، عند بعضهم، عن الحد الطبيعي، فتَصْدُرُ عنهم أقوالٌ وآراءُ تشبه، إلى حد كبير، الفصول.
أنا، كاتب هذه الأسطر، مثلاً، ارتكبتُ عدداً لا بأس به من الفصول التي تُشبه الحماقات، أبرزُها أنني كنت، في مظاهرات 2011 و2012، أصيح حتى تنتفخ أوداجي بعبارة “الشعب السوري واحد”، مصدّقاً كل حرف في هذا الشعار، ولكنني، منذ ذلك الحين، أصبحتُ أرى وأعاين عن قرب مدى تَفَرُّق السوريين، والضغائن التي يحملونها في صدورهم. كان الانقسام الكبير الأول للشعب السوري بين النظام والشعب الثائر، ثم بدأ الشعب ينقسم، على نحو حادّ، إلى طوائف وقوميات، وبقي، ضمن كل طائفةٍ أو قوميةٍ، أناسٌ قلائل ينادون بوحدة البلاد والشعب، ولكن هؤلاء ظلوا منبوذين، ولم يقدروا على تشكيل قوةٍ قادرةٍ على مواجهة كل هذا النزوع الانفصالي.
على الرغم من الانقسام الشاقولي بين ما يسمّى تجاوزاً “النظام” وما سُمِّيَ تجاوزاً “المعارضة”، فقد ظهرَ الطَرَفَان وكأنهما متفقان، ضمنياً، على تعميق الفرز الطائفي والقومي والمناطقي. عند “النظام”، وصلت الفصول الغريبة إلى حد أن يظهر عسكريٌّ شبه أمي، من طراز سهيل الحسن، في وضعية الفيلسوف، والفنان زهير عبد الكريم يبكي، بمرارةٍ، لأن بعض الفنانين تجرّأوا على الرئيس بشار، وطالبوه بتأمين أسطوانات الغاز للمواطنين. وخلال أيام قليلة من هذا البكاء، بث السيد وسيم الأسد فيديو شرح فيه للمواطنين السوريين فكرته المبتكرة التي تتلخص بأن الحصول على أسطوانة غاز يتنافى مع الشرف والعِرْض، إذ بينما يكون الرجل الحاصل على أسطوانة غاز جديدة مبتهجاً بالطبخ والنفخ وتحضير الشاي والقهوة والمتّة، يسهو عن الإرهابيين، فيدخلون غرفة نومه، ويمارسون الفحشاء مع نسائه.
ليست المعارضة السورية منقسمة وحسب، بل إنها تبدو مفتّتة. إنها منقسمة، بشكل أساسي، بين التيارين، العَلماني والإخواني، ومما لا شك فيه أن التيار العلماني يمثل الحلقة الأضعف. بلغت فصول بعض العلمانيين (مثلي أنا) أنهم صدّقوا كذبتين كبيرتين، تتلخص الأولى في أن الأولوية الآن يجب أن تكون لإسقاط النظام، وبعدها يحلها الحَلَّال، يعني يجب أن نسير بلا خطّة، أو منهج، أو خطوط عريضة. والثانية أن الإخوان المسلمين يمكن أن يكونوا جزءاً من الدولة المدنية التي تجمع السوريين كلهم. وللتوضيح أقول إن الإخوان الذين أقصدهم يتألفون من قسمين، الإخوان المنظمون في الجماعة، و”مَنْ في حكمهم”، وهؤلاء هم الأكثرية، وهم أناسٌ لا يوجد لديهم أي قبول للشريك العلماني، بل إنهم دائمو القصف على مواقع العلمانيين. مثلاً: يتساءل كبيرُهم ومرشدُهم العام المجاهد رياض الشقفة: ماذا قدّم العلمانيون للثورة؟ وهو يعني أن الإسلاميين قدّموا الكثير، بينما العلمانيون عَلَّاكون. ويبدو أن هذا السؤال لم يشفِ غليل الدكتور أحمد محمد كنعان، فسدّد سهماً إلى المفكر العلماني الكبير الراحل صادق جلال العظم، وكتب في مركز الشرق العربي مقالة وصفه فيها بـ الآبق، وهي صفةٌ كانت تُطلق على العبد المتمرّد على سيده. أما كنعان فقد طوّرها حتى صارت: هو من يتنكر لوطنه، أو أمته، أو دينه

  • Social Links:

Leave a Reply