جبهة النصرة من التأسيس إلى التشكيلات المتعاقبة، الدور والأفاق في الحرب السورية

جبهة النصرة من التأسيس إلى التشكيلات المتعاقبة، الدور والأفاق في الحرب السورية

الكاتب: مرصد مينا في عين على التطرف

ملف خاص عن جبهة النصرة أعده مجموعة من الباحثين في مرصد مينا

جبهة النصرة هي تنظيم سلفي جهادي يتبع القاعدة، ويسعى للإطاحة بنظام الأسد وإنشاء نظام إسلامي في ” بلاد الشام”. تركز هذه الدراسة التي أجراها مركز مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الإعلامي على التنظيم، باعتباره الأكثر أهمية بين التنظيمات الجهادية العاملة في سوريا. وتشمل عدة أقسام ترسم صورة كاملة لجبهة النصرة منذ التأسيس وحتى يومنا هذا. منها:

المدخل لفهم هوية جبهة النصرة وأهدافها.ظرف النشأة.المرجعية الأيديولوجية لجبهة النصرة.جبهة النصرة والتأسيس.البيان التأسيسي لها.حقيقة الجولاني أمير جبهة النصرة.الانتساب للنصرة الأسباب والدوافع.من النصرة إلى فتح الشام وما بينهما.هيئة تحرير الشام وفائلها الملحقة.الهيكل التنظيمي لهيئة تحرير الشام.تطور البناء الهيكلي لهيئة تحرير الشام.مصادر التمويل.تنظيم حراس الدين المعوق الأكبر في طريق استقرار هيئة تحرير الشام.سيناريوهات مستقبل هيئة تحرير الشام.المراجع

 

المدخل

منذ اندلاع الثورة السورية منتصف شهر مارس/آذار عام 2011م، كان التحدِّي الأهم الذي واجهها هو التنظيميات الجهادية كـ” جبهة النصرة” وغيرها من التنظيمات الأخرى, التي اصطدمت مع مجاميع قوى الثورة, حول عملية التوافق السياسي لتقديم نموذج وطني مغاير للنظام الطائفي المستبد في بناء الدولة المستقبلية, حيث تفردت جبهة النصرة بالحفاظ على استراتيجية تنظيم القاعدة القائمة على فكرة الجهاد والدعوة إليه دون الأخذ بعين الاعتبار التحديات السياسية والاقتصادية في المناطق الخارجة عن نفوذ نظام الأسد.

كانت بداية الثورة السورية نقطة تحولٍ بالنسبة إلى ” تنظيم القاعدة” حيث انغمس في الحالة السورية من خلال ذراعه العسكري ” جبهة النصرة”, التي عزلت نفسها عن باقي فصائل المعارضة المسلحة من خلال أجندتها واستراتيجيات عملها، وأدواتها، وبدأ يتبلور مشروعها حول سرديات صياغة شكل الخارطة السورية؛ إذ سعت إلى تحديد دورها في الثورة السورية.

وكاستجابة لاعتبار جبهة النصرة تشكّل تهديدًا أمنيًّا في المنطقة بسبب بُعْدها القاعدي، اتخذت الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة إجراءاتٍ متباينة لضمان بقاء النصرة تحت السيطرة، كونها مصنفة أميركيا على لوائح الإرهاب، فوضعت كلُّ دولة استراتيجيتها الخاصَّة للتعامل معها، بناءً على الظروف الداخلية والتوازنات السياسية.

في خريف عام 2015م عام التدخل العسكري الروسي واجهت النصرة تحديات داخلية وخارجية, تمثلت في الحوار الداخلي الذي قاده الزعيم العام لتنظيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري, بهدف تغيير بنيتها الهيكلية, وانتهى الحوار إلى قرار فك ارتباط النصرة بالتنظيم الأم. فيما تمكن الجناح المحافظ في النصرة من الاستيلاء على مكتب الشورى, وبقي ” الجولاني ” القائد العام لـ “فتح الشام”, النصرة سابقا.

كان تنظيم فتح الشام كيانًا أوجدته الدائرةُ المحافظة المسيطرة في القاعدة بعد التضييق عليها دوليا، أكثر من كونه نتيجةً لمطالب شعبية ضاغطة اعتبرت النصرة ذريعة للعدوان، مما أدى إلى اختلال هيكل التنظيم داخليا, جسده الجولاني في الدعوة للشراكة مع باقي فصائل المعارضة المسلحة, وتشكيل تحالف عسكري كبير, تحت اسم ” هيئة تحرير الشام”, غالبية منتسبيه من السوريين, وقد فشل في تقديمه كتنظيم ثوري شعبي, يتبنَّى نهجًا شاملًا تجاه المجتمع, وبقيت الهيئة نموذجا كلاسيكيا لتنظيم القاعدة.

مع ذلك فالأسباب التي تقف وراء تعثر ” هيئة تحرير الشام, النصرة سابقا” تعزى إلى الخلل في هيكلها البنيوي, كتقديم نفسها بشكل تنظيم جهادي قاعدي, ومن ثم انخراطها في العمل السياسي لمواجهة اللاعبين المحليين الآخرين في المجال الجغرافي لنفوذ المعارضة السورية, وكذلك تحولها من تنظيم جهادي يسعى إلى تغيير النظام العلماني إلى جماعة تسعى للوصول إلى السلطة عبر شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية.

فعندما تمكنت ” جبهة النصرة” من اجتياح المناطق المحررة منذ العام 2014م، وسيطرت لاحقا على أغلب المفاصل الاستراتيجية فيها، بمؤازرة أو صمت فصائل إسلامية معلومة الولاء والتبعية، شرعت النصرة بانتهاج طرق أخرى، لفرض وجودها على ما تبقى من المناطق المحررة، عبر التوسع والانتشار غير المسلح، أو ما يمكن تسميته “الأساليب الناعمة”، وهي خطوة مدروسة، استندت إلى ما حققته من تقدم على الأرض, ولم تمنع هذه الاستراتيجية، كذلك، من اللجوء إلى خيار ” القوة المفرطة” الذي اتُّبع في إخضاع كبرى فصائل الجيش الحر كــ” حركة حزم, ولواء شهداء سوريا, ولواء حق” وغير ذلك من الألوية والكتائب العسكرية العاملة في الشمال السوري,  والاستيلاء على معسكراتها بما تحوي من ذخائر ومعدات عسكرية, مستفيدة من حالة التمزق والتشتت التي نخرت الجيش السوري الحر على كافة المستويات, واتبعت هذه الاستراتيجية في محاولة السيطرة على كل المناطق المحررة، وصولاً إلى الانقلاب على الفصائل التي اشتركت معها في تحرير مدينة إدلب عام 2015م، تحت مدعى محاربة الفصائل ” المارقة”, أو بقايا تنظيم الدولة ” داعش”.

يقف باحثون سياسيون وعسكريون متابعون للشأن السوري في معالجتهم لملف جبهة ” النصرة” عند محطات، تقع على هوامش الصراع الدائر في سوريا، دون البحث في عمق القضية ومضمونها، نظرا لما يحملونه من أفكار مسبقة عن التنظيمات الجهادية سلبية كانت أو إيجابية, أوفي ابتعادهم عن الخوض في مواضيع ذات تداعيات اجتماعية تدمغهم بالطائفية, وهي موانع تحول دون الوصول إلى الحقائق ليصبح البحث عبارة عن تحليلات يغلب عليها التفسيرات الجاهزة والتكهنات اللامنطقية.

ما يمكن الإشارة إليه في هذا البحث هو الإسهام في توضيح صورة ” جبهة النصرة, أو فتح الشام, أو هيئة تحرير الشام” دون إدانة أو تمجيد, بل بتقديمها كما هي.

ظروف النشأة

على مدى سنوات من نشأتها، تمكنت جبهة النصرة من تحقيق أهداف مؤسسها ” الجولاني”، نتيجة تخلصه من ربقة ” البغدادي”  الذي كان يشغل إمرة الجهاديين في العراق والشام، وكذا إعلان انفكاكه عن التنظيم الأم ” القاعدة”، وقد مثلت أحداث الثورة السورية عام 2011 فرصة ثمينة، ليعلن الجولاني ثورته ضد الجميع، جهاديين وثوار على مراحل، مدركا أن ظروفا تنتظره ليتفرد بالسلطة, أو فيما يطلق عليها ” الساحة الشامية” ، ثم حاول في تلك المرحلة، أن يبدي مرونة مع الفصائل المسلحة, ليعمل على تحقيق أهداف تنظيمه, وذلك بتوسيع دائرة احتواء فئات الشباب داخل المناطق المحررة ذات الأغلبية السنية.

وقد خضعت “النصرة” لتطورات متباينة تفسر ظروف نشأتها، ويمكن إجمالها في ناحيتين:

الناحية الاجتماعية المحبطة من فساد وبطالة وهبوط مستوى التعليم والصحة والقضاء إلى أدنى درجاته, والناحية السياسية فهناك نظام أقلوي ورث علاوة على التفرد بالسلطة كل أشكال الاستبداد, بسجل تاريخي على مدى نصف قرن من التدمير والقتل والمعتقلات والنفي والتنكيل بالسوريين. في هذا المناخ ترعرعت جبهة النصرة ضمن سياق مركب بين نص ” الجهاد” والواقع المؤلم, وذلك بالعزف على وتر المذهبية واستغلال معاناة الناس وتطلعاتهم المشروعة حيث وجدت قاعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في الريف السوري المهمّش ، فضلاً عن استمالة كل من يقف موقفاً عدائياً من نظام الأسد, وكذلك استقطاب الجماعات السلفية التي تتماثل ايديولوجيا مع موقف تنظيم القاعدة.

علاوة على أن نشوء التنظيمات الجهادية والإسلاموية كالنصرة وغيرها, وجدت قاعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في الريف السوري المهمّش من قبل النظام الاستبدادي, وما شكلته مساحة التسامح في بواكير الثورة السورية من استغلال لظروف الشعب السوري الثائر الذي لا يدرك حقيقة خفايا التنظيمات الجهادية الإسلاموية النشطة في سورية والمنطقة.

المرجعية الايديولوجية لجبهة النصرة

تقوم ” جبهة النصرة” على قواعد الفكر الجهادي العالمي بأصوله وفروعه, الذي يتضمن ” إقامة الحكم الإسلامي” وفق شرع الله, والذي لايتأتى إلا بالجهاد, ومن هذا الأصل القطعي, توالدت كل المفاهيم والتفاصيل والإجراءات التي أرستها الحركة السلفية في بلاد الشام.

في معترك الاستخدام غير المشروع للقوة, برزت الحركة السلفية التي اقترنت ظروف نشاطها في سورية بالعنف الذي تمارسه السلطات المتعاقبة, لمواجهة حالة الاستبداد والتخلف الموروثة من العهد العثماني, وانقسمت هذه الحركة إلى ثلاثة تيارات سلفية, الأول تنويري إصلاحي, وقد مثّل رموزه آنذاك الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ محمد رشيد رضا.

التيار الثاني, تقليدي محافظ يجترع مشروعيته الايديولوجية من الشيخ ابن تيمية وابن قيّم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب, وقد أرسى دعائمه في سورية وعمل على إحيائه, الشيخ ناصر الدين الألباني والشيخ عبد القادر الأرناؤوط, وتلاميذهما كالشيخ محمد عيد العباسي, والشيخ محمد نافع شامي. الذين اتخذوا من السلفية العلمية أساسا لنشاطهم ضمن المعاهد الشرعية وركزوا على نشر الدعوة وأفكار التيار السلفي دون الانغماس في العمل السياسي أو العسكري.

أمّا التيار الثالث فقد تجسد بــ “الطليعة المقاتلة” التي أسسها الشيخ مروان حديد, وهي جناح راديكالي منبثق عن حركة الإخوان المسلمين الوافدة من مصر إلى سورية عام 1935م, حيث كان الشيخ مروان حديد المتأثر بأفكار سيد قطب, مقتنعًا بأنّ “الجهاد” هو الطريق الوحيد للتخلص من “بلاء حزب البعث”. وفي سبيل ذلك، حاول إقناع التنظيم العام للإخوان المسلمين بالإعداد للمواجهة مع السلطة، وتشكيل ذراع عسكريّ للجماعة. كان تنظيم الطليعة المقاتلة أول تجربة جهادية في سورية تتخذ من ” العسكرة” سبيلًا وحيدًا للتغيير بالقوة المسلحة. وقد شهد عقدا السبعينيات والثمانينيات مواجهات مسلحة بين هذا التنظيم, الذي انضم إليه التنظيم العام للإخوان المسلمين عام 1980، وبين السلطة؛ انتهت بخروج معظم قيادات التيار الإسلامي بعد مجزرة حماة عام 1982.

يمكن القول بأنّ تجربة الطليعة المقاتلة وفّرت تربة خصبة لولادة الحركة الجهادية في سورية؛ كما أنّ الجهاديين السوريين الذين “هاجروا” إلى ساحات الجهاد المختلفة نشأ معظمهم في كنف الطليعة المقاتلة.

ولعل أحد أبرز وجوه تجربة مروان حديد هو أبو مصعب السوريّ؛ ” عمر عبد الحكيم” والذي سيصبح منظِّر الحركات الجهادية في أفغانستان والجزائر والعراق وسورية(1).

“وكانت مجموعة الزرقاوي تتولى تدريب غالبية المقاتلين الأجانب الوافدين إلى العراق, وتعنى بتنظيم صفوفهم(2),من بينهم عدد كبير من الجنسية السورية, حيث نشط نظام الأسد مع ظهور بوادر الغزو الأميركي للعراق عام 2003م في الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعامل مع الجهاديين, حيث ” كانت الأجواء في سورية تشحن على الصعد كافة باتجاه إعداد الجهاديين للقتال في العراق واستقبالهم وتحت عناوين مختلفة من بينها استباحة الغرب “الكافر” للأراضي المسلمة؛ وهو خطاب غير مألوف لأحد الأنظمة العلمانية التي تعتبر متطرفة في رؤيتها وتعاملها مع الموضوع الديني.

فقد دعا مفتي سورية الراحل الشيخ أحمد كفتارو في 26 آذار/ مارس 2003م، على سبيل المثال، المسلمين عامة إلى الجهاد والى “استخدام كل الوسائل الممكنة في هزيمة العدوان، بما في ذلك العمليات الاستشهادية، ضد الغزاة المحاربين الأميركيين والبريطانيين الصهاينة”. وأعاد الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي هذه الدعوة في خطبة الجمعة بتاريخ 13 حزيران/ يونيو 2003م، وحثّ المسلمين الشباب على التوجه إلى “جهاد الفريضة” التي لم “تتجلَّ أسباب فريضتها في عصر من العصور كما تجلّت في هذا العصر على أرض العراق الإسلامية”(3).

يمكن القول إنّ ظروف حرب العراق عام 2003م، جعلت من سورية ممرا آمنًا للجهاديين إلى العراق. وتشير الكثير من الدلائل إلى أنّ نظام الأسد, اعتبر تدفق الجهاديين مصلحة حقيقية تتمثل في محاربة القوات الأميركية وكذلك محاربة الجهاديين وتنظيم القاعدة في العراق. كما أنّ الولايات المتحدة الراغبة آنذاك في تحقيق الاستقرار الأمني في العراق كانت مضطرة إلى فتح قنوات اتصال وتعاون مع نظام الأسد.

استثمر نظام الأسد ورقة القاعدة والجهاديين بشكل جيد في العراق  في الفترة (2005-2008م),  للخروج من عزلته الدولية المفروضة عليه؛ حيث كان التضييق على حركة الجهاديين وضبط الحدود والتعاون الاستخباراتي كان الثمن المقابل(4).

وبالتالي, كان الجولاني على مستوى “المرجعية النظرية”، يستند إلى أطروحات “أبي مصعب السوري” المعتمدة على “اللامركزية” و”حروب المستضعفين” وإنشاء خلايا يجمع بينها الفكر والعقيدة دون تنظيم هيكلي متماسك، والتي تبناها الأخير وأكد عليها في كتابه الأشهر “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية”(5)، وطبقها الجولاني عمليا لقناعته بها وبصلاحيتها في سوريا، بما يتلاءم مع النزعة البراغماتية وسياسات التكيف في شخصية الجولاني، فضلا عن انتمائهما للهوية السورية المشتركة التي تحرص عليها النصرة بـ”سورنة” التنظيم أولا، ثم “شومنته” ثانيا (نسبة لسوريا والشام), أما البعد الأممي العالمي فقد كان يضمر ويضعف(6).

جبهة النصرة التأسيس

يعتبر مؤسسو جبهة النصرة جزءاً من تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، وقد انتقلت مجموعة منهم تحت إمرة شاب مغمور يصغرهم جميعا يُدعى “أوس الموصلي”، وهو الاسم الذي عرف به ” الجولاني” في سجن ” بوكا”, ولم يعرف عنه أي شيء وقتها باستثناء أنه كان مقاتلا سابقا في العراق بعكس رفاق دربه الذين تلاحقهم الاستخبارات العربية ، مثل الأردنيَيْن “أبو جليبيب” و”أبو أنس الصحابة”، صهر ورفيق “أبو مصعب الزرقاوي” قيادي تنظيم “القاعدة” الشهير، والعراقي “أبو مارية القحطاني”، وكان التنظيم هو الذي أرسلهم بمهمة تأسيس فرع للقاعدة في سوريا, ثم صار بعضهم جزءاً من تنظيم “دولة العراق الإسلامية”، تحت قيادة أبي عمر البغدادي. لكن، ربما لم يكن أيّ منهم تحت قيادة أبي بكر البغدادي. على الرغم من ذلك، تبيّن أن أبا بكر البغدادي تقاسم المال والسلاح مع  زعيم جبهة النصرة، أبي محمد الجولاني، على أساس أن يكون تحت إمرته كما جرى الإعلان عنه بعد الخلاف بينهما. لكن، تشكلت جبهة النصرة، وبعد مدة، أعلن أبو بكر البغدادي تشكيل تنظيم الدولة ” داعش”، ما رفضه الجولاني، فدخلا في سجال، وعادا إلى “المرجعية” (أيمن الظواهري) الذي حسم بالفصل بينهما، وأدى الأمر إلى تمرّد البغدادي، وبالتالي، الصدام بين النصرة وداعش(7).

البيان التأسيسي الأول

في 24 يناير/كانون الثاني 2012 م, أصدر أبو محمد الجولاني بيانا أعلن فيه عن تشكيل “جبهة لنصرة أهل الشام من مجاهدي الشام”. وحدد البيان الهدف من إنشاء الجبهة بالقول إنها جاءت سعيا من مؤسسيها “لإعادة سلطانِ اللهِ إلى أرضِه وأن نثأر للعرضِ المُنتَهَك والدمِ النازِف ونردَّ البسمَةَ للأطفالِ الرُضَّع والنِساءِ الرُّمل”. واستهجن البيان دعوة البعض للاستعانة بقوى غربية للخلاص من نظام حزب البعث الحاكم، واصفا إياها بأنها “دعوة شاذة ضالة وجريمة كُبرى ومُصيبة عُظمى لا يغفِرُها الله ولن يرحم أصحابَها التاريخُ أبدَ الدهر”. وحمل البيان بشدة على الدولة التركية، وعلى مشروع الجامعة العربية الذي حكم عليه بالفشل قبل البدء به. كما هاجم البيان إيران قائلا إنه “لا يخفى على كلِّ عاقلٍ السعيَ الإيرانيَّ الحثيث معَ هذا النظامِ (البعث) منذُ سنين قد خلتْ لزرعِ الصفوية في هذهِ الأرضِ المُباركةِ لاستعادة الإمبراطورية الفارسية، فالشام لإيران هي الرئتان التي يتنفسُ بها مشروعها البائد”(8).

وكان البيان التأسيسي الأول لجبهة النصرة مؤرخ في  24 يناير/ كانون الثاني 2012م، ونشر في 25 مايو/ آيار2012م. لكن، حين سئل أبو محمد الجولاني عن تأسيس الجبهة في المقابلة التي أجراها تيسير علوني معه لقناة الجزيرة، قال إنها تأسست في فبراير/شباط 2012م. و تزامن صدور أول بيان باسم جبهة النصرة في سورية مع تفجير مقر أمن الدولة في كفر سوسة، وفرع المنطقة للأمن العسكري في الجمارك، يوم  ديسمبر/ كانون الأول2011م، ووضع البيان على موقع إلكتروني أنشئ قبل يوم، ثم اختفى. فكان يفترض أن تأسيس الجبهة كان قبل ذلك. ثم أعلنت عن تفجير انتحاري في حي الميدان في 6يناير/كانون الثاني 2012م، وآخر ضد المخابرات الجوية في ساحة التحرير يوم 17فبراير/ شباط 2012م وفي حي السليمانية في حلب في 18مارس/ أذار2012م (9). علما أن جميع تفجيرات جبهة النصرة في دمشق أصابت الأسوار الخارجية فقط لأبنية أجهزة النظام الأمنية, ولكن ضحاياها كاملة كانت من المدنيين.

وأعلنت الولايات المتحدة نهاية عام ٢٠١٢ أن عناصر “الجبهة” قاموا بأكثر من ٦٠٠ هجوم(10) لتصنفها على إثر ذلك “منظمة إرهابية”، وهو قرار أميركي أدانته غالبية المعارضة السورية مما يشير إلى قوة ” النصرة” في ميادين القتال ضد نظام الأسد في العام الأول من تأسيسها.

على ذات المشهد الدرامتيكي العنيف، برزت وتطورت جبهة النصرة في سورية؛ حيث تمكنت من فرض إرادتها وسيطرتها على مناطق واسعة في الشمال السوري وأصبحت قوة عسكرية لا يستهان بها، وأجبرت أغلب فصائل المعارضة المسلحة على اتخاذ وضع الحياد , بينما توسع هينفوذها من يوم لآخر، من خلال سجالات دامية ضد ” فصائل الجيش الحر” في العام 2014م, ثم لاحقا الفصائل الإسلامية كـ” حركة أحرار الشام”, وتكبُّد كلٍّ المتحاربين خسائرَ بشريةٍ ومادية فادحة، لتضع النصرة نفسها بين عهدين؛ عهدٍ كانت فيه فصيل تابع للقاعدة تواجهها قوة الفصائل، وعهدٍ أضحت فيه هي من يسيطر على مجمل المناطق المحررة.

من هو “الجولاني”؟

قد يكون من المفيد أن نتوقف عند الجولاني, الشخصية التي باتت الأكثر أهمية في تاريخ القاعدة، وعلى الرغم من أن مصادر مختلفة نشرت نبذة عنه، فقد بقيت تفاصيل كثيرة غامضة، خصوصا أن كل مصدر يقدم معلومة مختلفة، وسنورد المعلومات المتضاربة عنه.

الجولاني مقاتل ميداني، من أصل سوري, يُكنّى “أبا محمد الجولاني”، قاتل في العراق في الحرب ضدّ الولايات المتحدة وحلفائها، وكان أحد أذرع أبي مصعب الزرقاوي، أمير تنظيم القاعدة في العراق بعد الغزو الأمريكي (آذار 2003). أرسلت القاعدة في العراق أبا محمّد الجولاني إلى سوريا لينشئ فيها جبهة النصرة. وهناك صيغ عديدة لاسمه الحقيقي تناقض إحداها الأخرى، ولكن الثابت أنه لم يكن أوس الموصلي, ولا أسامة العبسي الواحدي، ولا من مواليد بلدة الشحيل، في محافظة دير الزور، بحسب ما سربته المخابرات العراقية، وتحول إلى ما يشبه الحقيقة المؤكدة في أذهان الناس.

إنما تجمع المصادر على أن الجولاني, هو أحمد حسين علي الشرع، ولد أوائل ثمانينيات القرن الماضي، تقديريًا ما بين 1981 و1984،  وفقًا للمعلومات المتداولة، في العاصمة دمشق، وعاش معظم حياته فيها، لكن جذوره من محافظة درعا، وتعود أصول هذه الرواية إلى أنصار “تنظيم الدولة” في أنّ الجولاني درس لمدة سنة واحدة في كلية الإعلام، وتوجّه بعدها إلى العراق ليلتحق بصفوف “دولة العراق الإسلامية”، واعتقل بعد ثلاثة أشهر فقط من دخوله العراق، وأُفرج عنه بعد انطلاق الثورة السورية.

وتطابقت بعض معلومات أنصار تنظيم الدولة مع معلومات الباحث البريطاني، المتابع والمختص بجبهة النصرة، تشارلز ليستر، الذي نقلها عن أربعة مصادر، قائلا إن الجولاني هو: أحمد فاروق الشرع، ومن مواليد عام 1984، في درعا، وعاش حياته في دمشق(10).

ولعل ما أكدته محكمة الجنايات بدمشق للمرة الأولى هي أن اسم الجولاني الحقيقي هو “محمد حسين الشرع(11).

ويصف أحد الإعلاميين نشأة الجولاني, بأنّه: ” واحد من شباب سورية الذين أراد “نظام الأسد” التخلص منهم في محرقة العراق, ونجح وفق الرؤية الإيرانية في جعل سورية ممرا ومركز تجنيد لمقاتلي القاعدة وقياداتها وفيها كان الزرقاوي وأبو الغادية وأبو أنس الصحابة وشاكر العبسي”, ويضيف:” الجولاني, ليس من نازحي الجولان المليون الذين تناسى نظام الأسرة الأسدية قضيتهم, لقب بذلك لأنه كان ممن قاتل الأميركيين في حي الجولان في الفلوجة“(12). وغالباً ما يطلق الأعضاء الذين ينتمون إلى منظمات جهادية عالمية كنى نسبة إلى أماكنهم الأصلية. وفي العام 2006م، خرج الجولاني من العراق إلى لبنان حيث يُعتقد أنه أشرف على تدريب “جند الشام” المرتبط بتنظيم القاعدة. ومن لبنان عاد الجولاني مجددا إلى العراق فاعتقله الأمريكيون وأودعوه “سجن بوكا” الذي كانوا يديرونه جنوبي البلاد، ثم أطلقوا سراحه 2008 تحت اسم ” أوس الموصلي”, فاستأنف نشاطه العسكري مع ما كان يسمى “الدولة الإسلامية في العراق” والتي تأسست في أكتوبر 2006 بقيادة أبو بكر البغدادي، وسرعان ما أصبح رئيسا لعملياتها في محافظة الموصل، وبعد أشهر من اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، عاد الجولاني إلى سوريا في أغسطس 2011 مبعوثا من تنظيم القاعدة لتأسيس فرع له في البلاد يمكّنه من المشاركة في القتال ضد النظام بسوريا.

تبدو سيرة الجولاني متطابقة مع سيرة أميره “البغدادي”, في النشأة, والصعود المفاجيء إلى مناصب كبيرة, وتبادل الثقة إثر تكليف البغدادي للموصلي “الجولاني” بإيجاد موطىءس قدم للتنظيم في سوريا.

ومع التطورات الدراماتيكية بين الأمير ومبعوثه إلى سوريا, أصبح “البغدادي”، “خليفة” لـ”الدولة الإسلامية”، كما سُمّيت، بعد تغيير اسم تنظيمه عدة مرات، كما غيّر “الموصلي” نفسه اسمه عدّة مرات أيضا، آخرها وأشهرها “الفاتح أبو محمد الجولاني”. وفي 16 مايو/أيار/2013 م، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية أبو محمد الجولاني كإرهابي دولي.

الانتساب للنصرة ( الأسباب والدوافع)

تشكلت جبهة النصرة من مجموعة أساسية من أعضاء تنظيم القاعدة في العراق بينهم قادة سوريون, انتقلوا إلى سوريا بعد اندلاع الثورة، وأسسوا معاً جبهة النصرة. وانضم إليها آلاف المتطوعين من السوريين, ومن دول العالم العربي والإسلامي، (وخاصة دول الشرق الأوسط) ، ودول أوروبا الغربية (بشكل رئيسي المملكة المتحدة وفرنسا) ، والدول الإسلامية في آسيا الوسطى (ولا سيما الشيشان) ، ودول أخرى في جميع أنحاء العالم حيث توجد مجتمعات مسلمة.

وتتجلى أهم الأسباب والدوافع بما يلي:

ــ أسباب ايديولوجيا: دفعت بعض المتطوعين للانضمام إلى صفوف جبهة النصرة من المؤمنين بالسلفية الجهادية نتيجة نشاط الدعاة السلفيين في البلدان الإسلامية وحضهم الشباب على الجهاد في المناطق الإسلامية التي تشهد اضطرابات.

ــ أسباب دينية: لعبت الآلة الإعلامية الإيرانية, وتلك التابعة لنظام الأسد دورا مهما في تغذية الصراع المذهبي, تجسدت من خلال تصوير وترويج أفلام على مواقع التواصل، الأول جاء في حماة عندما كتبوا على المنابر جملة “لا اله الا بشار الأسد”، والثاني فيديو مخيم الرمل الشهير الذي ظهر فيه تعذيب شخص واجباره على قول “لا اله الا بشار الأسد”, والثالث فيديو دفن مواطن سوري وهو حي والطلب منه أن يكرر نفس الكلام، ما يعني أن نظام الأسد أرادها طائفية عبر استفزاز السنة ودفعهم نحو التنظيمات الجهادية تزامنا مع إطلاق سراح الجهاديين من السجون استكمالا لاستراتيجيته الطائفية. علاوة على الحرب التي شنها “حزب الله الشيعي اللبناني” ضد المناطق السنية في القصير والقلمون الغربي كانت محرضا كبيرا للجهاديين عندما صورت إيران انتصار حزب الله في الحملة على منطقة القصير, كنصر للشيعة في الحرب ضد السنة. مما أثار ردود أفعال قوية في العالم الإسلامي السني. ودعا رجال الدين السُنة ، بمن فيهم الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ محمد العريفي, ونبيل العوضي, وغيرهم, العالم الإسلامي السني في الذهاب إلى سوريا ومساعدة الجهاديين هناك, غير أنهم لم يعنوا أن ينضم المتطوعون إلى صفوف جبهة النصرة بل إلى فصائل أخرى، خاصة تلك التابعة للإخوان المسلمين مثل ” الدروع” التي تحولت لاحقا لــ” فيلق الشام”. ومع ذلك ، فمن المرجح أن العديد من المتطوعين وجدوا طريقهم في النهاية إلى جبهة النصرة والجماعات السلفية الجهادية الأخرى، لما تتمتع به من قوة ايديولوجية متفوقة جاذبة ومنظمة, وباتت النصرة وحزب الله يصوران الحرب في سوريا على أنها (حرب سنية – شيعية). كما أن استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيماوية ضد المناطق ذات الأغلبية السنية استثمرتها جبهة النصرة في أن السنّة يتعرضون لحملة إبادة يقوم بها “الجيش النصيري” وهذا ما دفع آلاف المتطوعين للانتقال إلى سورية.

ــ أسباب شخصية, تتعلق بالصور القادمة من سوريا, والتي تحكي قصص بطولية ” للجهاديين” هناك, وقد استفادت ” ميديا” جبهة النصرة على هزالتها من إعلام قناة الجزيرة كثيراً خصوصاً عندما كانت تستعرض العمليات الانتحارية ومحاولة تصوير دور بطولي على هذه الأعمال. لذلك فإن شعور المغامرة الطاغي على ذهنية السلفيين يضاف إلى الأسباب الأخرى للتطوع في صفوف النصرة.

النصرة, من القاعدة إلى جبهة فتح الشام “تموز 2016-كانون الثاني 2017”

لقد خرجت جبهة النصرة بخبرة في تغيير بنيتها الأيديولوجية، فالناس تحت وطأة العنف و”الإرهاب الدولي المنظم”، يهتمون إلى جانب الخدمات الأساسية, بأيديولوجية جبهة النصرة. ولذلك، أعلن الجولاني وبحضور قيادات من القاعدة إلغاء جبهة النصرة، وتشكيل كيان جديد بمسمى “جبهة فتح الشام” دون تبعيته “للقاعدة”، التي يتفهم قادتها ضرورات فك الارتباط” بحسب الجولاني الذي أضاف إن فك الارتباط “جاء تلبية لرغبة أهل الشام في درء ذرائع المجتمع الدولي” بحسب تعبيره. وشدد الجولاني على القول إن الجبهة الجديدة “لن تكون لها صلات مع أي أطراف خارجية”. وقد حدد الجولاني عدة أهداف لتشكيل جبهة فتح الشام وهي: “إقامة دين الله وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين كل الناس، والتوحد مع الفصائل لرص صفوف المجاهدين وتحرير أرض الشام والقضاء على النظام وأعوانه، و حماية الجهاد الشامي والاستمرار فيه واعتماد كافة الوسائل الشرعية المعينة على ذلك، والسعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وأحوالهم والتخفيف من معاناتهم بكافة الوسائل الممكنة، وتحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس”(13).

لم يكن إعلان “فتح الشام” شكليا وحسب، وإنما كان إشكاليا كذلك بحسب ما كشف عنه عدد من الشهادات الداخلية لاحقا لبعض الشخصيات المرتبطة بالحدث، فمنذ اللحظة الأولى استقال عدد من أعضاء مجلس شورى التنظيم، على رأسهم “أبو جليبيب” رفيق الجولاني في رحلة التأسيس، و”أبو خديجة الأردني” و”أبو همام الشامي”، مع تعليق الشرعي العام لجبهة فتح الشام “سامي العريدي” لمهماته، والأسوأ هو “غضب” زعيم تنظيم القاعدة “أيمن الظواهري”، الذي أرسل رسالتين منفصلتين أعلن بهما رفض الانفصال موضحا أنه لا يتم إلا بموافقة كل أعضاء مجلس شورى “القاعدة” أو بعد تشكيل “دولة إسلامية”، مع أن نائب الظواهري نفسه، “أبا الخير المصري”، قد أعلن مباركته لما حدث قبل الإعلان بيوم لتوقعه موافقة الظواهري على ما يبدو، بينما فُسّر رفض الأخير على أنه تأثير من بقية أعضاء مجلس شورى القاعدة، خاصة المستقرين في إيران، مثل “سيف العدل” و”أبو محمد المصري”(14)، والذين كانوا يتوقعون أن يتراجع الجولاني، إلا أن الجولاني رفض التراجع وصعّد من خطواته للخطوة الأخيرة حتى الآن من رحلته، وهي خطوة أعاد بها على ما يبدو استنساخ أكبر قوة ” جهادية” عسكرية في الشرق الأوسط.

يقول محللون إن جبهة النصرة قررت إعادة تسويق نفسها بعدما صعدت الولايات المتحدة وروسيا جهودهما العسكرية ضدها وضد تنظيم “الدولة الاسلامية”. وأراد الجولاني من خلال التشكيل الجديد إدارة العلاقة المتوترة مع المجتمع الدولي، وذلك بإعلانه عن كيان مستقل عن “القاعدة” وأكثر محلية، فضلاً عن سعيه لترميم موقف الحاضنة الشعبية تجاه مشروعه الجهادي، والتي تضررت بحكم تصاعد استهداف مناطق قوى المعارضة بحجة تواجد النصرة ذات الارتباط القاعدي، ونتيجة لمنهجها في التغلب ولتدخلها الفج في شؤون السكان المحليين(15).

لم تعمر “جبهة فتح الشام” كثيراً، ليتم تجاوزها لصالح بنية حركية أطلق عليها مسمى “هيئة تحرير الشام” مطلع 2017، بما يظهر حجم وتسارع الضغوط الداخلية والخارجية، التي تعرضت لها قيادات “جبهة فتح الشام”، ومحاولاتهم الحثيثة لإيجاد مخرج حركي جديد.

هيئة تحرير الشام “كانون الثاني 2017”

تشكلت “هيئة تحرير الشام” إثر اندماج عدد من الفصائل العاملة في الشمال السوري نهاية كانون الثاني 2017، في مقدمتهم: حركة نور الدين الزنكي، “جبهة فتح الشام”، جبهة أنصار الدين، جيش المهاجرين والأنصار، لواء الحق، كما انضم للتشكيل الجديد عدد من شيوخ ودعاة “السلفية الجهادية” كــ: عبد الرزاق المهدي، وأبو الحارث المصري، وأبو يوسف الحموي، وعبد الله المحيسني، وأبو الطاهر الحموي, ومصلح العلياني (16).

تكثفت اللقاءات السياسية لقوى الثورة مع التراجع الميداني منذ اتفاقية الخروج من حلب 13ديسمبر/كانون الأول 2016م, ثم اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار30 ديسمبر/كانون الأول 2016م,  ثم مؤتمر الأستانة (23يناير/ كانون الثاني2017م، مع تكرار الحديث عن حرب الإرهاب وعدم رفع هذا التصنيف عن جبهة فتح الشام، ولذلك كان لجوء الجولاني إلى حملته الأخيرة ضد فصائل ثورية رئيسية في الشمال السوري24يناير/ كانون الثاني2017م, كرهان انتقامي يفرض به سلطته كأمر واقع بالنسبة للدول أو الفصائل الثورية المحلية، وليعلن حلّ جبهة فتح الشام وتشكيل “هيئة تحرير الشام” 28يوليو/تموز2017, كاندماج ما بين جبهة فتح الشام وحركة الزنكي ومجموعات أصغر، ولكن ضمن شعار التوحّد ودعوة الجميع للانضمام إليه مستهدفاً عناصر وقيادات أحرار الشام بشكل رئيس.

وبالتوازي مع التشدد الميداني تجاه الفصائل المحلية أبدت تحرير الشام مرونة سريعة في الخطاب الإعلامي، وقبولاً مشروطاً بالعملية السياسية والتفاوضية، وتركيزاً على الشعارات التي تنتمي للخطاب الثوري المحلي الذي كانت تحاربه سابقاً وتتهمه بـ “العلمانية” أو “التمييع”، وأدرجت قتالها ضد ” لواء الأقصى” ضمن محاربة “الغلو” و”الخوارج” في محاولة لتأكيد الاعتدال، وتبدي هيئة تحرير الشام مع الوقت مرونة أكبر لإنقاذ مشروعها من العزلة الشعبية أو الخارجية، ولكن مع قابلية لتجدد الصدام العنيف أيضاً، وهو الذي لم يتوقف(17). فضلاً عن استخدامها للشعارات التي تنتمي للخطاب الثوري المحلي, أو تراجعها مؤخرا عن ترويجها لشعاراتها الايديولوجية,  مما كان يعني انفصالا عمليا وكاملا عن القاعدة، اتفق على وصفه بذلك كل من “عطون”، شرعي جبهة فتح الشام، و”العريدي”، الشرعي السابق لها والذي أعلن انشقاقه عنها لحظة الإعلان، فتصاعد الخلاف بعد ذلك وبلغ ذروته بحملة أمنية شنتها “الهيئة” فجر 29 نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٧ اعتقلت بها “العريدي” نفسه إلى جانب عدد من قيادات القاعدة الكبار في سوريا، أبرزهم “أبو جليبيب” ونائب الظواهري “أبو القسام السوري”، مبررة الحملة بأن هذه الشخصيات “كانت تسعى لتقويض كيان الهيئة ونشر الفتن والإشاعات” حسبما قالت، ومثيرة موجة من الانتقادات والاختلال داخلها، وفي الوسط الجهادي عامّة، وهي موجة دفعت الظواهري في مساء اليوم نفسه لإصدار كلمة صوتية مطولة هاجم بها الهيئة، وفك الارتباط من ناحيته تماما بإعلانه وجود فرع للقاعدة في سوريا، دون مزيد من التفاصيل(18).

 

 

تظهر في الصورة الشعارات التي كان بعضها يحض على الجهاد للرجال وارتداء الحجاب للنساء، اختفت وراء لون جديد يفسره ناشطون بأنه تمهيد لظهور وجه جديد لـ”هيئة تحرير الشام” بمساع تركية لإعادة تأهيل التشكيل الجهادي الذي بدل اسمه 3 مرات، أولها عندما أعلن انفصاله عن تنظيم “القاعدة”، واستبدل اسم “جبهة النصرة” بـ”جبهة فتح الشام” قبل أن يغير إلى “هيئة تحرير الشام”، بعد توسيعها وضم تشكيلات أخرى إلى جانبه(19).

الهيكل التنظيمي لـ “هيئة تحرير الشام”  جبهة النصرة سابقا

يقف على رأس هيكل ” هيئة تحرير الشام” ( أمير) كما هو الحال في كل البنى التنظيمية للحركات الجهادية, وما يزال الجولاني الأمير العام للتنظيم الذي تعددت أسماؤه منذ النشأة وحتى اليوم, ولكل منطقة من مناطق نفوذ “النصرة”, قائد عسكري يطلق عليه أيضا لقب ” أمير”, وكل أولئك الأمراء, يبايعون الأمير العام على السمع والطاعة, وتنفرد محافظة ادلب بوجود والٍ عام يقف على رأس الهرم الإداري, ووالٍ خاص مسؤول عن قطاع البادية, وكلاهما مستقل عن الآخر في الاختصاص(20).

وتشير منشورات جبهة النصرة إلى أن هيئتها الإدارية تسمى “مجلس شورى المجاهدين” أو مجلس الشورى, وهم مجموعة من الأمراء, يتوزعون المهام الإدارية ضمن مكاتب مختصة ( المكتب العسكري والاقتصادي والأمني والشرعي والعلاقات العامة). واستحدثت ” جبهة النصرة ” تقسيمات عسكرية بخلاف التقسيم العسكري التقليدي المعروف لدى الجيوش, وفق ما يلي:

أولا- المجموعات: وتسمى كذلك المضافات, تتألف من ( 20- 40) شخصًا، بقيادة أمير عسكري, يبايعه عناصر المجموعة على السمع والطاعة وتنفيذ المهام الموكلة للعنصر دون اعتراض(21).

ثانيا- السرايا: تضم عدة مجموعات, ويتراوح عدد عناصر كل سرية بين (100- 250) يقودها أمير عسكري, يبايعه أمراء المجموعات, ويملك هامش من الاستقلالية في اتخاذ القرارات العسكرية في مجال نفوذه دون الرجوع إلى القيادة الأعلى, كـ” محاسبة العناصر أو أمراء المجموعات في حال المخالفة”.

ثالثا: القواطع: قسمت النصرة مناطق نفوذها إلى قطاعات, ولكل قاطع أمير يشرف على العمل العسكري والدعوي والإغاثي والقضائي, ويتمتع أمير القاطع بسلطات واسعة ضمن قاطعه, ومنها قاطع ادلب وحماة وحلب والساحل والحدود وباقي المناطق الخاضعة لسيطرتهم ويرأس كل قاطع أمير, وغالبيتهم من الجنسيات العربية حتى العام  2016م حيث بات أغلب أمراء القواطع من الجنسية السورية(22).

رابعا- مجلس شورى المجاهدين: ازداد عدد أعضائه من ( 12- 18) تغيرت وجوههم مع التطورات السياسية والعسكرية في بنية التنظيم, وكان من أبرزهم حتى العام 2013م, “الجولاني والظواهري, والبغدادي، و”أبو علي العرا قي وأبو محمد العدناني وأبو مارية القحطاني”، وغيرهم, وبعد انفكاك النصرة عن تنظيم القاعدة بقي “الجولاني وأبو فراس السوري وأبو الفرج الفرغلي وأبو اليقظان المصري وأبو جليبيب الأردني”, وبعد الخلاف بين الجولاني ورموز القاعدة في مجلس الشورى, قتل بعضهم, وأعلن بعضهم الآخر استقالته من المجلس. وبقي من مجلس الشورى الأول ( الجولاني, وأبو ماريا القحطاني, وأبو الفرج الفرغلي)(23).

ـــ” جيش النصرة”, وهو جيش خاص بالمعارك والمؤازرات يُمثل القوة المركزية للجبهة، والجناح العسكري لقيادتها, وهو ورقة اضافية لها في بقية القواطع الواقعة في شمال سوريا، وأحد أهداف تأسيس هذا التشكيل العسكري هو ترسيخ الولاء لقيادة النصرة التي باتت تعاني بعض التصدعات والتباين في التوجهات، خصوصاً فيما يتعلق بقضية فك الإرتباط بتنظيم القاعدة الأم في افغانستان، ودعم قيادات بعض الفصائل كأحرار الشام وفيلق الشام وغيرهما، إضافة إلى أن وجود قوة مركزية ذات جاهزية عالية في شمال سوريا يمنح النصرة نوعاً من الحصانة والمنعة ضد اي محاولة تستهدف وجودهم وتوقيت إنشاء هذا الجيش يشير إلى توجس وحذر لدى قيادة جبهة النصرة من الفترة المقبلة(24).

ــ العصائب الحمراء, مهامها القيام بعمليات خاصة خلف خطوط العدو, وفي أواخر العام 2016 أوكل الجولاني أمر تأسيس وتنظيم وتدريب هذه الوحدة لشركة “بلاك ووتر إسلامية” اسمها “تاكتيكال الملاحم”(25), و”تتميز قوات العصائب الحمراء بالتدريبات العسكرية القاسية والبدنية العالية والتوجيه الشرعي اللازم، كما تنتشر في أغلب المناطق المحررة وتتلقى دعمًا واهتمامًا خاصًا من الهيئة كونها ركيزة أساسية في العمليات العسكرية. وسميت المجموعات باسم “العصائب الحمراء” أسوة بالصحابي الجليل أبي دجانة -رضي الله عنه- والذي عرف بالشجاعة والإقدام وكانت له عصابة حمراء يرتديها تُميّزه في المعارك.

ونفذت العصائب الحمراء العديد من العمليات الموجعة للنظام المجرم، وكان آخرها العملية الانغماسية بقرية الترابيع بريف حماة، والتي قتل فيها 18 جنديًا للنظام المجرم بينهم 4 ضباط، و7 جنود”(26).

التخطيط العسكري: يضع “الجولاني” وأمراء القواطع الخطط العسكرية للمعارك, ضمن ” غرف عمليات عسكرية”, تقع  في الخطوط الخلفية للمعارك, وعادة ما تكون الغرف مشتركة مع باقي الفصائل العسكرية المسلحة مثل تجربة جيش الفتح في معركة ” ادلب”, أو غرف تخص النصرة في المعارك ضد نظام الأسد, أو في المعارك ضد فصائل المعارضة.

ــ الهيئة الشرعية, وهي مؤسسة دينية تشرف على مراقبة سلوك القادة العسكريين وتمسكهم بالشريعة الإسلامية. وإعطاءهم محاضرات شرعية ويترأس المؤسسة الدينية في جبهة النصرة مرجع ديني كبير يسمى (القاضي الشرعي العام). ويعمل إلى جانبه مشرفون شرعيون يخدمون في كل قواطع النصرة, ويقومون بمهام أخرى كغرس الايديولوجية الدينية للناشئة أو المنتمين حديثا للتنظيم. ومن ملحقات الهيكل التنظيمي للنصرة:

المجالس المحلية في منطقة نفوذها بإدلب: أدرجتها تحت اسم “الإدارة المدنية للخدمات” التابعة لها، وبعد سيطرتها على خصمها الكبير “أحرار الشام” وانتزاع بعض معاقلها المهمة، إضافة لسيطرتها على “معبر باب الهوى” الإستراتيجي مع تركيا، وسّعت قدراتها وطموحاتها الإدارية بتشكيل حكومة تابعة لها.

حكومة الانقاذ: أعلن عن تشكيل “حكومة الإنقاذ” في الشمال السوري، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. وهي الجناح السياسي والإداري والمدني الناعم للهيئة, وتشكلت من 11 حقيبة وزارية برئاسة محمد الشيخ حينها، إضافة إلى وزارات الداخلية، العدل، الأوقاف، التعليم العالي، التربية والتعليم، الصحة، الزراعة، الاقتصاد، الشؤون الاجتماعية والمهجرين، الإسكان والإعمار، والإدارة المحلية. وعقب ذلك سلّمت “الإدارة المدنية للخدمات” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” مؤسساتها الخدمية لـ”حكومة الإنقاذ” من مياه وكهرباء ومواصلات وغيرها. وبدأت الحكومة بفرض سيطرتها على المنطقة، ووجهت في 12 ديسمبر/كانون الأول 2017، إنذارًا إلى “الحكومة السورية المؤقتة” يقضي بإمهالها 72 ساعة لإغلاق مكاتبها في محافظة إدلب شمالي سوريا والخروج من المنطقة. وفي العام الماضي شهد توسيع “الإنقاذ” لسيطرتها على مفاصل المنطقة خدميًا وإداريًا، وأحدثت مكاتب زراعية وتعليمية واقتصادية، وبدأت بإقامة مشاريع خدمية داخل مدينة إدلب. وتوجهت الحكومة إلى استلام إدارة المعابر سواء مع تركيا أو مع مناطق النظام بهدف الحصول على موارد مالية، ومنها معبر باب الهوى ومعبري العيس في ريف حلب الجنوبي ومعبر مورك بريف حماة الشمالي, ومع انعقاد المؤتمر السنوي الأول للهيئة التأسيسية، في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2018. أسفر الاجتماع عن تعيين فواز هلال رئيسًا جديدًا لـ”حكومة الإنقاذ” خلفًا لمحمد الشيخ، إضافة إلى دمج وزارة الإسكان وإعادة الإعمار ضمن وزارة الإدارة المحلية والخدمات، ودمج وزارة الزراعة ضمن وزارة الاقتصاد.

وشهدت المنطقة اشتباكات بين هيئة تحرير الشام, والجبهة الوطنية للتحرير، تمكنت “الهيئة” فيها من السيطرة على ريف حلب الغربي ومساحات واسعة في ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب بريف حماة. وكانت “حكومة الإنقاذ” تدخل بشكل فوري للمناطق التي تسيطر “تحرير الشام” عليها لإدارتها خدميًا وتنظيميًا، في مشهد يؤكد وجود تنسيق مسبق لـ”تحرير الشام” في السيطرة على المنطقة ككل لإدارتها عسكريًا ومدنيًا (27). وتشرف “حكومة الانقاذ” على:

– دور القضاء, وهي محاكم مدنية الغاية منها الفصل بين الناس في المنازعات, ملأت الفراغ الذي تركته سلطة نظام الأسد في “المناطق المحررة”, يترأس المحكمة قاضي شرعي وإلى جانبه عدد من المحامين, ألحقت مؤخرا بوازرة العدل التابعة لحكومة الإنقاذ المسنودة من هيئة تحرير الشام, وتوجد في كل منطقة محكمة شرعية.

– الشرطة الإسلامية, وهي قوة تنفيذية مهامها حفظ النظام وتنظيم السير, ومراقبة الطرقات العامة, والإشراف على السجون المدنية, كـ ” سجن إدلب المركزي, وسجن سرمدا, ومراكز التوقيف الكائنة في مباني المحاكم”

أعداد المقاتلين

لا يوجد احصائيات دقيقة لأعداد مقاتلي جبهة النصرة, ولكن هناك مقاربات إحصائية من مصادر مختلفة  أن لديها ما يقارب 10 آلاف مقاتل, حتى كانون ثاني/يناير 2012م, يتوزعون في مناطق الانتشار التالية:

 

 

يشكل المقاتلون العرب ثلثهم بحسب ( أبو محمد الجولاني) القائد العام للنصرة(28) قدموا من مختلف الدول العربية بين عامي (2012- 2013م), ووفقا لتقدير مؤسسة كويليام البريطانية(29) ، كان لدى ” النصرة”  حوالي 5000 عامل في أواخر عام 2012م, فيما تقديرات الجيش السوري الحر لأعداد عناصر جبهة النصرة يتراوح بين (6000 – 10000), وذلك بحسب تقرير في صحيفة (واشنطن بوست ، 30 نوفمبر / تشرين الثاني 2012). أعده الجيش السوري الحر وتم تسليمه إلى وزارة الخارجية الأمريكية(30).

هذه التقديرات, لا تأخذ بالاعتبار الانقسام الذي حدث في جبهة النصرة, ولا في تحولها لهيئة تحرير الشام. إذ تضم هيئة تحرير الشام في صفوفها حالياً نحو 25 ألف مقاتل، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، ويوضح الباحث في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر أن “حوالي 20٪ من عديد مقاتليها من الأجانب”، ويتحدر هؤلاء بشكل أساسي من الأردن والسعودية وتونس ومصر، فضلاً عن دول في جنوب آسيا(31).

 

الرسم البياني 1: الهيكل التنظيمي لجبهة النصرة

تطور البناء الهيكلي لهيئة تحرير الشام النصرة سابقا

أما بخصوص هيكلية الهيئة، فيلحظ ومن خلال مقاطعة عدة مصادر من المعلومات، تمتعها بهيكلية إدارية تتوزع على عدد من الأقسام الرئيسية التي تغطي الجوانب التالية: العسكري، الأمني، الخدمي، الشرعي، القضائي، الإعلامي، الاقتصادي وكذلك السياسي، علماً أن لكل قسم مما سبق بنية وهيكلية تنظم عمله، مع ارتباطها جميعاً بمجلس الشورى كما يظهر ذلك الشكل التالي:

 

الرسم البياني 2: الهيكل التنظيمي لهيئة تحرير الشام

يلحظ من استعراض هيكلية هيئة تحرير الشام شموليتها وارتباطها بقيادة مركزية، بما يوضح مساعي الهيئة لإقامة حكم ذي طابع إسلامي على المدى البعيد، وبما يهدد المجالس المحلية التي تعتبر النواة الرئيسية لإعادة بناء الدولة الوطنية.

مصادر التمويل

اعتمدت جبهة النصرة في بداية تأسيسها على المساعدات المالية من القاعدة في العراق ، قبل أن يعلن البغدادي ولادة تنظيم ” الدولة الإسلامية”, وقبل مبايعة الجولاني “مؤسس جبهة النصرة” زعيم تنظيم القاعدة “الظواهري”, وباتت النصرة تتلقى مساعدات مالية كبيرة من التنظيم الجهادي الدولي, ومن الجمعيات الخيرية السلفية الجهادية، ورجال الدين السلفيين، ومؤيدي القاعدة الأثرياء في الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية, وحتى مصر, وبعدما قويت شوكتها في سوريا, بدأت تعتمد في تمويلها على الغنائم؛ وكانت تشترط قبل المشاركة في أية معركة مع فصائل المعارضة الأخرى على أن تكون “حصة الأسد” نصيبها من الغنائم. لقد حصل ذلك أثناء مهاجمة القواعد العسكريّة كافة في الشمال السوريّ، مثل قاعدة الشيخ سليمان والفوج 46 ومستودعات خان طومان وغيرها، ما جعلها الفصيل العسكري الوحيد في سورية الذي لا يشكو شحَّ الذخيرة, إضافة إلى ذلك، وضعت الجبهة يدها على صوامع الحبوب في حلب، وتولت حماية المصانع فيها، فحصلت من التجار الخائفين على مصانعهم من السرقة والنهب على مقابل مادي كبير، كما سيطرت على عدة آبار للنفط في المنطقة الشرقية واستخدمتها في تمويل نشاطاتها. وأقامت مشاريع خدمية مثل مشروع “باصات النقل العام” في حلب وريفها والتي عادت على الجبهة بمردود مالي كبير(32).

وأمّا “هيئة تحرير الشام, النصرة سابقا” , فيمكن تقسيم مصادر تمويلها إلى عدة أفرع منها “عسكري ومالي وإغاثي”، يقوم الأول على مبدأ ابتلاع الفصائل الأخرى محققة هدفين الأول إزالته من منافستها على مقدرات المحرر والسيطرة، وثانيها هو تحويل جميع ما تسيطر عليه من سلاح ومقرات وعتاد ومقدرات للفصيل إلى عهدتها، من شأنه تمكينها عسكرياً وكفايتها على صعيد السلاح والذخيرة، وبدأت بهذا العمل منذ 2014 حيث سيطرت على مقدرات أكثر من 20 فصيلاً أولها جبهة ثوار سوريا وليس بأخرها أحرار الشام(33).

وأبرز موارد تحرير الشام في الوقت الحالي تكمن في:

المعابر الشرعية واللاشرعية: ” باب الهوى, ومورك, والعيس, والغزاوية” وحسب المعلومات التي تقدمها المصادر, فإن عائدات معبر باب الهوى وصلت شهرياً الى أكثر من 4 مليون دولار أمريكي شهريا عن طريق إدخال البضائع من قبل التجار والمواد الإغاثية من قبل المنظمات ناهيك عن حركات العبور والترانزيت عبر المعبر. وبعد افتتاح معبر مدينة مورك على الأوتوستراد الدولي، فرضت هيئة تحرير الشام رسوم وأتاوات على جميع البضائع الداخلة والخارجة ويقدر أقل رسم تفرضه على كل سيارة 100 دولار، ليصل إجمالي دخل المعبر اليومي على أقل تقدير من 20000-25000 دولار يومياً, وأما المعابر غير الشرعية, فإنها تفرض سيطرتها من خلال قاطع الحدود على جميع منافذ التهريب إلى تركيا في مناطق حارم وسلقين وخربة الجوز وصولاً لريف اللاذقية، وكذلك منطقة أطمة، حيث تقوم مجموعات تابعة لها بإنشاء مكاتب صغيرة أو خيم تتقاضى مبالغ مالية من الراغبين بالدخول إلى تركيا بطريق غير شرعية، “حيث يتم تقاضي مبلغ يتراوح بين 25-50 دولار عن كل شخص, وكل مهرب يخالف توجيهات مكاتب الهيئة يخضع للمساءلة الأمنية ويعرض نفسه للاعتقال”(34).

شركة وتد للمحروقات: تأسست شركة (وتد للبترول) بداية العام 2018م في إدلب، لتستورد النفط الأوروبي، وهي تابعة لـ “هيئة تحرير الشام”، واستوردت منذ تأسيسها المئات من الشاحنات التي تحوي مادة البنزين الأوكراني، وأدخلته إلى محافظة إدلب، عبر معبر (باب الهوى) الحدودي، وذلك بعد انقطاع مادة البنزين المستورد من مناطق النظام، بمدة زمنية لا تتجاوز سبعة أيّام حينذاك. ولدى (وتد) مراكز لبيع الغاز ومحطات تكرير ومراكز لاستيراد المحروقات الأوروبية، إضافة إلى أسواق بيع الوقود، وقد اعتُمدت من قبل الحكومة التركية لتكون شريكًا في توريد الوقود الأوروبي عن طريق (حكومة الإنقاذ) في محافظة إدلب.

وفي وقت لاحق، قامت شركة (وتد للبترول) بإدخال كميات أخرى من مادة المازوت الأوروبي، وطرحته في الأسواق بأسعار باهظة الثمن، تزامنًا مع انقطاع وصول المازوت من المحافظات الشرقية إلى إدلب، إبّان معركة (درع الفرات)، لتقوم بعد ذلك بشراء كافة شحنات البترول القادمة من المناطق الشرقية إلى محافظة إدلب(35).

الخطف والفدية: تشير مصادر مختلفة إلى أن قيادات من هيئة تحرير الشام تورطت بعمليات خطف ومبادلة مقابل فديات مالية في المناطق المحررة يديرها أمنيون عبر شخصيات فاسدة ولصوص وقطاع طرق، تعتمد على توجيههم للقيام بعمليات خطف لتجار وأصحاب رؤوس أموال ومسؤولي منظمات وصحفيين عالميين وقيادات عسكرية من فصائل شتى، ثم التفاوض للمبادلة مقابل مبالغ مالية ضخمة متفاوتة تتراوح بين 25ألف دولار, حتى المليون دولار للشخص الواحد حسب موقعه ومركزه الاجتماعي والعائلي كما في حالة الصحفي الياباني جومبي ياسودا, بعد أن احتجز لدى “هيئة تحرير الشام” التي كانت تسعى للحصول على فدية قدرها ١٠ ملايين دولار أمريكي، مقابل إطلاق سراحه(36)., دون أي تفاصيل عن حجم الصفقة التي أوصلت للاتفاق وقبول الهيئة الوساطة القطرية. بالإضافة إلى مصادر أخرى كتجارة العقارات, والاستثمارات المالية, و شبكات الانترنت والأجهزة الفضائية, وتجارة الآثار والتنقيب عنها, والأفران والمخابز والطحين.

” تنظيم حراس الدين” المعوق الأكبر في طريق استقرار هيئة تحرير الشام في المنطقة المحررة

يمكن توصيف إمكانية استقرار هيئة تحرير الشام في إدلب والمنطقة المحررة، بـ” الصعب”؛ لوجود عدد كبير من المعوقات، ومع ذلك لا ينبغي الإفراط في هذا التخيل؛ إذ أن تفوق الهيئة عسكريًّا وسياسيًّا، وعوامل أخرى مساعدة، كفيلة بتجاوز أغلب العقبات، ويتضح أن أهم  هذه المعوقات هو ما ظهر على قنوات الفصائل المقربة من “القاعدة” في سوريا من بيان مشترك بعنوان “أنقذوا فسطاط المسلمين” تحت اسم تنظيم جديد هو “حراس الدين”، حراسة شعلة القاعدة(37), والذي جمع تحت لوائه عدة كتائب صغيرة من المقاتلين الأجانب ومقاتلي وشخصيات القاعدة السابقين، أبرزهم “أبو الهمام الشامي” العسكري السابق للنصرة, والذي يقال إنه أمير التنظيم، برفقة “أبي جليبيب” الذي قتل في درعا بظروف غامضة(38), و”أبو خديجة الأردني” و”سامي العريدي” و”أبو القسام خالد العاروري”، نائب أبي مصعب الزرقاوي الذي كان معتقلا في إيران، وانضم إليهم مؤخرا أبو اليقظان المصري, الشرعي العسكري في تحرير الشام سابقا. ليصبح هناك تنظيمان مختلفان تماما، بانفصال يشابه الانفصال بين “النصرة” و”تنظيم الدولة”، بعد المسعى الجديد الذي اتخذه الجولاني و”هيئة تحرير الشام”، وهذا التشكيل الجديد يبرز كعقبة أمام ضمان استقرار الهيئة في مناطق نفوذها, ويرفض الانصياع لقرارات الهيئة, مما ترتب عليه انتشار الفوضى الأمنية وتمدد آثارها لتمس أمن وسلامة قادة الهيئة وعناصرها، مثلما أدّت سلسلة من الاغتيالات الغامضة إلى استفحال التشنجات مؤخراً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية وهيئة تحرير الشام. وقد ألقى عدد كبير من الأشخاص باللائمة على الخلايا النائمة التابعة لحراس الدين. وقد استهدفت الاغتيالات كوادر ومقاتلين في هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني, كان آخر تلك الاغتيالات, الإعدام الميداني الذي نفذه  حراس الدين ضد القائد العسكري في تحرير الشام, أبو إبراهيم العسكري(39). كما هاجم تنظيم حراس الدين، مواقع تابعة لنظام الأسد في محافظتي حلب واللاذقية، ما تسبّب بإطلاق عملية قصف جوي في منطقة جسر الشغور التي كانت هادئة لوقت قريب نتيجة التفاهم الروسي- التركي.

خلاصة

سيناريوهات مستقبل”هيئة تحرير الشام”

في ضوء المحددات السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هيئة تحرير الشام يُرجِّح السيناريو الأول أن يُبقي التحالف الروسي – التركي على محافظة ادلب تحت سيطرة ” تحرير الشام”، لفترة محدودة تقتضيها خطة معينة لم يتبلور شكلها بعد, لإخضاع المنطقة والسيطرة عليها, نتيجة موانع وعوائق متعددة, إذ تبرز التداعيات الإنسانية كأهم المعوقات التي تؤجل المعركة، بعد الإثارة الإعلامية الأوربية الكبيرة لهذه المسألة المتعلقة بحركة اللجوء في حال قيام روسيا بشن حرب عدوانية ضد المدنيين, فهناك من يرى أن اقتحام مدينة ادلب ومحيطها المحرر، قد ينتج عنه عواقب وخيمة على السكان؛ لوقوعها في مركز ذي كثافة سكانية عالية، كما قد تشهد المنطقة نزوحًا سكانيًّا كبيرًا باتجاه تركيا ومن ثم إلى أوربا, وكذلك يشجع طرفي الحرب على المضي في المواجهة المسلحة؛ مما يزيد الوضع سوءًا. لذلك، خرج بيان سوتشي الأخير الذي جمع قادة روسيا وتركيا وإيران, بالعدول عن خيار الحسم العسكري لإخضاع المناطق الواقعة تحت نفوذ ” الهيئة”.

ويتوقع الثاني، أن الخطر الأكبر الذي يهدد ” تحرير الشام” يحمل بعدا ايديولوجيا, يتمثل بالتنظيم الوليد ” حراس الدين” المنبثق عن تنظيم القاعدة الأم, الذي يشكل نواته الصلبة فلول “جند الأقصى” ويتزعمه القيادة العسكرية والشرعية المؤسسة في “جبهة النصرة”. إذ  لهم تجارب كبيرة في التنظيم المتماهي مع التيار الجهادي العالمي, فيما يتعثر ” الجولاني” في ايجاد ركائز متينة لمشروعه في دمج كافة الفصائل في المنطقة المحررة تحت مظلة واحدة. وإن لم يتخذ تدابير استراتيجية سيواجه معضلة تفكيك بنية تنظيمه لصالح ” أخوته” في المنهج سابقا.

ويميل السيناريو الثالث إلى إمكانية البدء بتنفيذ مشروع تنظيم المنطقة المحررة بجيش موحد يضم جميع الفصائل في غرفة عمليات واحدة بقيادة فيلق الشام، ودعم حكومة الإنقاذ، اقترانا بتطبيق اتفاق إدلب، ومنها إعادة فتح الطرق الدولية, وهو الحل الأكثر واقعية في الوقت الراهن في حال التوافق الروسي التركي سياسيا على إدارة المنطقة المحررة.

  • Social Links:

Leave a Reply