تحت وطأةِ الألمِ المتكرّر المُزمن _ بقلم الدكتور : محمد أحمد وهبي

تحت وطأةِ الألمِ المتكرّر المُزمن _ بقلم الدكتور : محمد أحمد وهبي

نتجمع فرادى وجماعاتٍ كأسرابِ النّمل المُهاجرةِ نحوَ المجهول .. تاركينَ أرضاً مُضمّخةً بدماءِ الشهداء .. وزيتوناً يُوشكُ أن يُزهر ، وشقائق نعمانٍ دمويّةً ستعزفُ أنشودة الرحيلِ عمّا قريب …
مُحاولين جاهدين أن نُكدّسَ في حقائبنا المُتهالكةِ بعضاً من مُقتنياتنا الثمينةِ وكثيراً كثيراً من ذكريات ..
فبعدَ أن احتلّ جيشُ الأسد قرية الزارة الواقعة إلى الجنوب الغربيّ من قلعة الحصن ، كان لزاماً أن نُهاجر .. أن ننزحَ مُرغمين ، فجيشُ قادمون لم يأتِ ، والداعينَ إلى الصمود من خارج أسوار الوطن لم يُأرقهم بُكاء البطون الخاوية لأطفالٍ ونساءٍ على شفيرِ الموتِ جوعاً وكَمَداً ..
سَبَقتنا مدينةُ القصير بذلك الخروج البطوليّ رغم شدته على النّفس .. فهو بطوليٌّ لأنّك ستنسحبُ إلى لبنان مارّاً بما يربو على عشرين قريةٍ وبلدةٍ مُواليةٍ لنظام الأسد ، وهو بنفس الوقت شديدٌ على النفس لأنّك ستترك مدينتك وبيتك اللذان احتضناك في أكثرِ سنيّ عمرك ألفةً وطمأنينةً ومحبّةً .
كان النظام مُصرّاً حينها على فكرةِ أن تُسلّم نفسك لرجالات المصالحة المزعومة أو أن تنسحب خفيةً فتنجو أو لا ويبقى ذلك رهيناً بالحكمة الإلاهية والقدر .
بعد قلعة الحصن دَرَجَ مصطلحُ المصالحةِ بالباصِ الأخضرِ ، يعني أن تترك بلدك لتحتلّها عُصبة الإجرام الأسديّ ، ولكن على الأقل سيكون هناك باصٌ يُقِلُّ فُتاتَ روحك وخيال جسدك إلى بعض أراضي الوطن التي لا تزال مُطهّرةً من دَنسِ الأسدِ ورجسه .
اليوم وبعد خمس سنواتٍ ، لشدُّ ما تمنيتُ أن يكون في وقتنا رفاهية الباص الأخضر نحملُ به أرواحنا وخيباتنا وبقايا وطنٍ مُعبّئاً بحقيبة ، فعلى الأقل حينها سنكون مُرتاحين نفسياً ولو بقدرٍ بسيط ، لأنّ عشرات العائلات من نساءٍ وأطفالٍ وكهولٍ لم يكن ليكونوا مُعتقلين ومُغيبين قسراً في كنيسة ديرمارجرجس المُسالمة حينها !!!
في أواسط شهر آذار لعام 2014 ازداد الضغطُ كثيراً على قلعة الحصن .. فالحصارُ على أشده .. الطعام مفقود .. وكذلك الدواء .. النفسياتُ أصابها إرهاقٌ شديدٌ بسبب خيباتِ الأمل المُتلاحقةِ من مُعارضةِ الخارجِ ومن الأصدقاءِ فرادى وجماعاتٍ ودول .
بدأ نظام الأسد ببثّ الكلامِ حول موضوع المُصالحةِ والتسويةِ ..!!
ولكن .. لم يكنْ بشر اليازجي كاذباً ( وهو كذوب) بلقاءه على قناة OTV اللبنانية عندما قال أنّ كل مَنْ في الحصن إرهابيّ ، الأطفال والنساء وحتى الجنين ببطن أمّه إرهابيّ !!!
فهكذا فعل واعتبرهم إرهابيين حيث اعتقل العشرات من العائلات نساءاً وأطفالاً وكهولاً في دير مارجرجس ثم غيبهم قسريا حتى هذه اللحظة ..
ذلك ما فعله مُقاتل النهار مُرنّم الليل حسب وصف القناة ، في أحد الأماكن الأكثر أهمية للنصارى ، حيث توجد الوثيقة العُمريّة التي أعطتْ الأمان من قِبل أمير المؤمنين عُمَر رضي الله عنه لجماعة النّصارى ولا يزالون يتباهون بها حتّى اليوم ، ولكن ماذا نفعل وقدْ ماتَ عُمَر .
بدأ سيرنا من القلعة عند غروب يوم الأربعاء 19 آذار لِنصلَ إلى الأراضي اللبنانية مع شروق شمس يوم الخميس ، كثيرٌ هم الرجال والنساء الذين قُتلوا على طريق النزوح ، فبعد أن كُنّا متجمعين حوالي ال 400 شخص وصلنا لبنان حوالي 350 .
في نقطة فوق قرية عناز وتحت حاجز أبو زيد ( عند المدخل الجنوبي لمدينة الحصن ) ، كان الجمعُ يستريح لالتقاط الأنفاس من جديد وإذ بأحد الشبيحة عند الحاجز يقول بلكنته الدموية الحاقدة ( شوووو واجماعة الحصن ، أبدكن تروحووو عالتسويي !! بالله تانبعتكن عالحوريات كلكن )
لا بد أنه كان يرى جمعاً ، ولكن لا أظنّ أنّه اعتقد أنّ كل من كان في القلعة هو هنا تحت مرمى نيرانه وحقده …
الله سبحانه وتعالى كانت له حكمة بأن لا يُسلّط ذلك الشبيحُ فوهة رشاشه تجاهنا ، ولربّما ما أكتبه الآن هو أحد الأسباب ، عسى هذه القصة تكون يوماً ما مُرشداً ودليلاً لأولئكَ الذين يريدون العودة طواعيةً للأسد ، أو ربّما تكونُ شهادةً لقصة ثورة .. قصة حصار يكاد الكثير لم يسمع بها بعد.
بعد خمس سنواتٍ ، لا تزال عشرات العائلات التي أُعطيت الأمان المزعوم من مغول العصر في ديرمارجرجس مُغيبين ولا خبر عنهم .
الآن وبعد كلّ إجرام العصابة الأسدية وطغيانها .. كل من يريد العودة إلى القلعة من مؤيدي ذنب الكلب يحتاجون للموافقة الأمنية للرجوع إلى بيوتهم !!
خمس سنواتٍ تغير فيها الكثير .. وجوهٌ كثيرةٌ أبانت وجهها الحقيقي ك حسين الذي يرى في أسماء المجرمة زوجة المجرم مثالاً للإنسانية !!
الكثير من الدول الأصدقاء المُفتَرضين للشعب السوري يسعون جاهدين لتبييض وجه الأسد القذر .
المُفاوضون المفروضون على الثورة يصافحون المجرمين ابتداءً ببوتين وليس انتهاءاً بخامنئي .
أما نحن جماعة النزوح الأخير .. أصحاب اللغة الخالدة .. لغة الحصار .. فسنسامح الأسد عندما يعود شهداؤنا وعندما تعودُ الأجساد المقطعة بفعل إجرام العصابة كاملةً صحيحةً ، وعندما يخرج المعتقلون من أقبية الظلم والظلام .

لأنها ثورة ولأنّ الثورة تحتاج رجالاً .. كنّا في القلعة .. وكتبنا قصة ثورةٍ بدمائنا …

  • Social Links:

Leave a Reply