المرأة، الكاتبة، المناضلة، المغيبة، رزان زيتونة 🌹🕊

المرأة، الكاتبة، المناضلة، المغيبة، رزان زيتونة 🌹🕊

تحية وتضامن مع : رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي.
وكل المغيبين قسراً 🌹🕊✊

مقاطع من مادة : ” رزان، الدور والقضية والرمز ”
ياسين الحاج صالح

( كتبتُ هذا النص في أواخر آذار 2018 بطلب من الأستاذ بدر الدين عرودكي لينشر في كتاب تصدره دار ميسلون. الكتاب صدر بالفعل قبل شهرين.
ليست رزان زيتونة فريدة عصرها، لكنها قريبة من أن تكون كذلك. المرأة الشابة الشقراء، الخجولة، التي كانت تخرجت لتوها من كلية الحقوق في جامعة دمشق، كانت تُظهِر يوماً بعد آخر خلال عشر سنوات من العمل العام شجاعة وصلابة معدن استثنائية، وقدرة مميزة على تنشيط من هم حولها.

الدور
لم تأت رزان إلى العمل العام من صفوف المنظمات السياسية المعارضة، ولم تمر بمرحلة تنشئة إيديولوجية يسارية، تقليدية أو غير تقليدية. ورغم أنها منذ تخرجها من الجامعة عاشت في بيئة ناشطين ومعتقلين سياسيين يساريين وغير يساريين سابقين، وأرادت دوماً أن تتعلم منهم، وتعلمت، لكنها شقت دربها باستقلال وندية، وعاشت زمنها لا زمنهم. كان ذلك موسم “ربيع دمشق” الوجيز وما بعده، موسم انفراجة عابرة تلاها تضييق موصول على أي أشكال مشتقلة من العمل العام. رزان التي كانت ضمن فريق محامي الدفاع عن معتقلي “ربيع دمشق”، وطردت من “محكمة أمن الدولة” عام 2002، صارت خلال سنوات قليلة ناشطة حقوقية معروفة وكاتبة مرهفة الإحساس. ككاتبة، كان أسلوبها رائقاً دوماً، يخلو من الحشو، ومن التهويم والتجريد، ومن النرجسية، ومن مخادعة القارئ أو ترهيبه. وما كان يُفعِم نصوصها من حس إنساني من جهة، ومن غنى بالتفاصيل من جهة ثانية، كان يعطي الانطباع بتمرسٍ لا يتحقق إلا لمن تعيش حياتها حياتين، متكرسة في العمق لقضية هي عملها، ولعمل هو قضيتها. لحياة هي القضية والعمل.
شخص رزان هو دورها، ودورها هو شخصها. ليست امرأة قاسية صلبة. كانت تخشى الاعتقال كثيراً، لكنها وقت جاء عناصر المخابرات إلى مكتب قريب من الجامعة شاركت في العمل فيه لبعض الوقت لم تسمح لهم بدخوله رغم خوفها. ووراء العزم الذي لا يَكلُّ كان هناك قلب دافئ. كانت المرأة الناحلة مثل أمٍ لفارس مراد الذي كان في عمر أبيها، وبكته بكاء مراً وقت مات عام 2009 وهو دون الستين، قضى نصفها معتقلاً. تدربت على رقص التانغو والفلامنغو، ربما في جهد منها لضبط فوران داخلي نشط، ولكن كذلك في تطلع إلى الحرية وإغناء الحياة. ولم تكن رزان بحال امرأة متجهمة تنافس الذكور على التأثير. كانت تتغزل بممثلين تحبهم، ريتشارد غير مثلاً، وكان وائل يرمقها بغيرة مصطنعة، ويأمر: تضبضبي! خلال شهور اعتقاله بعد الثورة، كانت رزان المتوارية تغازل المعتقل الغائب بكلمة بسيطة فخورة : بطلي! )

( القضية
منذ اختطافها مع زوجها وائل، ومع سميرة وناظم، انتهى دور رزان المباشر وصارت هي وشريكتها وشريكيها اسماً لقضية. يحصل أن تسمى هذه القضية رزان ورفاقها، وهو ما أجده مسلكاً كسولاً في أحسن الأحوال، كيدياً وقليل العقل في بعض الأحوال، وغير لائق في كل حال، بخاصة حين يرد على لسان أو في نصوص مناضلين ديمقراطيين. رزان اختطفت مع ثلاثة شركاء هم امراة أخرى ورجلان، ولهم أسماء معروفة منذ ما قبل الخطف، وذكرهم واجب في كل مرة تذكر فيها رزان والقضية. )

( لكن كقضية، لا وجه لفصل رزان عن سميرة، أو لفصلهما معا عن شريكيهما وائل وناظم. خُطِف الأربعة معاً، ومعنى تغييبهم واحد، ومصيرهم واحد.

الرمز
مع ذلك، بين الأربعة لرزان رمزية خاصة. هي أصغر الأربعة سناً، وكانت في السادسة والثلاثين وقت خطفها. وهي معروفة قبل الخطف سورياً وعالمياً كما أشرت للتو، وهي التي كانت تدير عمل مركز توثيق الانتهاكات، وقبله لجان التنسيق المحلية، وهي التي تحوز مؤهلات قيادية فذة منها قراءة سياسية بصيرة لما يجري في الواقع، وهي التي تتميز بتكرس للعمل نادر المثال. رزان هي أيضاً من تعرضت لتهديد بالموت من قبل شبيح لجيش الإسلام سبق الخطف بأسابيع، وهي من كانت تعبر عن نفسها في نصوص مكتوبة مؤثرة، أو في ظهورات تلفزيونية تتكلم فيها بانكليزية واضحة.
قضت رزان سبعة شهور ونصف في دوما قبل جريمة الخطف، وخلال عملها هناك أصدرت العديد من التقارير من مركز توثيق الانتهاكات. لهذه التقارير ميزات خاصة: موثوقيتها، غناها بالتفاصيل، صفتها الميدانية، ثم ما أعطاه غياب رزان من صدقية أخلاقية وحقوقية لتلك التقارير بمفعول راجع.
وبفعل قوة المثال الذي جسدته رزان حظيت سيرتها وعملها باهتمام واسع يتجاوز سورية، شهدت بنفسي بعض وقائعه )
………
( رزان جمعت بين القول والفعل، بين المبدأ والالتزام العملي به، وهي تدفع منذ أربع سنوات ونحو أربعة أشهر “حتى وقت كتابة هذه الكلمات ” ضريبة مبادئها. )
…….
( …. وأتاحت أن يرى العالم سوريات وسوريين كثيرين ولسوريات وسوريين كثيرين ان يرووا قصتهم ويشاركن ويشاركون في التفكير والنقاش حول مستقبل العالم، ويمثلون أدواراً تشتد حاجة الناس في كل مكان إلى مثلها.
المرأة، الكاتبة، المناضلة، المغيبة، رزان زيتونة، هي أبرز هؤلاء.
ختاماً، إن كان من شخص واحد تتمثل في الثورة السورية في منابعها الأخلاقية، وفي تعقد مساراتها وتعدد جبهات كفاحها، فهو رزان زيتونة. وإن كان هناك من تتمثل فيهم مأساوية مآلات الجولة الحالية من كفاح السوريين فهو رزان مع شريكتها سميرة وشريكيهما وائل وناظم. وإن كان من قضية تمثل مصير الثورة السورية فهي بلا شك خطف رزان وسميرة ووائل وناظم وتغييبهم. وإن كان من رمز لهذه الجولة من الكفاح السوري يلهم كفاح أجيال السوريين القادم وشركائهم في العالم، فهذا الرمز هو رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي. )

  • Social Links:

Leave a Reply