كيف سيقتل «المسلحون المجهولون» أبو نواس؟

كيف سيقتل «المسلحون المجهولون» أبو نواس؟

 

 حسام الدين محمد

 10
 حجم الخط

ولد الشاعر الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس عام 762 ميلادية وتوفي عام 813 عن عمر 51 عاما. عاش أبو نواس حياته القصيرة هذه بالطول والعرض: ولد في الأحواز وانتقل أهله إلى البصرة بعد هزيمة الأمويين في معركة الزاب الأعلى، وانتقل بعدها إلى الكوفة ثم إلى بغداد في عصرها الذهبي، وزمن خليفتها العباسي الأشهر هارون الرشيد وابنه الأمين، كما انتقل إلى دمشق ومصر قبل أن يعود مجددا فيموت في بغداد قبل دخول المأمون، المنتصر على أخيه الأمين، إليها.

رغم وجود عدد هائل من الشعراء «الخليعين» (كما تصفهم سرديات الأدب العربي) فقد بزهم أبو نواس جميعاً إلى حد أنه أصبح يعتبر «شاعر الخمر» بالتعريف، وهو توصيف يقلل من شأن أبي نواس كثيراً ويحبسه في تنميط لا يستوعب القيمة الثورية لأدبه، الذي كانت أداته الكبرى هي السخرية من المعايير والمحرمات، الاجتماعية والسياسية والدينية وكذلك الشعرية.
انصب جزء من سخرية النواسي على تقليد راسخ في الشعر العربي، هو ابتداء الشعراء قصائدهم كلها بالوقوف على الأطلال جرياً على عادة الشعراء الجاهليين كامرئ القيس والحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم، ومن أبياته المعروفة في هذا السياق قوله: قل لمن يبكي على رسم درس واقفاً ما ضر لو كان جلس.
انبنى تمكن أبي نواس الشعري، واجتراؤه على الأفكار المستقرة والتقاليد، على فترة «دراسة» طويلة، بدأت في صباه بالذهاب إلى البادية لتعلم اللغة العربية على أصولها، وبعد ذلك تتلمذه على أدباء ورواة شعر كبار مثل خلف الأحمر، وكذلك على شيوخ الفقه والحديث وأحكام القرآن والتفسير، لدرجة أن ابن المعتز قال إنه كان «عالما فقيها بالأحكام والفتيا، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه».

يفيد هنا التأكيد على أن أدب أبي نواس يدين بوجوده لسياق التسامح الكبير في المجتمعات العربية ـ الإسلامية.

مهم القول إن «خلاعة» النواسي وتهتكه واجتراءه على المقدسات أفضت به إلى السجن مرات عديدة، ولكنه كان مقرباً من الحكام أيضاً، الذين مدح بعضهم، وابتلي بنكبات بعضهم، وتعرض لنوبات غضب منهم أحيانا، ولكن موهبته وجرأته كانت تقدر من قبلهم حق قدرها أيضاً، فقد كان نديما للأمين الذي كان يضطر أحيانا لسجنه اتقاء لنقد الوعاظ ورجال الدين.
يفيد هنا التأكيد على أن أدب أبي نواس يدين بوجوده لسياق التسامح الكبير في المجتمعات العربية ـ الإسلامية في حقبتها العباسية (والأموية إلى حد كبير بما فيها مرحلة أندلسية طويلة) الذي كان موجوداً ليس كسلطات واجتماع بشري فحسب، بل كمنظومة دينية مرنة وفسيحة قادرة على استيعاب الأمم الكثيرة والأديان واللغات والديناميات الاجتماعية المتعددة والأدب، فالدين، رغم ارتباطه بالحكام، الذين استولوا على السلطة بدعوى انتسابهم إلى الرسول، لم يكن عاملا فوقياً منفصلاً عن الحياة، بل كان منفتحا عليها بكل صورها.
لا يمكن الادعاء، رغم ذلك، عدم وجود أشكال من القمع السياسي، فانتقال الحكم للعباسيين رافقه عنف شديد (لقب الخليفة الأول كان السفاح)، وبعد التحالف مع شيعة آل البيت ضد الأمويين لحقت سلالتهم أنواع من الاضطهاد، كما أن مؤسسي المذاهب الإسلامية عانوا من مضايقات وسجن ثلاثة منهم، وهناك حوادث مشهورة لقتل خصوم سياسيين وأدباء وصوفيين، لكن التركيز على هذا الجانب من التاريخ هو ابتسار للحضارة الإسلامية وإجحاف هائل بحقها.
٭٭٭
ولد الروائي علاء مشذوب الخفاجي في كربلاء عام 1968 واغتاله «مسلحون مجهولون» يوم السبت الماضي 2 فبراير/شباط بثلاث عشرة رصاصة أمام منزله في «المنطقة الأمنية المغلقة» للمدينة أي أنه كان بعمر 51 مثل سميه أبو نواس، الذي توفي حتف ربه قبل 1206 أعوام من مشذوب. الأحرى، رغم هذه المصادفة، بالأديبين ألا يتشابها إلا بقدر ما يمكن أن يتشابه فرجيل مع المتنبي ورامبو مع محمود درويش، ولا نحتاج هنا إلى حذف المسافة الزمنية الكبيرة (نسبيا) بين الشخصين، وما علينا سوى البحث عما يميز الكاتب أو الشاعر منذ بدء البشرية حتى الآن، وهو، في رأيي، القدرة على التعبير الجمالي، العابر للأزمنة، عن الشرط البشري. يشبه الكاتب في ذلك المعادن النقية جداً التي تحول الكهرباء إلى طاقة والواقع إلى شعر ورواية فتضيء مثل «كشافات الضوء» (البروجكتورات) على مشاعر الجنس البشري المعقدة تجاه تقلبات الحياة وظروفها. لذلك فإننا لو أردنا، من خلال المقارنة بين الأديبين، الاقتصار على التنميطات التي التصقت بشخصية أبي نواس (أو حياة مشذوب) فلن نجد من معنى للمقارنة، أما إن أخذنا شخصيتي الأديبين باعتبارهما تمثيلا للعصر الذي عاشا فيه، فسنجد نقاطا عديدة تجعلنا نتفكر فيهما وفي مصائر البلد الذي عاشا فيه في زمنين مختلفين جدا.

تعرض أبو نواس إلى بعض العقوبات على أشعاره الجريئة، التي كان كثير منها سيفضي به، من دون جدل، إلى القتل، كما حصل لمشذوب، لو أنه كان حيا في هذه المرحلة التي يسيطر عليها التطرف والتعصب والتبعية المذلة للأجنبي.

من هذه النقاط نقد الأديبين الحاد لمجتمعيهما، الأول عبر السخرية والتهتك والاجتراء على المحرمات الاجتماعية والدينية في عصر فتوحات وغنى وسيطرة على العالم المعروف، والثاني في نقد آليات التخلف والاستبداد والتبعية، متابعا الجوانب المظلمة في الشخصية العراقية في عصر احتلال واستبداد وتخلف. لقد عاد مشذوب إلى الوراء زمنياً ولم يستثن نقده في رواياته وأعماله لا عصر «جمهورية الفوضى»، كما يسميها زمن عبد الكريم قاسم، ولا جمهورية «البعث» المظلمة، التي عاشت على «الحروب والاقتتال والمشانق والإرهاب النفسي والمعنوي»، وصولا إلى ما بعد الاحتلال عام 2003 حيث برزت، على حد قوله، «الميليشيات بأنيابها الحادة تنهش العراق وأهله، وعمّ الفساد في كل مفاصل الدولة والحكومة» وحين حاول العراقي الهرب من الفساد والإرهاب فقد عانى من «الابتزاز والنصب والاحتيال من عصابات ونصابين، وهو يجازف بحياته وعائلته من أجل التخلص من الطائفية المقيتة».

لقد تعرض أبو نواس إلى بعض العقوبات على أشعاره الجريئة، التي كان كثير منها سيفضي به، من دون جدل، إلى القتل، كما حصل لمشذوب، لو أنه كان حيا في هذه المرحلة التي يسيطر عليها التطرف والتعصب والتبعية المذلة للأجنبي.
حسب أوس الخفاجي، قائد ميليشيات «أبو الفضل العباس» الشيعية، فإن مشذوب قتل لأن بعض الموالين لإيران لم يعجبهم انتقاده لها، ولكن الأعجب من ذلك أن الخفاجي نفسه تعرض للاعتقال بعد هذا التصريح، وهو أمر يشير إلى أن قتلة مشذوب هم أصحاب السلطة الحقيقيين في العراق، وليسوا عصابة تتحرك بمفردها. عاد مشذوب في ثلاثيته الروائية «آدم سامي ـ مور»، «بابل سامي ـ مور» و»آشور سامي ـ مور» إلى زمن سبق النواسي بآلاف الأعوام مقدماً قصة الحضارة الأولى ومناقشاً الأديان التي أنتجتها، ومناقشا، في الوقت نفسه، النهب الذي تتعرض له آثار وحضارة العراق، ولعل الروائي لم يتخيل ربما أن يصبح هو نفسه، باغتياله، انقفالا للدائرة التي أشارت إليها أعماله على أمل انفتاحها.
على حد قول الكاتب البريطاني روبرت بيستون فإن انعدام الأمل بالحياة هو موت التقدم وهو أمر يصح تشبيه حال العراق المعاصر به، ولكن المفارقة الكبيرة هي أن اغتيال مشذوب كشف هذا الكاتب المختفي في كربلاء العراقية وبين أهمية أدبه، وأعطاه بذلك حياة جديدة وأملا بالحياة، لكن أكثر ما يؤسف له حقا هو أن الموت، في العراق والبلدان العربية، صار هو المذكر بأهمية الأمل والأدب والحياة.
قتل مشذوب، بهذا المعنى، هو قتل مزدوج يقوم به الحاضر لماضي الحضارة العراقية ولمستقبل العراقيين المشترك الممكن.

  • Social Links:

Leave a Reply