أزمة رأس النظام والنيران الصديقة

أزمة رأس النظام والنيران الصديقة

سميرة المسالمة*

لا يستطيع النظام السوري ممثلاً برأسه أن يمني نفسه بأنه استطاع الانقلاب على الانقلاب العسكري، الذي لاحت ملامحه مع العام الثاني للثورة، في محاولة لإنقاذ سمعة الجيش العربي السوري، بعد أن تحولت مهمته من حفظ أمن الحدود إلى تهديد وترهيب المواطنين والاستيلاء على مناطقهم المدنية واحتلالها بآليات عسكرية ثقيلة، رغم أن الانقلاب كان من شأنه أن يمثل حلاً تفاوضياً بين النظام وفاعليات الثورة في أقل مطالبها، وأهمها بإنهاء مبدأ التوريث الذي اعتمد كتجسيد لشعار “الأسد إلى الأبد” منهياً بذلك مبدأ تداول السلطة، ومغيراً شكل النظام من جمهوري إلى “توريثي”، ومع مرور ثمانية أعوام على حرب طاحنة “داخلية- خارجية” هدفت للحفاظ على واقع لا يسمح بحل سياسي، ما يعني أن النظام استخدم الحرب كأداة انقلابية على أي تهيئة لإمكانية حل ثوري في سوريا، وحافظت سنوات المقتلة السورية على رأس النظام مقابل التضحية بالشعب والدولة، والجيش ككيان وطني جامع لكل السوريين.
وإذا كان للنظام أن يرى فيما ساق البلاد له أنها انتصارات وذلك بسبب قدرته على تأجيل الاستحقاق الذي تفرضه الثورات الشعبية عادة، (وهنا لابد من التنويه إلى أن الثورة في سوريا بدأت ضد بنية النظام الأمنية وأدواته التنفيذية قبل أن تصل إلى مطلب الإطاحة  بالنظام ورأسه) أسوة بما حدث في البلدان التي لاتزال جيوشها على قيود أوطانها، وتصطف على جبهة واحدة في مواجهة ما يفتت كيان دولتها، إلا أنه مع انكماش الجيش ليصبح أحد الفصائل المسلحة العاملة في سوريا، إلى جانب جيوش دول تهيمن على واقع سوريا، وتسيطر على قرارها سواء كانت بموافقة النظام ( روسيا وإيران) أو خارج إرادته كحال الجيش الإسرائيلي والتركي والأميركي، فإن ما يصور على أنه انتصار هو هزيمة تأخر استحقاقها في أعلى مستوياتها، ودفع ثمن ذلك السوريون على اختلاف مواقفهم مع النظام أو ضده.
لقد طوقت الأنظمة العسكرية في بلدان الربيع العربي الثورات وحاصرتها بما يضمن لها القدرة على تصدير أنظمة موازية، ومشابهة لتلك التي كانت سبباً في انتزاع الصبر من صدور المواطنين وإعلان تمردهم عليها بثورات شعبية، وإذا كانت تونس تمثل الاستثناء الوحيد في خط سيرها وتفاعلات بناء نظامها فذلك يعود إلى اسبقيتها وعمق تأثير بنيتها التشريعية السابقة على النظام المخلوع فيها، و وحدانيتها في الساحة العربية قبل امتداد أثرها إلى دول غارقة أيضاً بفساد أنظمتها واستبدادية حكامها، وعمق ارتباطاتهم مع دول التأثير الدولية، ومصالحها مع حكام أنظمة فاسدة لا يمكن انقاذها، ولكن يمكن التلاعب عليها، وتضليل مخرجات الثورة وتحويلها من ثورات شعبية إلى انقلابات عسكرية، يدفع ثمنها رأس النظام كضحية على مذبح المصلحة باستمرار الأنظمة وإعادة إنتاج ذاتها.
وعلى ذلك فقد منيت ثورات الربيع العربي بهزائم متلاحقة رغم أنها استطاعت انتزاع رأس النظام في كل بلد حلت به، وما حدث رغم أنه جزء مهم من أجندتها المعلنة في تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر والسودان، إلا أنه ليس انتصاراً للثورات في مفهومها البنيوي والرغبوي الذي تمثله كتغيير جذري في الأنظمة السياسية، وآلية وصولها وطرائق شرعنة استمرارها، ولكن لأن لكل من هذه الدول خصوصيتها في التأثير الدولي سياسياً وانعكاساتها خارج حدودها جغرافياً، ما يجعل من ذلك “التغيير” مجرد اختصار لحدود تأثيرها بالإطاحة برأس النظام، كفعل احتواء لمآلات الإنهيارات الداخلية على الكتل البشرية المرغوب محاصرتها ضمن جغرافيتها المحلية، وإذا كانت سوريا تمثل الاستثناء الوحيد (حتى الآن) فلا يعني ذلك أنها تجاوزت “التغيير” في أدنى حدوده المهزومة، إلا أن خصوصية موقعها إلى جوار “إسرائيل” وقدرتها على التحكم بلبنان كدولة تحت سيطرة أحد داعميها، وتأثيرها في المنطقة العربية عموماً ودول الجوار المنفتحة عليها ومنها، جعلتها تربة خصبة لتجربة نظرية الفوضى الخلاقة التي صرحت عنها (كونداليزا رايس) عام 1995، والتي تؤهل لشرق أوسط “جديد” بأدوات محلية يقودها النظام السوري كطرف أساسي في مقابل مجموعات معارضة له، وتمويل ذاتي (سوري وعربي)، وضحايا “وطنيين” على كل جانب.
ولهذا يمكن القول أن سنوات الحرب الطويلة في سوريا لم تكن مرهونة بقدرة أطراف الصراع المحلية من نظام ومعارضة على حسم المعارك، وإنما بتوظيف تلك السنوات في خدمة مشروع تصفية نهائية لملفات بقيت عالقة منذ 1917 (وعد بلفور) مرورا بحركات التحرر والاستقلال والجلاء المنقوصة شكلاً وتكويناً ومضموناً، وصولاً إلى ما يمكن الاستناد إليه من ملفات طفت على السطح من إعادة هيكلة الأنظمة العربية، وترتيب أولوياتها، وتنظيم عوائدها النفطية وجدولة ميزانياتها المالية، وحتى في إعادة إنتاج قيمها الأخلاقية وتطويع تفسيراتها الدينية، وما كان كل ذلك ليحدث دون نموذج “تحفيزي ترهيبي” مثله النظام السوري الذي يعد أحد أهم القوى العسكرية في منطقة عربية منكوبة بالاحتلالات والهواجس الطائفية والأحكام الدينية المتطرفة.
ولا يعني ذلك أن الثورات جاءت بفعل تحريضي خارجي، ولكن ارتهان استمرارية الأنظمة مع إرادات الدول الخارجية جعل من هذه الثورات وعلى رأسها الثورة السورية أدوات طيعة يمكن استغلالها في إغلاق الملفات الدولية المفتوحة، واستخدامها في إعادة هيكلة المنطقة، وإنتاج ما يمكن تسميته الشرق المحدث.
وحاجة الشرق الجديد ليست جغرافية وحسب وإنما هي  خارطة تعاملات جديدة بين دوله، ما يستدعي إنهاء العهد القديم بكل ما فيه من أسماء متداعية شعبياً، وصناعة اقتصادات مهيأة للانفتاح على الآخر الذي بقي لعقود طويلة “شماعة الأنظمة في تجويع شعوبها”، ما يعني أن ما تم تأجيله سابقاً لن يبقى طي الغيب كثيراً مع الجيش الموازي الذي تعده روسيا في سوريا، ومع قرار استباحة الحرب على ميليشيات إيران وفق منطق تصنيف الولايات المتحدة الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، ما يجعل من أزمات الداخل السوري قابلة للتصاعد أكثر وأكثر، لتصبح أزمة رأس النظام الذي تتصيده نيران كثيفة ولكنها هذه المرة “نيران صديقة”.

  • Social Links:

Leave a Reply