نهاية عصر القطط

نهاية عصر القطط

قصة قصيرة :

د.أحمد محمد كنعان

كنا أطفالاً صغاراً، وكان جدي شيخاً عجوزاً طاعناً في السن، لكنه كان رجلاً قوياً، لم ينقطع يوماً عن صلاة الجماعة في الجامع، وكان رجلاً مغامراً لا يهاب الموت، فكان في كل جمعة يخطب بالناس ويحرضهم ضد الاستعمار، ويدعوهم في نهاية الخطبة على التظاهر لمقاطعة المستعمرين ورحيلهم، ولم يتوقف عن هذا بالرغم من اعتقاله في كل مرة وإيداعه في السجن !
حتى إذا أطلقوه جمعنا نحن أولاد العيلة والجيران وراح يحدثنا عن المستعمرين وجرائمهم .. وعندما نسأله عن السجن وما لاقاه من تعذيب يكتفي بالقول :
– يا حبيباتي .. السجن للرجال
ويشرح لنا عبارته بأن السجن مصنع للرجال، ففيه يتعلم السجين على الصبر والشجاعة فيخرج من السجن أسداً عنيداً له مخالب تخمش وجه الشمس، وأنياب تأكل الزلط (على حد تعبير إخواننا المصريين !) فكنا نضحك لوصفه، ونسعد للفرحة التي تشع من عينيه، غير آبه بالسجن ولا بالتعذيب ..
ومضى الزمن ..
ومضى جدي إلى لقاء بارئه ..
ودار الزمان ..
ورحل المستعمر ..
وبدء عصر الاستقلال الذي استبد فيه العسكر وصاروا يفعلون بنا ما لم يفعله المستعمر، فعادت كلمات جدي حية فينا، وانطلقنا نقاوم الاستبداد والفساد، فاعتقلونا وساقونا إلى مصنع الرجال !
فلم نجده مصنعاً بل مسلخاً، سلخوا فيه جلودنا ونزعوا مخالبنا وأنيابنا، وأطلقونا لنكون قططاً أليفة تعيش على الفتات .. لا تخمش الشمس ولا تأكل الزلط !
لكن ظلت كلمات جدي في كل مرة تنبت أنيابنا ومخالبنا حتى مزقنا الاستبداد وعصره .. وتحررت البلاد وانتهى عصر القطط !
***

  • Social Links:

Leave a Reply