دمشق في زمن الحصرم

دمشق في زمن الحصرم

د.أحمد محمد كنعان

دمشق .. يا وعد “الربيع” الذي طال انتظاره
متى تزهر أحلامنا ؟
متى ينعقد حصرم أيامنا عنباً ؟
متى تصرفين هؤلاء النواطير الذين استباحوا كروم عينيك
وتركوها نهباً للثعالب ، والبوم ، والغربان ؟!!
**
دمشق .. هذا زمن النواطير الكَذَبة
هذا زمن “قارون” يساوم على الوطن بثمن بخس، دراهم معدودة
هذا زمن “هامان” يذبِّح أحلامنا، ويستحيي أوجاعنا
هذا زمن “امرأة العزيز” تراود شعبها عن نفسه
هذا زمن “فرعون” : أنا ربُّكم الأعلى !
هذا زمن “العشق الإلهي” يُحرق حياً في الميادين
هذا زمن “نيرون” أنا ، أو أحرق البلد !
دمشق .. هذا زمن “أبي لهب” و “السيدة الأولى” يلقيان النار في طريق الثوار !!
**
دمشق .. هذا زمن العهر السياسي
والنفاق الدبلوماسي
والاقتتال على “الكراسي”
وبيع الضمائر “بالتقسيط المنتهي بالتمليك”
**
دمشق ..
هذا زمن المنابر، والخطباء، وفقهاء السلاطين، و “كهنة المعبد”
الذين منعونا حتى في تشهدنا أن نقول : لا
وقرروا بالإجماع إقامة الحد على من يجازف فيقولها !
**
دمشق .. يا ربيع السلام
هذا زمن “القناصين” يتسلون باصطياد حمامات سلامك
هذا زمن “الشبِّيحة” يترصدون الملائكة عند أبواب المساجد والكنائس والمعابد
هذا زمن “العسكر” يجلسون تحت قبة البرلمان يلعبون الورق
ويشربون نخب المعركة الأخيرة ضد شعوبهم
دمشق ..
هذا زمن الحيتان .. المستعد الواحد منهم لابتلاع بلاد بأكملها
لا زمن العشاق المساكين ..
الذين في عيد الحب لا يجد الواحد منهم ثمن زهرة يهديها إلى الحبيبة
ويكتفي بالوقوف دقيقة وجد على أطلال عطرها !
دمشق ..
هذا زمن العربان الذين تعبوا من “الهرولة”
فجلسوا في المقاهي يدخنون بانتظار “برميل” يمطرهم بالفودكا الروسية المعتَّقة
أو “صاروخ” ينثر فوق رؤوسهم زجاجات الكوكا كولا، والهمبرغر، ودونات العم سام !
**
دمشق ..
هذا زمن البث الفضائي
وبث الإشاعات
وبث الهزائم العسكرية
وبث اليأس في نفوسنا
وبث المخبرين تحت جلودنا
وفي حقائب أطفالنا المدرسية !
**
دمشق .. يا كَرْم المحبة
هذا زمن احتراق الكروم
واحتراق الثورات
واحتراق الشعارات
واحتراق “آخر الرجال المحترمين”
واحتراق أكبادنا على صبايا يحملن ويضعن في الزنازين
وأطفال يرضعون لبن التطرف في الزنازين
وحكايات حب تولد وتموت في الزنازين !
**
دمشق ..
يا سيدة النفس الكبيرة
والتحولات الكبيرة
والطقوس المتقلبة
والأمطار العاصفة
ليتني متُّ قبل هذا الزمان
ليتني متّ قبل أن أرى “بردى” يتيماً على مائدة اللئام
ليتني متُّ قبل أن أرى “النيل” يموت من العطش في الميادين
ليتني متّ قبل أن أرى “دجلة” يخرج عن مجراه، وينطلق يلعن تاريخ آبائه وأجداده و “الذين خلَّفوه”
**
دمشق ..
هذا زمن المواعيد المؤجلة
فاجلسي سيدتي ريثما ينضج العنب
أغسل قدميك بما تبقى من عصير انكساراتي
وأخيط لك ثوباً بما تبقى من أحلام الثورة
ونامي على صدري ريثما تتحقق مواعيد الكروم
ودعيني أهدهد نومك
بقصائدي التي لم يعد يهتم لها رواد المقاهي
ومدمنو الشاشات
ومدخنو المسلسلات المكسيكية التي لا تنتهي
**
دمشق ..
أيتها القريبة البعيدة
يا حبة القلب، يا فرحي، يا وجعي ، يا .. أنا
يا الفاتنة التي انكسر القالب بعد خَلْقها
كيف طاب لك أن تغرسي حبك في شراييني إلى هذا الحد ؟
وبهذا العنفوان
وبهذا الوجع الشَّهيّ
ومن أين لك كل هذا الحضور
الذي يطير بي لسابع سما كلما همسوا باسمك
أو هبت نسمة من زيزفون شَعرك
أو غنَّتْ “همسة حائرة” من ندى شفتيك !
**
دمشق ..
يا نسرين هذا “الربيع” وياسمينه، وفلَّهُ، وشقيق نعماه، وشقيقة روحي
أيتها الحبيبة التي تبالغ في بُعدها، ودلالها، وتمنُّعها
رفقاً بقلوبنا التي أضناها السعي وراء مواعيدك المؤجلة
رفقاً بشبابنا الذي “ذهب مع الريح”
وامنحينا غمزة كالتي كنت تجودين بها علينا
في الصباح ونحن ذاهبون إلى المدرسة
وفي العصاري ونحن عائدون نلوح بحقائبنا في الهواء
نغني لحن حبك !
**
دمشق ..
يا سيدة المواعيد الشاهقة
والآمال الشاهقة
والجراحات الشاهقة
أيتها الحبيبة التي بيني وبينها أسرار غير قابلة للنشر
وحكايات غيرُ قابلة للنسيان
وجراحٌ غير قابلة للشفاء
ما الذي أستطيع أن أفعله لأشفى من حبك
الذي يجعلني أدور حول نفسي كالمجاذيب ؟
لقد جربت طبَّ العطارين
وأعشاب الهند والسِّند، والإبر الصينية، واليابانية، والكورية
وكاسات الهَوا
فلم أبرأ من هواكِ !
**
دمشق ..
هذا زمن الأوجاع الكبيرة
والتحولات الكبيرة
والانتكاسات الكبيرة
والثورات المفخخة
والنياشين المفخخة
والشعارات المفخخة
فتعالي نمزق كتاب الحكمة
ونحرق ديوان الأدب
ونطلق بركان الغضب
ونتلوا وصية “الحَجّاج”
فإني أرى “أزمنة” قد أينعت وحان قطافها !

  • Social Links:

Leave a Reply