فاتكم القطار ! بقلم : د . احمد محمد كنعانفي

فاتكم القطار ! بقلم : د . احمد محمد كنعانفي

 

د. أحمد محمد كنعان ….
في مسرحية ( المحطة ) للمبدعين “الأخوان رحباني” رمزية عميقة جعلتني أقف مندهشاً أمام هذه الرؤيا المستقبلية الخارقة للعادة التي كان يتمتع بهما هذان الفنانان الكبيران اللذان كانا ينظران إلى ربيع الثورات العربية بعيني “زرقاء اليمامة”!
تتلخص أحداث المسرحية بمجيء صبية حالمة إلى قرية وادعة، ينام أهلها على فقرهم، راضين بالحال، غير عابئين بالمستقبل، فتخبرهم الصبية أن هناك سكة للقطار تمر في أراضي القرية، وتلومهم بشدة لأنهم زرعوا المحطة حتى غطى الزرع على سكة القطار فلم يعد يمر بالقرية، وكأن الصبية بهذه الخبرية .. الحلم .. أرادت أن توقظ أهل القرية وتجدد حياتهم وتفتح عيونهم على مستقبل جديد يمكن أن يغير حالهم، وتحملهم إلى زمن جديد .
وكما هو متوقع يرفض أهل القرية في البداية تصديق ادعاء الصبية، فقد ولدوا وعاشوا في القرية جيلاً بعد جيل ولا يعلم أحد منهم أن هناك سكة تمر بالقرية، ولم يسمع أحد منهم في يوم من الأيام صافرة القطار في قريتهم، فكيف تأتي هذه الغريبة لتزعم أن في القرية محطة وأن هناك سكة للقطار ؟!
لكن الصبية تؤكد لهم صدق دعواها، وتلح في تأكيدها، ومع الإلحاح يبدأ أهل القرية يقلبون الأرض يفتشون عن السكة تحت الزرع، ومع عملية التفتيش يبدأ بعضهم يقتنع بالحكاية شيئاً فشيئاً !
وهكذا تتطور الأحداث، ويبدأ حال القرية يتغير، وفجأة تظهر زمرة من الانتهازيين من خارج القرية سمعوا بالحكاية فجاؤوا على عجل يستغلونها كما هي عادتهم “في كل مولد لهم قرص” كما يقول المثل السوري، وعلى الفور يبدأ هؤلاء الانتهازيون يتاجرون بالحكاية، فيسارع تجار العقارات منهم لشراء الأراضي من الفلاحين البسطاء بأسعار زهيدة، وبعد أن يستولوا على الأراضي يبدؤون بالترويج لحكاية القطار فترتفع أسعار الأراضي إلى أسعار خيالية، ويأتي آخرون فيقيمون الفنادق حول المحطة المزعومة ويبدؤون بالترويج لاستقبال الزوار والسواح والفضوليين، ويأتي لص القرية المحترف فيبني له كشكاً ويبدأ بيع تذاكر القطار المزعوم !
وهكذا تدب الحياة في القرية الوادعة، وينتعش كل شيء فيها، وتتحول ساحاتها إلى أعياد وأفراح وأغنيات ومواعيد !
وتقع المفاجأة .. فيتحقق حلم الصبية، وتصدح صفارات القطار من بعيد، ويأتي القطار بالفعل ، ويبدأ الناس الذين اشتروا التذاكر من اللص بأسعار خيالية يصعدون إلى القطار واحداً بعد الآخر حتى امتلأ القطار عن آخره، وتأتي الصبية .. صانعة الحلم .. لتشتري تذكرة، فيقول لها اللص بائع التذاكر :
-خلص ، انتهوا التذاكر !وفي تلك اللحظة تنطلق صفارات القطار معلنة انطلاق الرحلة ومغادرة الضيعة، ويمضي القطار بمن فيه مخلفاً الصبية على الرصيف تشحذ تذكرة ( حدا يعطيني تذكرة .. حدا يعطيني تذكرة !) لكنها لا تجد من يعطيها !
بهذه الحكاية .. الحلم .. يصور الأخوان رحباني قبل أكثر من أربعين عاماً من ثورات “الربيع العربي” قصة عظماء التاريخ .. صانعي الأحلام .. الذين يتسابق الانتهازيون واللصوص لسرقة أحلامهم، وها نحن اليوم نعيش واحداً من تلك الأحلام العظيمة، وهاهم ثوار الربيع العربي ينطلقون بكل عزم وإصرار وتصميم لصناعة حلمنا الكبير، ببناء محطة جديدة تنطلق بنا نحو مستقبل جديد !
لكن أخشى ما نخشاه أن تتحقق نبوءة الأخوين رحباني فينطلق القطار في النهاية يحمل الانتهازيين واللصوص، مخلفاً الثوار الحقيقيين .. صانعي أحلامنا .. على الرصيف، يشحذون تذكرة فلا يجدون !

  • Social Links:

Leave a Reply