المفاوضات السورية- مانيا الخطيب

المفاوضات السورية- مانيا الخطيب

لم يتوفر لدى الثوار السوريين منذ بداية الثورة حلفاء حقيقيين، بل إن من تواصل معهم على المستويات السياسية والعسكرية، كان غرضه أن يشتري ولاءات سورية تمكنه من التدخل ولو جزئياً في سير الأحداث بالطريقة التي تناسب دولته. وقد تمكنت دول الخليج وتركيا من الغوص في الأجسام السياسية السورية المختلفة بما فيها من يتعارض فكره وانتماؤه السياسي كلياً مع تلك الدول، وهكذا فقد نجح فيما يسمى “الداعمون” بإيجاد أذرع سورية داخل أروقة صنع القرار السوري، الذي عرقل بسبب السوريين أنفسهم بناء أجندة سورية وطنية جامعة تكفل بشكل حتمي، إجبار جميع الأطراف المتنازعة على سورية على الرضوخ للحل السياسي وفق معايير سورية وحسب ما يتناسب إلى حد بعيد مع المبادئ التي حركت قيام الثورة السورية، والتي دفع فيها الشعب السوري دماءً كثيرة وعذابات لا حصر لها وما يزال خيرة شباب سورية يقبع في معتقلات الطغمة المجرمة حتى يومنا هذا.
أما على صعيد ما يسمى المجتمع الدولي فجميعنا يعلم أن الحال ليس أفضل، ليست أمريكا كقوى عظمى مهتمة بالملف السوري، ولا أوروبا من خلفها معنية حقاً بهذا الأمر.
أما طغمة الحكم التي لا تزال حتى لو شكلياً في سدة الحكم، فلديها حلفاء حقيقيون، الروس والإيرانيون الذين شاركوا معها في حرب الإبادة على الشعب السوري، وهي لا تزال تمسك بالكثير من مفاتيح البلد، مثل العسكر، والمخابرات، وأجهزة الدولة، ومجلس الشعب، والسفارات حول العالم، والمعابر الحدودية، البرية والبحرية والجوية، ولديها ممثل في الأمم المتحدة، ولا يزال العلم الذي يمثلها هو المعتمد رسمياً في المحافل الدولية، ولديها أجهزتها الإعلامية الرسمية وأجهزة حليفة ليس أقلها هيئة الإذاعة البريطانية التي يقرأ المستمع بين سطورها أن الحصانة لم ترتفع حتى اليوم عن نظام الأسد المجرم من المطبخ السياسي العالمي.
بعد سقوط حلب بيد النظام في كانون الأول 2016 الذي يعد أهم مفصل في الثورة السورية، وقفنا أمام خيارات في الوقت الحاضر، أحلاها مر، فماذا نحن فاعلون؟
يقول قائل، أن على ما يسمى “لجنة المفاوضات” أن تحل نفسها وأن يذهب كل إلى بيته، وهكذا فهي تقطع الطريق على المتحكمين بها من الدول الإقليمية الخليج وتركيا، كما أنها تضع المجتمع الدولي في مأزق، وهو فقدانه لأحد أدوات إدارة الأزمة التي أحد أهم ركائزها إطالة أمد الصراع، وخصوصاً أنه لا يتوفر توافق سوري سوري، فالجالسون على طاولة المفاوضات لا يمتلكون نفس الرؤيا عن الحل السياسي في سورية، على سبيل المثال القبول بفترة انتقالية يكون لبشار الأسد دور فيها حتى لو كان منزوع الصلاحيات، كما أن هناك نقاط خلافية لا يتسع المجال لذكرها، وعلى الطرف المقابل يجلس ممثلو النظام الذين لم يأتوا حتماً حتى يتفاوضوا على زوالهم، كما هو ينادي به أهم مطلب من مطالب ثورة الكرامة في سورية، فنحن هنا على طاولة مفاوضات يجلس على أحد أطرافها ممثلون عن مجرمي حرب، لا زالوا يتحفظون على سبيل المثال على أهم ملف في الثورة السورية وهو ملف المعتقلين.
وفي المقابل يقول آخر، أننا في ظل عدم وجود بدائل، يجب علينا أن لا نترك الساحة فارغة إلى أن تتغير الظروف الدولية وتتوافق الدول الكبرى على حل مشترك يضمن مصالحها، وأننا نحن السوريون اليوم عبارة عن كرة تتقاذفها المصالح الدولية، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأنه يجب أن نعمل على سياسة الشد والرخي حسب الظروف السياسية، وأن من يعمل في السياسة عليه أن يتعامل مع المتغيرات والظروف المحيطة بعمله.
المفاوضات الحقيقية حتى اليوم لم تحدث، وإنما كل ما حدث حتى اليوم هو جلسات تحضيرية لا حصر لها من أجل الدخول في المفاوضات، وهي لعبة سياسية لا نهاية لها، وتفيد الجميع ما عدا السوريون أنفسهم، إلا ثلة قليلة من ارتضت لنفسها أن تدخل في المعترك السياسي الدولي وهي مرتهنة وغير متوافقة فيما بينها، وعدم التوافق هذا يجعل أوراقها التفاوضية شديدة الضعف والتفكك، ولهذا فهي لن تصل إلى تحقيق أي نتيجة تذكر، وأن المستفيد الأساسي من مثل هذه اللجنة المفككة الضعيفة غير المتوافقة فيما بينها هو نظام الأسد، الذي يجلس على طاولة المفاوضات وهو يعرف بشكل ممتاز ما يريد، وما يريده هو البقاء بأي شكل وبأي طريقة إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين كابوساً مسلطاً على رقاب العباد والبلاد، حتى لو لن يتمكن بعد اليوم بأي حال من الأحوال أن يحكم سورية بنفس الطريقة التي حكمها نظام الأسد الأب، إلا أن مجرد بقاءه على سدة الحكم حتى لو رضي ببعض التغييرات الشكلية السياسية ومنها حكومة مشتركة مع ما يسميها “المعارضة” سيتم حتماً تسليمها حقائب وزارية غير سيادية، وستبقى الحقائب الأساسية من دفاع، وخارجية ومالية وغيرها في يد النظام، وهو لا يمانع كثيراً في ذلك، إذا كان هذا الحل الترقيعي يضمن له مزيداً من الأبدية التي هي العامود الفقري لوجوده. وربما يوافق ضمن تكتيكاته ومستفيداً من ظروف السوريين المزرية على إجراءات انتخابات رئاسية، تحاول إعادة شرعنة طغمة الحكم، وهو حل خطير للغاية، يكبل أيادي السوريين إلى أمد ليس قصيراً، ويساهم في سفك المزيد من الدماء.
ما هو الحل إذاً؟ هل يحتاج أهل الثورة السورية حقاً إلى حلفاء؟ هل يتمكن المجتمع الدولي من إرساء الحل السياسي في سورية بدون السوريين؟ هل كان بإمكان روسيا التي تظهر نفسها على أنها صاحبة الأمر والنهي في سورية أن تتوصل إلى حل شامل في سورية؟ هل الفيتو الذي ستستخدمه إلى ما لا نهاية سوف يصيب الملف السوري بشلل أبدي؟ هل لجنة التفاوض الحالية التي هي خليط من الولاءات إلى غير ما هو سوري هي التي ستقود سورية إلى بر الأمان؟ ما الذي علينا بالضبط أن نفعله حتى نخرج من هذا النفق الطويل؟
الجواب على هذه الأسئلة يتلخص بما يلي:
تكمن نقاط القوة الحاسمة في الثورة السورية في أنها جذرية، وأنها قدمت ثمن باهظ جدا حتى الآن، كما أنها حقيقة دامغة لها استحقاقات لا يمكن تجنبها مهما فعل جميع من يريد إجهاضها ودفنها، فهي ثورة صنعت زلزال حقيقي في العالم، وصلت تداعياته تقريباً إلى جميع بلدان العالم ومنها أزمة اللجوء الأخيرة مثلاً.
إن من يتسلح بعدالة هذه الثورة، وبالكرامة التي يريد السوريون استرجاعها من براثن نظام الإذلال والقهر، لا يمكن لأي أحد أن ينتصر عليه.
الكثير من الكوادر السورية الوطنية المخلصة لم تقل كلمتها بعد، وحتى تقول كلمتها يجب أن يكون لديها جسم سياسي متماسك ولا يتدخل أحد بصناعته، بل أن يتشكل وفق إرادة سورية بحتة، وأن يكون له مرجعية قانونية وأن يكون مسجل رسمياً في أي مكان يمكن أن يُسجل فيه على سبيل المثال في أحد الدول الأوروبية التي قدمت إليها مؤخراً أفواج كبيرة من المهاجرين السوريين من أهل الثورة، وقد مرت بضع سنوات قبل أن يلتقطوا أنفاسهم في البلدان التي قدموا إليها.
بعد الغربلة والفرز الدقيق الذي تكفلت به الثورة السورية، وبعد عشرات بل مئات المحاولات التنظيمية الهشة، التي تبين لاحقاً أن فلان أو علان من أصحاب الأسماء الكبيرة يريدون أن يحجزوا مقاعد لهم في هذا المجلس أو ذاك الإئتلاف، أو تلك اللجنة التفاوضية
إذا شكل السوريون مثل هذا الجسم السياسي السوري، وكان المشاركون فيه من غير الأحزاب التقليدية الإيديولوجية المهترئة، بل أن فيه سوريون من أصحاب الكفاءات والتكنوقراط، وأن يكون لديه قوة تنظيمية من حيث تقسيم العمل فيه بشكل دقيق، وأن يكون جهازه المالي مستقل ويؤسس لصندوق وطني سوري، يشارك فيه الرأسمال السوري من جميع أنحاء العالم، ويشرف عليه مجموعة من الثقاة بشكل مؤسساتي دقيق وشفاف، وأن يعمل وفق طرق عصرية أكاديمية.
ثم يبدأ بالتواصل مع جميع القوى التي من شأنها أن تشكل فيما بينها أجندة سورية مشتركة لا تتدخل فيه منصة أو لجنة تابعة لأي دولة، وهذا أصبح سهل كما سبق وقلت بسبب الفرز العسير الذي كان ثمنه دماء كثيرة.
المسألة ببساطة شديدة بحاجة إلى الإخلاص، والدقة في العمل، والثقة بالكفاءات السورية، والعمل الجماعي، والتخلص من الأنانية والتخوين، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.
لقد سال الكثير من لعاب السوريين المسحوقين والمهمشين عندما رأوا أنفسهم في محافل دولية كبيرة، ويقابلون الرؤساء والسياسيين والسفراء، وأعمى عيونهم لبرهة هذا المجد المؤقت الزائل، فلن ينفع السوريين لا البيت الأبيض ولا الاتحاد الأوروبي ولا صياغة خطاب يرضي هذا أو ذاك، إننا لم نطلب إلا الحرية والعدالة والكرامة وحياة أفضل للأجيال القادمة تسود فيها قيم المواطنة، ويتساوى الجميع أمام القانون، وتتوزع ثروات البلاد على أهلها بشكل عادل، وهذه مطالب حق، وإذا تفوهنا بها فلن نزعج أحداً، ونحن لسنا بحاجة أن نتملق أحداً حتى يُعجَب بنا. كأن نبدأ على سبيل المثال بالانجرار إلى أمور هي نتائج عن الصراع وليست جذره مثل التطرف على سبيل المثال، فمن ذاك الذي يريد أن يتطرف إذا كان يعيش في دولة تحفظ له حقوقه، وتحميه من القهر واليأس الذي سوف يرمي به حتماً في أحضان التطرف؟
لا شك بأن العمل صعب وشائك، ولكنه استحقاق حتمي، ولا مفر منه، فنحن في ثورة سوف تساهم في تغيير العالم.
مانيا الخطيب
هلسنكي
16.3.2018

  • Social Links:

Leave a Reply