الفيدرالية جزءٌ من حلٍ سياسي؟ أم إجهاضٌ له؟_ صريح البني

الفيدرالية جزءٌ من حلٍ سياسي؟ أم إجهاضٌ له؟_ صريح البني

ماذا يقول التاريخ والجغرافيا السوريان؟
عندما تكون مساحّا أو جيولوجياً، لا يبقى الوطن، بالنسبة إليك، رابطة معنويةً رمزية أو مجرد هوية، بل علاقة ماديّة حيّة ملموسة ومعاشة، علاقة حواريومي مع الأرض، تضاريسها وأخاديدها وألوانها، والأهم: حوار مع الذين يعيشون فوقها. أن تعمل خمسين عاماً، وأنت تقيس الأرض وتنقبّ فيها، يعني أنه ليس هناك بلدة أو قرية، في أقاصي الجهات السورية الأربع، لم تعمل فيها وتتعرف على ناسِها ولك معهم ذكريات مغروسة في القلب.
ولكن إحدى الصور الواضحة التفصيلية، في دماغي، للجغرافيا السورية التي اشتركتُ، طوال عمري المهني، في تغطيتها بخرائط هندسية طوبوغرافية، ذات مقاييس كبيرة، هي تلك التي تتلاصق فيها القرى الكردية والآشورية والعربية وغيرها، في منطقة الجزيرة، بحيث أعجزُ، كمساحٍ قديم، عن اقتراح نقاطَ الحدود الفاصلة( على الخرائط أو تثبيتها، على الأرض) بين الاقاليم “الفيدرالية” في مناطقنا الشمالية، المعنيّة، على الأغلب، بما يجري تداوله، في الفترة الأخيرة.
في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية:
بيد أنني أدرك أن الأصعب، من الجانب التقاني، هو تلك الجوانب الوطنية والانسانية، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وسكانياً وأخلاقياً، التي يمكن أن تترتب، واقعياً، على ما وراء الدعوة الفيدرالية، الآن. ذلك أن إعادة النظر بشكل الدولة وأسلوب إدارتها، أمر ممكن وضروري، عندما يأتي، في سياق تطورٍ طبيعي، يحتاجه السوريون، موضوعياً، وليس نتاجاً لحربٍ أو لأزمة. عندها، يكون مطلوباً إعادة النظر بتجربة الإدارة المحلية، بحيث نخفّف، في صيغها المنشودة، من دور الإدارة الحكومية المركزية، شريطة أن لا تنمو، بديلاً لها: تأثيرات البنى الاجتماعية المتأخرة، في مناطق سورية عديدة. سنرحب عندها، على سبيل المثال، بأن يكون لجميع السوريات، دستورياً، تلك الحقوق التي نالتها المرأة الكردية، بما في ذلك، حق/ واجب أن تتصدى بتلك البسالة للجحافل الداعشية.
أسأل أصدقائي الكثر، من كرد عفرين والجزيرة ودمشق، لأطمئن: هل يريدون أن تتحول سورية إلى دولةٍ فدرالية؟ أسمع، دائما، جواباً بالنفي. يقول البعض إنهم يريدون حقوقاً ثقافية، يمكن أن تُجسِّدها صيغة دستورية، توفر للكرد شروط المواطنة، شأن السوريين جميعاً، ويكون لهم أفضلية العمل في مشاريع الدولة، لكي لا ينزحوا إلى دمشق وغيرها، بحثاً عن عمل، وأن تحصل الجزيرة على نصيبٍ وافٍ من ميزانية الدولة، يعادل ما تشارك في صنعه من الدخل الوطني، وهو كبيرٌ. فعدا الثروة النفطية، هناك مشروع الريّ الأكبر القادم، من مياه دجلة، لعله يكون تأسيساً مادياً لعلاقة مواطنية واعية، في جزيرة، ما بعد الأزمة.
ولكن، ربما يكون لدى بعض مواطنينا الكرد، ما يتجاوز تلك المطالب العاقلة المشروعة، ذهاباً نحو الفيدرالية، وأبعد منها؟
هل المقصود صيغة شبيهة بما يمثله إقليم كردستان العراق؟ أم أشمل: سايكس بيكو جديد، كما يقترح أحد قادة الإقليم؟ وهو يعدّ العربَ( هكذا بالجملة..) مسؤولين عن معاناة الأكراد؟ هل التاريخ السوري المديد ( والعراقي أيضاً)، عبر آلاف السنين، هو تاريخُ صراع عربي كردي؟
ما يجري تنفيذه على الأرض، هو: إلغاء التدريس باللغة العربية، ضمن مناهج الصفوف الأولى في المدارس الابتدائية؟ بل حتى البدء بتشكيل منظمات مهنية خاصة بالكرد؟
هل تنتمي الحقوق القومية للكرد السوريين إلى ما جرى تصنيفه، ضمن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك: الانفصال؟ ما علاقة تلك الحقوق ببقاء الدولة السورية؟ ما علاقتها بالحقوق القومية للعرب وسواهم من السوريين؟

لم يُنتج سايكس بيكو حلاً للمسالة القومية العربية، وما كان له أن يفعل، فهو أسّس دولاً ذات تكوين مختلط، قومياً ودينياً. كانت فترةَ انتدابٍ استعماريٍ مُعلن وموافق عليه دوليا. لعلّ أحد دلائل نضجنا الوطني هو الانطلاق من فشل الفرنسيين في تقسيم أوسع للدولة السورية المنتدَبة، ثم فشلهم في البقاء فيها. أما سايكس بيكو عام 1916، فهو، بكل سلبياته الجليّة، أنتج، لأول مرة، دولة مستقلّة تحمل إسم سورية، منذ فترة سرجون الآكادي، قبل ما يقرب من 2400 عاماً. لعلنا نفطن، أخيراً، إلى أن هذه الدولة هي بشكلها القائم، ما ينبغي الحفاظ عليه وحمايته وعدم القبول بأن تكون مجرد منطقة نفوذ أو أمن لدول قريبة أو بعيدة، أو أن تكون دولة مؤقتة عابرة إلى مشاريع دولٍ قومية أو دينية، تعيدها إلى ما قبل الاستقلال.
لقد انصهرت الحقوق القومية للعرب والكرد وغيرهم من مكوّنات الشعب السوري، وتداخلت، عبر التاريخ، في نضالٍ وطنيٍ مشترك ومتواصل، صديّنا، خلاله، سوية، الغزوات الصليبية، ثم تخلّصنا من التبعية للدولة العثمانية وبعدها: من الانتداب الفرنسي.
لا تجوز محاسبة كيان الدولة على أخطاء الحكومات:
أما الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها حكومات متعاقبة، في لحظات من التاريخ الحديث( إحصاء عام 1962 وما تلاه)، فواجبنا هو عدم جعلِها صفةً طاغيةً تقيّد علاقات التعايش الوطني. هي أخطاء يجب أن لا تُحاسب عليها الدولة، لأنها تعني أشياء أكبر وأكثر ثباتاً، اشياءَ منفصلةً، بالمعنى التاريخي، عن الحكومات، بل أن تُؤخذ منها العبر، فلا نتهم أحداً بما يسيء لكرامته الوطنية. عُولجت المسألة الكردية، خلال تلك الفترة، على نحوٍ غير صحي، انطلاقاً من رؤية قومية ضيقة، تخشى تكرار الماساة الفلسطينية، في الشمال الشرقي السوري؟ ربما يأتي وقت، نعتذر فيه عما سببناه لبعض الكرد، من أضرارٍ مادية ومعنوية.
ولكن واجب أخوتنا الكرد هو أن لا يوقظوا تلك المخاوف لدى العرب، ليأتي بعضُنا ويقول : ألا ترون؟ كنا على حق!
ما زلنا في مجابهة مع ردّة سوداء، استنزفتنا بوحشية، تختلط مع عملية مديدة ومتعثرة هي: الحفاظ على الدولة القائمة وتطويرها لتغدو مدنيّةً، تداولية. ليس من الصواب أن نخضع مشروع إنهاء الأزمة والشكل القادم للدولة الوطنية، لاعتبارات تتعلق بمشاريع ذات ابعاد إقليمية وقومية ودينية، أبعد من حدود الدولة السورية. يؤدي هذا، لا محالة، إلى تعقيدٍ كبير في المسألة الوطنية المعقدة أصلاً، بل أنه يزجّنا في صراعات ليس لها حلٌ، حتى الآن، حول الحقوق القومية للكرد، في تركيا وإيران.
بوضوح أكبر: لا تحتمل الحالة السورية إنشاء إقليم كردي في شمالنا، ملاصق لتركيا، تكون وظيفته ليست، فقط، تحقيق الحقوق القومية للكرد السوريين، بل ستتشابك مع النضال المشروع لنيل الحقوق القومية للكرد الأتراك، في نزاعٍ مزمن، لا تبدو نهايته قريبة، لأنه مرتبط، بشكلٍ وثيق بالمسار الغامض لتطور الدولة التركية.
أراهن، كثيراُ، على دور رفاقنا الكرد من شيوعيي الأحزاب المختلفة، الذين عملوا، على الدوام، تحت سقف الانتماء السوري العريض والرحب، كي يُسهموا في إقناع مواطنيهم بأن المسألة القومية الكردية تختلف، في سورية، عما هي في العراق أو تركيا أو إيران. هكذا كانت نظرة الحزب، منذ القديم، وأعتقد أن ثمّة الكثير مما يبرر استمرارها وإنضاجها، في ظروفنا الراهنة.
صريح البنّي

  • Social Links:

Leave a Reply