“بخور عدني” لـ علي المقري … سؤال الوطن و معنى الهوية

“بخور عدني” لـ علي المقري … سؤال الوطن و معنى الهوية

يَرْتَبِكُ سؤال الوطن و تهتز الهوية في رواية “بخور عدني” لـ “علي المقري” ، حين يقرر “ميشيل” الأعرج الالتحاق بجيش بلاده في الجبهة للدفاع عن الوطن تعبيراً عن انتمائه و وطنيته أو ربما انتصاراً على عرجه مستخدماً بطاقة “فرانسوا” الدراسية التي تدل على أنه سليم و صالح للقتال ، “فرانسوا” الذي لم يَعْنِ له القتال و الدفاع عن الوطن شيئاً رغم دفع و إصرار والده تحت شعارات كبيرة ، ليتبادل الصديقان الأدوار ، فيعطي “ميشيل” شهادة ميلاده إلى “فرانسوا” و يتنازل الأخير عن بطاقته الدراسة لـ “ميشيل” ، كانت أم “ميشيل” قد حصلت لابنها على شهادة تعفيه من ذلك .
يفر “فرانسوا” إلى عدن بهوية “ميشيل” ، حيث زوج خالة الأخير يدير شركة هناك ، كانت أم “ميشيل” قد طلبت من “فرانسوا” يوماً أن يقنع صديقه “ميشيل” بالعدول عن قرار الالتحاق بالحرب و السفر إلى عدن للعمل فيها .
عدن ( كريتر ) ، فوهة البركان الخامد في مياه خليج عدن ، كانت حينها ملاذاً آمناً للهاربين من جحيم الحروب ، من كل الأعراق و الأديان و الجنسيات ، احتضنت إبان الحرب العالمية الثانية في من احتضنتهم “ميشيل” أو “فرانسوا” الذي غادر فرنسا هارباً من الموت قاصداً إياها ليلتقي “ماما” التي حلمت يوماً أنها ستلتقي شاباً هارباً من الرصاص فتحتضنه و تبخره و تمشي معه في ذات الشارع الذي كانت قد التقته فيه و صارت ملجأه الحقيقي و ملاذه كلما اجتاحه شعور بالغربة أو الضيق ، كانت “ماما” دليله منذ اللحظة الأولى و عرابته في بلد يؤوي الجميع دون أن يقرأ تفاصيل هوياتهم أو يعيرها اهتماماً ، البلد الذي ارتَجَّ و استثير بركانه حين ثار الشعب على الاحتلال البريطاني و بدأ يتصدع و يتمزق في منحى قومي و آخر ديني طال أول ما طال الأغراب و على وجه الخصوص اليهود الذين كان ساستهم قد بدأوا للتو في مكان آخر من الأرض بسط سيطرتهم على فلسطين العربية كما يراها القوميون و المسلمة كما يراها التيار الديني .
و بخور عدن الذي أحدث أول تغيير في هوية “ميشيل” أو “فرانسوا” حين بخرته “ماما” قبل الخروج الأول إلى مقهىً في عدن ، بخور عدن “البوابة من البحر إلى البحر التي لا يمكن لأحد أن يغلقها” كان عتبة الرواية ، و كان ختامها تغيير وجه و تاريخ عدن بعد الحرب .
بعد الحرب ظلَّ البخور بخوراً ، لكن بنكهة حزينة ، و ظَلَّتْ عدن عدن ، لكن بتفاصيل بائسة ، شوهتها الحرب و بعثرتها الإيديولوجيا ، فاحترق دكان اليهودي ، و هاجرت المغينة اليهودية الجميلة “براخا كوهين” “شمعة” في الرواية و في ذاكرة العدنيين ، و ماتت أحلام “ماما” ، و ظل سؤال “ميشيل” أو “فرانسوا” مُلِحّاً : (هل الوطن كذبة سيبحث كل منا يوماً عن بديل له ؟ أليس اللاوطن وهماً أيضاً ؟)
أجل … بقي سؤال الهوية مفتوحاً كجرح نازف تثخنه استحالة الإجابة بسكينها المثلمة كل حين ، و يرش عليه الاغتراب القسري ملحه كل حنين .
في “بخور عدني” تبدو عدن بحلة خاصة تميزها ، ثمة طابع مختلف للمدينة ، هي فضاء للحب و الفن و التلاقح الثقافي و الحوار السياسي و البخور ، في هذه الأجواء حكى “ميشيل” أو “فرانسوا” الهارب من الحرب في وطنه يومياته و انطباعاته و رؤاه ، و أحب في عدن “ماما” و تعلق بها دون أن يطفو هذا الحب على السطح ، هو الذي يوماً ما عشق في فرنسا “شانتيل” ابنة حيه و رفيقته و رفيقة رفاقه و ما أينع عشقة هناك .
رواية ” بخور عدني” رواية أجواء ساحرة غير مُتَكَلَّفٍ في رصدها ، تستمد طغيان حضورها من بساطة لغتها و رشاقة سردها ، ما يأسرك و يشوقك أن تنهي قراءتها ربما بجلسة واحدة .
في ختام نصه الدافئ حَدَّ الثَّمَل بعبق عدن ، برقَّةِ “ماما” ، بعذوبة “شمعة” ، يقول “علي المقري” على لسان “ماما” بطلة روايته : (كأنَّ الحياة بركان ، يهدأ حين نتوزع منه ، لكنه يصبح ثائراً متفجراً و لا يخمد ، و إن بدا لنا خامداً ، إذا ما تلاقت براكيننا الخاصة في بركان واحد .)
أجل … كأنَّ المكانَ سحابةٌ من دخانٍ ، تخشى أن تطأَهُ لحظةَ تألفُهُ و تأنسُ به ، و كأنَّ الناسَ سرابٌ ذاتَ تَشَظٍّ ، تحتضنُ إن احتضنتَهُمْ وهماً أو خيالاً ، و كأنَّ الدَّعَةَ التي كنْتَ فيها جحيمٌ حين اختبرَها القدرُ ، و كأنَّ الهويةَ قبضُ ريحٍ ، ضربٌ من عَبَثٍ ، و كأنَّ الوطنَ يبابٌ في يباب .

نزار غالب فليحان

  • Social Links:

Leave a Reply