من صفحة الرفيق مصطفى الدروبي نعيد نشرها للاهميه

من صفحة الرفيق مصطفى الدروبي نعيد نشرها للاهميه

  1. أعيد نشر هذا الرسالة البليغة والمعبرة والتي سطرها يراع الأديب والشاعر المبدع الأستاذ عيسى الشيخ حسن بعد قصف الطيران الفرنسي لقرية التوخار التابعة لمنطقة جرابلس وسقط على إثرها عدد من الشهداء حيث قمت بدوري بإرسالها على الخاص العائد لحساب الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند إلا أنه لم يرد على هذه الصرخة النبيلة من سوري نبيل وأبي.
    النص العربي للرسالة :
    سيدي الرئيس أولاند؛
    بونجور، أو بونسوار، أو بون ميدي، هذا ما عرفته من أدب الحياة وأنا أدبّ على درب الثالثة عشرة، على يد المدرّس الزاهد دخيل أوسي.
    ومن أيامها كنّا محسوبين على فرنسا، بشكلٍ أو بآخر، لأنّنا أولاد الفلاحين البسطاء الذي لاواسطة لهم تمكّن أولادهم من تعلم الإنكليزية. كان الأستاذ دخيل يجتهد أن يعلّمنا الحروف الصوتية الصعبة التي عانى من تعلّمها برجوازيّو باريس، ونبلاؤها الجدد.
    سيّدي الرئيس؛
    أنا أحب فرنسا، أحبّ فيكتور هيغو، وميراي ماتيو، وجان جاك روسّو وفولتير والروائي (الأزعر) بلزاك، والكئيب البير كامو، وأحبّ غافروش وكوزيت وجان فالجان وأتذكر دائماً شكل مدام تيناردييه حين يقرأ لنا المدرس العبقري محمد بشير صالح، الذي يبكي حين يتحدث عن فانتين المرأة التي حوّلها ظلم باريس إلى عاهرة.
    أنا أحب فرنسا؛ أحبّ فريقها الذهبي أيام بلاتيني وجيريس، ونسخته التالية التي فازت كأس العالم بفضل (زيداننا) شيخ الشباب، أنا أحب فرنسا جريدةالإيكيب التي حاولنا قراءتها ونحن صغار ولم ننجح، وقصصنا صور الرياضة، وعلقناها على الجدران،
    أحب فرنسا الصعلوك رامبو، ومركبه السكران، أحب فرنسا ريجيس دوبريه وديباجته البارعة التي ليس لي إلا أن أدهش في ثناياها، أحب فرنسا مطبخ الفكر الجديد من وجودية جان بول سارتر، إلى بنيوية سوسيير ورولان بارت صاحب موت المؤلف، أحبّ (الطاعون) وأكره (الذباب).
    أحبّ طواف فرنسا، وفولارها الأصفر، وراءها الباريسية، ونهر سينها، وحيّها اللاتيني، وجامعتها السوربون، وشوارعها في (أديب طه حسين) وروعتها في دهشة الطنطاوي، وعزة نفس شعرائها في رواية سيرانو دي بيرجراك.
    أنا لم أزر باريس، قال لي دخيل أوسي يوماً: إذا بقيت على هذا المستوى حتى الصف العاشر سأرسلك إلى فرنسا، لم أزرها لأني طالب كسول، ولم أزرها فيما بعد لأن السياحة ليست لأمثالنا، ولم أزرها لاجئاً، لأنّ متاحاً من الهواء مازال في رئتيّ، ولأنّي اخترت منفاي قبل فصل الربيع العربي.
    سيّدي الرئيس؛
    كان في ودّي أن أخبرك أخباراً طيبة عن ديواني الخامس، وحفيدي الثامن، وذكرياتي عن الطبشور الفرنسي، وقصّة شَعر ميراي ماتيو، وبعض العبارات التي ظلّت في البال من مسرحية البرجوازي النبيل لموليير، والممثلين البارعين آلان ديلون وكاترين دينوف، عن الإتيكيت الفرنسي، ومدرسة ما بعد الحداثة.
    كنت سأقول لك إنّ حفيدي (إبراهيم) في الرقّة، وقد ولد منذ عشرة أيّام، وليس له علاقة بسائق الشاحنة في نيس؛ فلا تصدّق واضعي الأهداف أن إبراهيم إرهابي، كنت سأقول لك إني حتى الآن لم أره، طلبت الصورة مراراً من أهله، يقولون إن الكهرباء مقطوعة دائماً في تلك القرية البعيدة، سامحني؛ فلن أذكر لك اسم القرية حتى لا يصطادها طياروك، كنت سأقول لك: أهل الرقّة طيّبون ولم يعرفوا الإرهاب ولا التديّن الحادّ في حياتهم، وأنّهم يبكون يا سيّدي إذا سمعوا منشداً يغنّي “الموليّا”. كان يجب أن تسمع الموليّا سيدي الرئيس، لتعرف أن ثمة باريسيين في الشرق، يدينون بدين الحبّ والفنّ، وأنّ الرقّة أسيرة لعبة كبيرة، خاض فيها الجميع.
    كنت سأقول لك كلّ هذا، ولكنّ قصف طياريك لهذه القرية (قرية التوخار) بحجة دعوشة أهلها، فاجأتني بهذا الداعشيّ الصغير إسماعيل، إسماعيل ابن (البطة السوداء) يا سيدي، أنا أعرف أنه شقيّ، أقصد من ملامحه وجسده المتعافي، ولكن هل يعقل أنه من أرسل سائق الشاحنة إلى نيس؟ أنتم أدرى. ربّما قال لكم من قال إن إسماعيل هو من حمل ساطوراً، أو ارتدي حزاماً ناسفاً، ولكن ألا ترى أن هذا الطفل بحلاقة (البانكي) لم يقصّ شعره، ولم يقصّر ثوبه، ولم يضع طاقية على رأسه؟
    أنا أكتب لك، وربّما لا أجد من سيترجمها لك، فبؤساء هيغو تناسلوا فينا يا سيدي، في كلّ مدينة وفي كلّ حارة وفي كلّ قرية، ثمة جان فالجان وثمة مسيو تيناردييه وثمة الشرطي جافير، وفي كلّ بيتٍ يا سيدي (طاعون) وثمة (ذباب)/ وثمّة هواة كرة يهربون من الواقع بتشجيع الفرق التي لعبت في يورو 2016، وصفّقت للاعبكم رقم 7، وحزنت لخسارتكم اللقب، كما حزنت لضحاياكم في حادثة نيس.
    يا سيّدي أكتب لكم؛ لأقول لك نحن لسنا إرهابيّين، ولا طاقة لنا بالهجرة التي يجب أن نسير على صراطها المستقيم الضيّق فيقع من يقع، ويغرق من يغرق، حتى يصل المغامرون إلى جنّتكم الموعودة.
    نحن يا سيدي لسنا إرهابيّين، لسنا قتلة، وأنتم أدرى بلعبة داعش وماعش، نحن أغنية تلك الأرض البائسة، نغنّي لليل الصحراء الموليّا، ثم نبكي.
    قديماً كان إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، وإسماعيلنا هذا، هذا الذي يتمدّد مبتسماً على ترابٍ هشّ ليس إلاّ ذاك الـ (إسماعيل) في صحراء الرعب، يصرخ من العطش، وأمّه المحاصرة تبحث له عن جرعة خلاص، في هذا السراب الأمميّ.
    ثم ألا ترى أنها ليست معه؟
    عيسى الشيخ حسن

  • Social Links:

Leave a Reply