عبـــــــدالله خلــــــــيفة : شظــــــــــــــايا (الإهداء: إلى ذكرى الرفيق يوسف عبدالله يتيم)

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : شظــــــــــــــايا (الإهداء: إلى ذكرى الرفيق يوسف عبدالله يتيم)

 

                    شظــــــــــــــايا

(الإهداء: إلى ذكرى الرفيق يوسف عبدالله يتيم)

1 ➽

المكتب هادئٌ، وثمة نور خافت ينتشر من النافذة، وسيف على مقعده، متغضن الوجه قليلاً، يمتص السيجارة كرحيق، السكرتيرة تفتحُ الباب وتضع ملفاً فيقترب رأسُها المتهدل الشعر من وجهه، فيرفع رقبته مشرئباً بسرعة نحوها:

      – ما هذه الرائحة الجميلة؟ لم انتبه لها قبل لحظة . . كل يوم تزادين حلاوة يا نرجس!

لا تبتسم وتخرج بهدوء وجمود.

(هذا هو طبع النساء مدلالات خاصة حين يهتم أحدٌ بهن)

يتطلع إلى ساعة الحائط، تشير إلى الثانية ظهراً.

(حان موعدُ الحانة، فأرقصي يا عصافير قلبي وزقزقي!).

يخرجُ من المكتب الواسع، وكان الرئيس والمالك حسن علام لا يزال موجوداً، وهو يبدو من خلف زجاج مكتبه مغموراً بالورق، يرفع يده محيياً، وينظر للسكرتيرة لكنه لا يلحظ نظراً إليه، بل انشغالاً بالملفات، وقلبه ليس ملفاً.

يظهر على ساحة الفضاء الخارجي، الظهيرة حامية والسماء بلا لون، وحشدٌ من البشر متناثر، يعبرُ الطرقَ من موقع الإشارات بهدوء ورشاقة.

يمشي متصلبَ القامة، رافعاً رأسه، يحدقُ في الناس ولا يرى سوى ذراتٍ من رمل، يتأبطُ الجريدة، يظهرُ فجأة أحدُ المعارف، في الطريق المعاكس، يحاذيه فيقف له، ولم تتغير ملامحه، الآخر يبتسم. يمضي باستقامة على الرصيف، والمتاجر تصطفُ مطلقة ضوضاءها، واصطفاقات أبوابها الحديدية.

يقف عند المصعد، الذي يأخذه بهدوء إلى قاعةٍ باردة، ناعسة، ترتعشُ لموسيقى حالمةٍ تنبعثُ من سماعات كأنها ذائبة في أغوار الحجر.

رجلُ البار، العامل الهندي، يرمقهُ بابتسامة، ويتقدم نحوه حاملاً صينية فوقها زجاجة وقربها صحن من الفستق.

      – أهلاً بك يا سيدي، كيف يومك؟

الدوام الطويل والأجهاد والأكل القليل تجعله لا ينبس إلا بكلمة معتادة:

      – جيد.

      – هل كل شيء على ما يُرام؟

      – نعم.

ليس في الحانة أحد، بل طاولات فارغة عليها كؤوس فيها ورق، وشراشف الطاولات ملونة أنيقة، وقرب الجدران ثمة نبتات غريبة، غامقة الخضرة، ولكن لا نوافذ، بل باب واسع يقودُ إلى ممرات عديدة تفضي لمطعم كبير، وصالة، وإلى طوابق عليا فيها غرف، وكل هذه الممرات تشهد موظفين يمشون ونزلاء أجانب من مختلف الجنسيات؛ عرب وأوربيين، ويأتي بعضهم إلى الحانة، ويختارون طاولاتهم، ويشربون وهم يطلبون غداءهم.

لا يعرفُ أحداً منهم، وهو مستمر في شربه وفي التدخين، وبدأ ذهنه يتعبه، واتصل بعبدالرحمن فوجده لا يزال في الوزارة ويسأله:

      – أنا في النزهة ألا تحضر؟

      – سوف أوصل زوجتي إلى البيت، تعبنا بين المستشفى والمركز الصحي، قد أحضر، احتاج لشيء من الترفيه، لكن سوف اتأخر، لا تذهب!

      – سأظل ساعة أو ساعتين ثم أغادر، ورائي عمل هام.

      – تأخر قليلاً من أجلي . .

موظف بيروقراطي قويم، لو حدث زلزال سوف يذهب للتوقيع والدوام. والدوام ليس لله بل للمادة! . . لكنه يجامل زوجته ويتركه لهذا الفيض الذي لا يتوقف من المياه الفضية، حيث تتكسر صلابة الأشياء  وتبدأ الجدران والقيود والحدود في التداعي، ويجد إنه لا يزال يطير فوق ثلج روسيا، يحملُ العلبَ والسمكَ المملح ويخترقُ الغابات ويصعدُ إلى غرف البنات، ويصغي للمحاضرات ثم يصحو في الظهيرة، و تلذُ له العلبُ فلا يذهب لمقاعد الدراسة، يحاول زملاؤه إيقاظه دون جدوى، وكانت أجمل فتاة في الكلية قد انجذبت إليه هو السيف الخليجي المكون من عظام.

لكن الآن لا أصدقاء بل وحدة ممضة وكلما كثرت الزجاجات تدفق الماءُ الحار من رأسه، فيتصل بناصر:

      – أين أنت؟ مضت أيام عديدة دون أن أراك، تعال أنا في النزهة.

      – لدي مشروع كتابة . .

      – الآن الساعة الثالثة وليس وقت كتابة . .

      – الأفكار تتزاحم في رأسي.

      – وأنا تشغلني أفكار خطيرة جداً . . لا بد من أن نكمل . . مشروعنا . .

      – ماذا يجري؟

      – بدأتُ بتدوين . . الخطوط . . الأساسية . . سوف . . تقرأ شيئاً مذهلاً . .

      – سأحضر لمدة ساعة فقط . .

وقتهُ محسوب بدقة! ما أهمية الزمان كله؟ لم يضبط أحداً حدود المادة، أيكون هذا هو مشروعه؟ والمجتمع الاشتراكي المزعوم كان خرابة . .

ومالبث ناصر أن  ظهر كعادة مواعيده الدقيقة وكلماته الباترة،     وكان هو يمدُ خيوطه في الكلية ويسمع ضحكات الطلبة الساخرة منه،(لا يمكن أن تنجح يا سيف!)، (الأفضل لك أن تعود للبلد بدلاً من هذا التسكع والشرب!)، (تستعير كل هذه المجلدات وتعيدها مدعياً قراءتها؟!)، ناصر يقترب وعلى وجهه سيماء ارتفاع الأسعار وهبوط الرواتب، هذا دودة كتب، ووجد نفسه في التلفزيون الحكومي محاولاً فرك غوري علاء الدين ولم تظهر سوى الشياطين، يجلس مزيحاً سحب الدخان، يطلب له علبة بسرعة، كان ثمة غليان في رأسه، يتدفق:

     – بعدك في عالم الورق؟  . . عليك بمراقبة الحياة . . أهم شيء الصدق ومراقبة الحياة  . .  لا يفيد الانعزال …. أنظر هنا الوجود الحي الثري . . . البشر الحقيقيون غير المصنوعين في عوالم الخيال . . . أنت دائماً  . . في عزلة . . ولم أر  . . نتاجاً . . بعد!

وكان في كلامه يحرك عينيه بشكل غريب، ويرتفع حاجباه كلٌ في مكان وبإيقاع مختلف، فيما الوجه العظمي يشعُ، وسحب الدخان تتهادى حول وجهه منقشعة ببطءٍ، يقول ناصر بتوتر:

      – أنا مراقب جيد للحياة.

فيرتفع صوته:

      – لا لستَ مراقباً. .  أنت متأمل . .  تجثمُ بعيداً. .. هنا الحياة . .  أنظر هذا هو صاحب الحانة والبناية كلها ولكنه جلب شخصيتين من دولتين أوربيتين مختلفتين وبعيدتين عن بعضهما. . . من أجل لا يتحدا ضده . . . هناك ذكاء يتشكل . . . هنا طبقة متوسطة تتشكل بحداثة وسوف تفجر الحياة . . . راقب! دقق!

 الآخر يصمت ويشرب. يحدق قلقاً، هادئ وهو يغلي. يقول:

      – أين الأوراق المهمة؟

      – أية . . أوراق؟

      – ألم تعدني بالبدء بتدوين الكراسة المشتركة؟

      – أجل . . أجل . .

يبحث في جيوبه، يخرج علبتين من السجائر، وولاعة، ومحفظة، لكن لم يوجد ورق.

      – يبدو إنني نسيتها في المكتب . . وعلى كل . . فالأوراق . . في رأسي . . هنا الخزانة العظيمة والورق ما هو سوى علامات . . . هل قرأت نظرية العلامات؟ حيث الحروف والألوان والكلمات مجرد رموز؟ . . القضية ببساطة . . أن . . ما يُسمى بالاشتراكية . .ليس . . سوى حلم . . رفاقنا غرقوا في هذه الأفكار . . ولم يفعلوا شيئاً . . نحن أمامنا . . الرأسمالية هي الممكن . . لو حركنا الطبقة . . الوسطى . . حركنا الحداثة . . صنعنا . . شيئاً مبهراً . . أنت معي في ذلك؟ أليس كذلك؟

      – نعم، نعم، ولكن هذه كلمات عامة طالما رددناها! اعتقدت إن لديك بحثاً؟!

تغضن وجه سيف بشدة.

      – هل ما قلته . . لا . . يشكل بحثاً؟!

فجأة دخل عبدالرحمن مرتب الثياب، والشعر، ولكن الوجه ظامئ للينابيع. يقف سيف بانفعال ويصافحه بحرارة غريبة، ويمضي في الكلام:

      – قمت بواجبك المنزلي؟ . . هذا شيء هام. . . كنا نتكلم عن بحثي المعمق . .

لكن عبدالرحمن وهو يجلس ويقبض على العلبة بحنان، بعد أن حيا ناصراً، تكلم بهدوء بارد:

      – أوصلتَ زوجتي للبيت بعد عناء المستشفى. تصور كيف ينتظر المواطن في المستوصف ساعة وساعتين لكي يفحصه الطبيب فحصاً كاذباً، ولا يريد أن يحوله للمستشفى! لو لم أعرف الطبيب الوطني سالم لم أستطع أن أضع زوجتي أمام اختصاصي. شيءٌ رهيب! ثلاث ساعات في المستوصف والشوارع المزدحمة!

      – كيف هي الآن؟

      – حالتها مستقرة. اكتشفنا إن ليس معها سوى غازات.

      – غازات . . ؟ غازات . . ذرية؟!

      – لا تسخرْ، كانت غازات وحموضة شديدة تمزق الأمعاء.

      – دلال نسائي معتاد . .كنا . . نتكلم . . قبل قليل . .

لكن عبدالرحمن لم يكن يصغي تماماً. راحَ يتلفتُ إلى الطالاوت المزدحمة وإلى النسوة الأوربيات الجميلات اللواتي كان شعورهن يتهدل، وإلى الرجال الذين يشربون ويأكلون، رافعين السلاطات الخضراء إلى أفواههم، وقطع اللحم، وكان البوفيه قد بدأ منذ ساعة، وفارت القدورُ المستطيلة بالروائح والبخار، وبدت الشعلاتُ الصغيرة في الأسفل كمواقد نيران أرضية أزلية، واقتربت خدود النسوة من الضوء والنار، وتراقص البرتقال بلا أغصان ولا جذور في الهواء، وقال عبدالرحمن في حمى شهوات مركبة:

      – نريد طبقاً من البوفيه. بي جوع ضار، وزوجتي بها غازات حارقة!

تكلم ناصر أخيراً:

      – كلُ شيءٍ بليد هنا.

تطلع إليه سيف بضراوة:

      – ماذا بك أيها السيناريست المعلب؟ كتاباتكم كلها في علب. . أذهب يا عبدالرحمن وأجلب لنا أطباقاً منوعة . .

وُضعت الصحون وظهر السمك سليم الأجساد، والذي صار عرضة لشوكٍ لا ترحم، وراح الأرز الأبيض يقفز في الأفواه، وسبحت الأسماك في نقع حمراء هاربةً من السكاكين دون فائدة، ولكن سيف لم يكن يُشهر أدوات يده، بل كان الفم يدخن ويشرب ويتكلم في آن:

      – قلت لناصر يا عبدالرحمن . . عن بحثي . . هو بحث سيكون . . مركزياً . . في حالة وعينا . . المتكلس . . الحالي . . وعي لا يزال . . في الأقماط الطفولية . . علينا أن نرى حالة الغرب . . الحصان . . الذي يجري . . في . . السهوب . . وليس الحمير الناقعة . . في مستقعات الدين . . والأمية . . لنقذف بهذه الملوثات في المراحيض . . سأذهب لأتبول . . تذكرتُ إن مثانتي مشحونتان . .

لكن عبدالرحمن لم يكن يصغي بكل جوارحه، التقط الجملة الأخيرة وهو يدهسُ بأسنانه رؤوس السمك:

      – تذكرت مثانتيك . . لا تضعهما في الشواية وأنت خارج . . . !

      – أود أن أقرأ هذا البحث الذي سيكون علامة مهمة ولا شك يا عبدالرحمن.

      – أوراق سيف مبعثرة كخلايا رأسه. عليك بهذه القطع المشوية من الحبار. إنها مذهلة. لكن المشكلة إننا بعد هضم كل هذه البروتينات سنجلس مع زوجاتنا المريضات.

      – لحس الحظ إنني لستُ متزوجاً.

      – دورة المياه لديكَ ستتكفلُ بالحيوانات المنوية المسكينة.

رجع سيف وهو يمسكُ الهاتفَ قرب أذنه ويحاول أن يلتقطَ الأصواتَ البعيدة في خضم ضجة الحانة.

ارتفع صوتهُ وهدأ عبدالرحمن تماماً وارتفعت أذناه.

      – الآن؟ نحن في النزهة . . لدينا برنامج . . لم يستكمل . . هنا . . في أية ساعة؟ أنتم . . ستتأخرون . . إذن؟ سوف نحضر، معي هنا ناصر التواب وعبدالرحمن المهزع . . نعم . . سيكون لقاءً . .  مهماً . . إذن!

كاد ينزلق وهو يجلس، عدل بدلته التي أفلت نظامها من يده، مثلما بدأ نظامُ الأشياءِ الثابتِ المستقر يترنحُ، وكانت هناك ضجةٌ للأطباق المرفوعة وأواني المأكولات تخلو بحديدها شبه الناصع وخطوط من المرق ضئيلة باقية، ولم تبدُ سوى العظامُ وهي تملأ الصحون، وثمة ضجيجٌ للمخلوقات المعتدى عليها، والمخلوقاتُ المعتدية تتجشأ وترتجف جلودها وتشع خدودها، ولم يبق سوى سيف لم يأكل وصحنه ممتلئ، والسجائر المشتعلة تذهب على الدوام إلى الفم ذي الأسنان المصطفة في بياضٍ متألق، وتجثم تحت الشفاه غير المظللة بشعر، وبدأ العصر يتوغل في الشارع الساقط تحت أقدامهم، وبدا فمه متعباً وهو يطرطشُ باللغة وببعض الخضرة:

     – إنهم سيتجتمعون . . أعتقد إنه . . اجتماع . . هام . . لا أستطيع أن أصفه بأنه . . تاريخي . . فهو . . لم يحدث . . كما أن الجماعة . . هي نفسها . . وثمة بعض الحشائش الضارة . . يوجد دينيون . . هذه الجماعة . . دائماً مغرضة . . لكن قد . . يسفر الاجتماعُ . . عن أشياء . . علينا . . أن . . ننهي . . الحساب الآن . . وليس إلى يوم الحساب كما يزعمون!

حاول ناصر أن يُخرج قطعاً نقدية، لكن سيف أسرع بوضع بطاقة الإئتمان على الفاتورة، في حين كان عبدالرحمن يقوم بالقضاء على العصابات الأخيرة من السردين.

أصر ناصر على وضع أوراقه، لكن سيف أزاحها بحماس، ولم يأخذ سوى ديناراً وضعه كبخشيش.

الذهاب إلى ضاحية البستان من مدينة أخرى ليس سهلا، رغم أن الغروب بدأ ينثرُ غلالةً دموية على سقوف المدينة، وشعتْ النوافذُ بالحراب، وامتلأت دورات المياه بالمنتظرين، وتراكضَ الندلُ يغسلون ويعيدون ترتيب الطاولات، وجرى موظفون نحو قاعات أخرى يضعون أشياء، وبدا إن مذابحاً أخرى للسمك سوفَ تحدثُ في أمكنة تالية وسابقة، فيما كانت شواياتٌ تدورُ دوراتها الأولى حول أجساد الدجاج، فيما تستعدُ أخرى بالفحم منتظرةً الأسياخ، والطباخون يجمعون الخضروات ويكورون اللحم، وتسربَّ ضيوفُ المساء إلى الأروقة يهمسون بكلماتٍ ويبحثون عن غرفٍ وصالات، وثمة فرقة تجربُ أصواتَها النشاز وقرقعة النحاس في آذان الخارجين والداخلين . .

وأخيراً تمكن سيفٌ من الخروج من الحمام، ورغم إنه لم يأكل شيئاً إلا بضع قطع أفلتت بصعوبة من فم عبدالرحمن، فقد مكث دهراً في ذلك المستطيل الصغير الضيق، وطرطشَّ المياهَ كثيراً، وخرج وهو شبه مغتسل، يسرحُ شعرَهُ المتقاطر بالماء، وثمة سيجارة منسية بين شفتيه، ونزلَ الركبُ كله في المصعد، وما يزال فمُ سيفٍ يتدفقُ بالتعليق على أشياء عابرة؛ سحنات الموظفين، والسجاجيد الملونة التي داس عليها آلاف المرات، والمزهريات التي ذبلَ فيها الزرعُ الأصطناعي، والزقاقُ الذي استقبلهم مخفياً إياهم عن جماهير السوق المتدينة، المتدنية بكلامه.

أما سيارة عبدالرحمن فكانت بعيدة، وهو ما جعل سيف يتذمر، بينما سار ناصر ورائهما، محني الرأس، خافت العينين كأنه نائم وما هو بنائم، بل شديد اليقظة لكل نأمة، وكان جيب سيف منتفخاً، وسقطت محرمةٌ ورقيةٌ منه، غير أنه لم ينتبه، والتقط ناصر ديناراً ودسه في جيب سيف الذي انتبه، وصاح مرحباً، وسقط على المقعد الأمامي، وأخرجَ العلبةَ الباردة من جيبه.

مشت السيارةُ ببطءٍ بين زحامِ الحديد والعظام، وغربتْ الشمسُ، وتفجرتْ المصابيحُ، وما زال سيفٌ ينفثُ الكلامَ ويحتسي، وجعلهُ قصرُهُ كأنه قزم في المقعد، وراح يتحدث:

      – علينا أن . . نحركَ . . كل . . هذه الطاقات الصديقة . . من أجل . . هدفنا . . وهو هدف عظيم . .

وساروا في شارع اللؤلؤ وتطلعوا إلى بقالةٍ مغلقة، وتذكروا صاحبها الذي كان يدسُ لهم علبَ البيرة في الأكياس، يعرفُ سحناتهم وينطلقُ لزقاق جانبي ويحضر البضاعة، وكم مرة هجمت عليه الشرطة واقتيد إلى السجن، ثم خرج، وأولاده يتكاثرون، ويشربون، ويقرأون، حتى مات ابنه رفيقهم في حادثٍ مروري مروع في الطريق البرية بين الكويت والسعودية، بعد ذاك حزنَ كثيراً وانزوى، والآن البقالة الصغيرة المضيئة البهيجة وسط محلات الحديد وورش الصباغة والبيوت الرثة معتمة.

يقول سيف:

      – مظلمة . . مثل كل شيء . . الآن . . إنهم يظلِمون . . حياتَنا . . كان سعيدٌ هنا رأيناه فتى، ثم شاباً، يزقزقُ كعصفور . . بالأوراقِ والشعر والقصص . . لا يجدُ عملاً . . يسرق . . يُقبضُ عليه . . يُعذب. . يخرج . . ليكون شبه ممسوس . . حتى كان موته . . السيارة المندفعة بأقصى سرعتها . . هو يطلبُ أن . . تسير . . السائق يندفع . . الإطار ينفجر . . السائقُ يفرملُ بقوة مفاجئة عظيمة . . سعيد يخرجُ من الزجاج . . نحو صخرة!

يقول عبدالرحمن:

      – كفاكَ مأساويةً الآن، نريد أن نتمتع.

ناصر في المقعد الخلفي يتحرك بانفعال يقتربُ رأسُهُ من سيف:

     – زارني مراراً، ثمة موهبة نارية في روحه، الكلماتُ القليلةُ التي صنعها مذهلة. كنتُ . . خلال . . سنوات أحاول ذلك بدون فائدة. أقول له أهدأ. أسكنْ قليلاً، كفاكَ حراكاً وتجولاً بسيارات مندفعة في البرية بين الدول.

النغمةُ الحزينة في صوتِ ناصر نادرة، وتدلُ على فجيعةٍ متوارية كثيفة، فاهتاج سيف:

      – ألم أقل لكم . . إن كل شيء . . هنا معتمٌ ومريض؟ مجتمعاتٌ مستنقعاتٌ . . تنتجُ كائناتٍ ممسوخة . . تظهرُ فراشاتٌ . . تحلقُ قليلاً . . تشعُ نوراً . . وفجأة تتحدُ بالطين والزيت الكثيف . .

      – لو كان حياً الآن، مثلما كان صغيراً هنا، لركض بالكيس، وأخذ النقود!

      – كان يأخذُ النقودَ دائماً، وكبر، وأعطيناه ورقاً وكتباً حتى حلق!

مضتْ السيارةُ مترنحةً بين إشارات المرور الكثيرة، والزحام، وأضواء المطاعم التي ازدهت بألوانها وأضوائها وفجرتْ الجوَّ بروائح الشوي، وترامت المقاهي قرب الأرصفة فيها حشودٌ من الرؤوس الممتلئة بالدخان، وغابة أخرى من الرؤوس تحصد الفروج وشوربة الأمعاء وتغضنات جماجم الغنم، وحشودٌ أخرى تمضي في الدورب، والسيارات كثيرة كأنها متوقفة.

ولا أحد يدري بالموتى والشهداء واحتراقات العقول. يهتف ناصر:

     – حاولت أن اعثر على كراس واحد كأثر من سعيد فلم أحصل، بل حتى على ورقة. اختفى كأنه لم يكن. لا يزال مخه منثوراً على صخرة برية في الطريق الصحراوي!

تجمد سيف وهو يطالع الأضواء المتراقصة، ويجد العمرَ كأنه سراب، ويتذكرُ لينا التي رقدَ معها ليالٍ جميلة في برد الشمال وكانا دافئين من الفودكا والشهوة.

صرخَ فجأة:

      – نفدت السجائر! أريدُ دخاناً، أريد دخاناً!

كان الآخران لا يدخنان وقد غرقا في سحابة من سجائره، ولم يرفعْ عبدالرحمن الزجاجَ إلا قليلاً.

ولم تكد السيارةُ تقف عند المشرب والمطعم حتى قفز سيف إلى البرادة مندفعاً إلى قسم السجائر، ثم تناول جريدة وهو يخرج، ووجد صديقيه قد تواريا.

دخل بشكل احتفالي إلى مشرب(الأشياء القديمة)، وهو منزلٌ قديمٌ ذو طابقين تحول إلى مرفق سياحي عصري، لكنه احتفظ بكل رثاثة ماضيه، فالبيتُ العتيق لم يُجدَّد تماماً وتـُركت غرفُهُ وممراتهُ متداخلةً مشوشة مما كان يزيد السكران سكراً، وأُضيفت إلى ديكوراته الفقيرة حشودٌ من الأشياء القديمة الرثة، فهناك صور فوتغرافية لممثلين ومغنين قدامى انتشرت على كل الجدران، ولم يبقْ كتابٌ أصفر قديم، أو ماعون رث إلا واعتلى تلك الرفوف المتناثرة المتقطعة في الغرف.

وكان الحضورُ لا يقل عن تلك الأشياء عتقاً، فهنا جماعةٌ من السكارى المعتقين، ذاقوا الخمرة التي تصنع محلياً بعد الحرب العالمية الثانية فلم تعد البيرة الحديثة تجلب سكرتهم إلا حين ينفد مخزون المشرب تماماً، وتبدأ ثيابهم بألوان بيضاء ناصعة ثم تتأثر بصدأ الدلال والغواري التي تحتك بها، وبغبار الكتب المتساقط، وبمأكولات البوفيه الرخيصة وخاصة الشوربة الغليظة ويخرج كلٌ وقد تبدلت سحنته تماماً وتفكك لسانه.

وسيف طالما جلس معهم، واندمج في جمعهم، ضاحكاً مفرفشاً، غاضباً، متحدثاً بليغاً، ولم يخلُ يومٌ من شجار، وتبادلُ لكماتٍ، وهو الآن يسلم عليهم، ويرى عيونهم المتسعة الخاوية إلا من بروق بلا ماء، ويتدفق بكلمات مرحبة متذكراً ألقابهم وتعليقاتهم المختصرة، ثم يمضي مدخناً إلى صديقيه اللذين احتلا طاولة، وقال بمرح:

      – ما أسرع جلوسكما أيها الوغدان الرائعان.

وصمت عن التعليق حين رأى بيرته المعتادة جالسة في انتظاره ببرودتها العارقة.

جثم ناصر في هدوء شاعري رهيف، وكانت تدغدغُ حواسَهُ قصائدٌ غيرُ مرئيةٍ في المكان، فأدواتُ البيوت ومرايا الطاوويس والغرامافونات الصامتة الصدئة وكانت من قبل تصدحُ في زمن البرك والنهيرات والنخيل والقوارب المجدفة في المياه، وكانت اصداؤها في ذهنه كأنها راقصاتٌ من نور وحبور، وكان صاحبُ المشرب قد فكر بدايةً بتحويل البيت القديم إلى مسرح، وعرضَ عليه أصدقاؤهُ أن يكتبَ مسرحية مناسبة لهذا المكان ولباكورة النشاط المبهر المتوقع، فكتب مسرحية عن الأشباح والقتل والأمراء، لم تـُقبل نظراً لسودوايتها الكثيفة وطبقات معانيها المركبة، وأسرع المكانُ ليكون حانةً رخيصةً واحتفظَ بالأشباح.

وكان ناصر لا يزال يفكر في  سعيد، وخلايا مخه ويظن إن خلايا مخه هو على صخرة أخرى، ويعرجُ مفكراً في بيت الأهل يخربش ذاته بضجيجه، وكوابيسه، فسوف يعود لغرفته الصغيرة المحذوفة في آخر ممر ضيق، لينزوي ويستعدُ للصباح والذهاب لمكتب الشركة، وللدوام المقلقل لضلوعه، وليعطي حبات بصره القليلة للورق وفواتير الشركة.

صاح سيف:

      – انظروا ماذا يكتب فريد القرش عن رجال الدين؟ أي هراء وأي مدح سخيف؟

كانت الجريدة تكاد تتمزق وهي تـُنشر، وتدفق:

     – يوهم القراء بأن هذه الأشباح . . العائدة من . . الكهوف قادرة على قيادتنا إلى العدالة . . و . . . و. . . إلى آخر هذا الهذيان!

تطلع عبدالرحمن في السطور بتأن، وقرأ لبرهة، في حين أصغى ناصر لصوت العصافير التي نزفت على الشجر، وللأضواء التي ازدهرت وراء النوافذ، وثلة المطاعم والحانات التي انتشرت فابتسم، ولم يثر فيه أسم فريد القرش سوى الامتعاض، كان عندما يراه يصيح في وجهه:

      – أي كتابات هذه يا ناصر التواب؟ كلها غموض، غموض، أليس لديكم شيء واضح كالنصل لهذا الواقع الرديء؟

كان دائماً يخطب، ويمشي كأنه يحمل رشاشاً يقتل البعوض والتجار الكبار، ويحنط المصرفيين كتماسيح على الجدران.

قال عبدالرحمن:

      – ليس في المقالة شيء مهم، إنه يأمل أن ينضم رجال الدين إلى حركة التغيير.

وصرخ سيف:

      – كيف ينضمون لحركة . . التغيير . . وهم . . صخور . . تمنع تدفق مياه الشلال النظيفة؟ هذا . . هراء! هراء! اعتقد إنه أسخف هراء قرأته! وتعرفون . . سوف يكون . . فريد . . موجوداً . . الليلة . . في مجلس عمران . . الأصمخ!

تحركتْ السيارةُ من جديد، وصار الطقس أجمل مباركاً الاحتفال المستمر، وملئت السيارة بالعلب الباردة، وشقت طريقها في شوارع خف الزحام فيها قليلاً، وجاء البحر بعد برهة وحيداً متلحفاً بالظلام، إلا من أنوار بعيدة لمدن نامت مبكراً، وكانت أمواجه تضرب الشواطئ والجسور برفق، وتوغلت السيارة في مدينة أخرى وفي شوارع راحت تضيق شيئاً فشيئاً، وصار الحجرُ يتنفسُ بصعوبة، من الحر ومن الشعارات المكتوبة الكثيفة التي يرتفع فوقها أيضاً صبغٌ تليهِ شعاراتٌ أخرى، ولم تجد السيارة ساحة أو موقف فاستندت أيضاً على جدار.

خرجت الثلة تبحث عن دربها بصعوبة، لأن الحارةَ الواسعة ذات الطرق الكثيرة، والسبل الملتفة، كانت ذات بيوت قديمة، بعضها تدلت أمعاؤه للطريق، وبعضها حديث متوهج بالصبغ والأضواء الكثيفة على الداخل، والشحيحة على الخارج.

ورغم أن سيفاً وعبدالرحمن قد جاءا مراراً لبيت عمران الأصمخ وأبليا في حواراته الصاخبة وتعاركا كثيراً في غرفه الضيقة، إلا أن عبدالرحمن ركن السيارة في مكان بعيد فيه بعض الفراغ، لم يكن يعرفه تماماً، وحاول أن يصل للمكان المألوف لديه فذهب إلى مكان لم يعرفه أطلاقاً، فأخذوا يدبون في الظلام والدروب الغريبة، ولم يستعملا هاتفيهما خوفاً من سخرية الجماعة هناك، في حين كان ناصر يضحك، حتى اهتديا إلى طريق يعرفانه فوصلا.

حتى إذا طرقا الباب وفـُتح لهم، دخلا بصلابة واستقامة وصمت إلا من تحيات مقتضبة تقتضيها أحوال السياسة والحنكة، وجرا كيسهم الضخم المليء بالعلب المحرمة عند البعض، وحدقا في الحضور بتوتر، فهناك ثلة من أصحاب اللحى، وثلة أخرى من أصحاب البدلات، وثلة ثالثة من أصحاب البنطلونات والقمصان الرثة، وكان القومُ قد جلسوا على كراسي وقربهم طاولات في حوش فسيح ووراءهم مبنى رث شبه متداع، في حين كان عمران  الأصمخ يجلس عند طاولة الرئاسة يحدق في الحضور بنظارته ذات العدستين الكبيرتين ووراءهما عينان واسعتان.

 وكاد سيف أن يصطدم بفريد القرش الذي كان عائداً من الحمام ويعبر الحوش، اهتز سيف فجأة واضطرب وصرخ:

      – أي كلام سخيف كتبته في الجريدة اليوم؟ وأنت أصلاً إنسان لا يكتب؟!

لكن كان فريد هادئاً، ذا ملابس أنيقة، وجسم مسترخ، فأجاب:

      – هذا رأي وتستطيع أن تكتب أنت رأيك.

      – أي رأي هذا وأنت علماني تقدمي كما تزعم وتروج لهؤلاء الجهلة؟!

      – معهم الناس يا صديقي!

      – طز في الناس!

      – هذا رأيك!

وسبب هذا الحوار، أو المشاحنة، صخباً عارماً غير متوقع. فانفلتت الألسنُ وقام كل شخص خطيباً، فرجال الدين صخبوا بأقوال مثل(ما هذا الكلام؟ هذا لا يجوز بين أخوة وأصحاب قضية واحدة!)، فيما كان آخرون يؤيدون موقف سيف ولكنهم يطالبونه بالهدوء واحترام آداب الحوار.

حتى انبرى عمران الأصمخ في موقعه البارز، وضرب على الطاولة مراراً بتشنج، حتى هدأت الأصوات وجلس القوم الواقفون وصمت المثرثرون الجانبيون الذين وجدوها فرصة ليتحدثوا عن أشياء أخرى.

تحدث عمران بهدوء، وراح يعطي فرصة الكلام لكل متحدث، فنهض الشيخ سلطان العرادي وقال بعد المقدمات الدينية وهو ينظر بقلق وتذمر إلى الأكياس التي تـُفتح وتظهر منها علبُ البيرة، وإلى الأواني التي وُضعت واستلقت فيها تلك العلب بين الثلج:

      – أيها الأخوة نحن مجرد قوة صديقة تـُضاف إلى الحركة المباركة الناهضة في البلد محترمة كل الأفكار وخاصة أفكاركم أنتم فطالما بذلتم تضحيات، وقدمتم الشهداء ولكنكم لم ترتكزوا على إرث هذه الأمة، وضاعت جهودكم للأسف الشديد ..

وتفجرت الكلمات والخطب من اشخاص عديدين:

      – تلخيص بليغ لتاريخ مضطرب!

      – كلامُ حق يُراد به باطل!

      – اسكتوا دعوه يكمل!

      – الأمر واضح أصحاب اللحى يريدون السيطرة علينا.

      – تشربون المنكر وتريدون العدل!

      – هذا ليس اجتماع، هذه حظيرة!

وانهمرت الخطب والكلمات ونهض أناس قـُطعوا وجلس الشيخ سلطان وراح يهمس للمقربين منه، وضرب عمران على الطاولة مراراً دون أن يُستجاب له، وفي الختام دعاهم الشيخ سلطان للحضور يوم الجمعة لمسيرة كبرى بعد صلاة الظهر.

السيارة توغلت بين البساتين، ألقت أعشاب وأوشاب الكلام وحدقت في النخيل الخرافي والبحر، كان الصراخ يتساقط مع الدخان، والثلاثة يتذكرون ضجيج الاجتماع، الذي طال إلى عمق الليل، وجعلتْ روائحُ الخمورِ الشيوخَ يسكرون فراحوا يتعتعون، واقسموا أن لا يجلسوا في حضور ابنة الكرم، وكان هذا بداية انقسام عميق بين من يشربون ومن لا يشربون، بين المجالس التي تسمح بشرب المسكرات وتلك التي لاتسمح، واعتبر سيفُ ذلك انتصاراً للحركة العلمانية، وخيم لسانه طويلاً حول دعوة الشيخ سلطان للحضور ظهر الجمعة، واعتبرها فخاً وكلم الأصمخ وصديقيه وآخرين لكي يقاطعوا، ولكن البلبلة كانت كبيرة، ونهض فريد القرش ووقف فوق إحدى الطاولات مزيحاً أطباقاً فارغة ورقية، عركتها الأكف، وصرخ( هذه هي الدعوة المطلوبة لنصطف جميعاً وراء الشيخ سلطان ونحول الجماهير إلى سيول عارمة والنصر لنا!)، واثارت تلك الخطبة الزاعقة المرتجلة غضباً عارماً خاصة عند سيف الذي كاد أن يزيح الطاولة ليسقط فريداً، ولكن سواعد عديدة أمسكت يده العظمية الضعيفة. وخرج فريد وهو ممزق القميص، معفر الرأس بالتراب، ولكنه لا زال يهدر بخطبته، ولم يضع شيوخ الدين في الأزقة الأفعوانية فقد كانت سيارة كبيرة تنتظرهم. أما هم فقد اضاعوا سيارتهم فترة حتى وجدوها.

كانت البيوت تتراءى لهم كتلاً من العتمة، ثم ظهر البحر كسجادة مضاءة بنور خافت، وهتف ناصر:

      – لنقف هنا لحظة ونتأمل الشروق!

وسأل سيف متلهفاً:

      – هل نفدت العلب؟

      – ثمة أخريات أخيرات!

      – يا لكفاحهن العظيم!

ظل سيف متحمساً، بل اندفع بكل خلاياه وأعضاؤه الصغيرة الصلبة وكأن الاجتماع لا زال منعقداً، وكأن الشيوخ لا زالوا جاثمين قربه، وردد جملة واحدة مئات المرات(لا، لا يمكن أن نقبل بهم!)، (سنلقي بهم في مزبلة التاريخ!)، في حين راح صاحباه يهدآن بعد تلك الضوضاء، وقال ناصر بأن الدين قوة خطيرة وها هو يجر الجماهير عبر القارات في أتون الثورات والمعارك والحروب، وأن الجهلة ترفع هؤلاء المعممين لتستبدل مقبرة بأخرى، فلا بد من درس هذه القوة الغريبة المخيفة التي ظهرت كالوحش والنور من  الكهوف، وقال عبدالرحمن ببروده إن هذه كلها سحابة صيف ورغوة وإن الهدوء والصبر كفيلان بزوالها، في حين ثار سيف غاضباً( أي قوة هذه ؟ أي سحابة هذا كله هراء، هراء ، هراء!).

مضت السيارة على الساحل الذي امتلأ بالحفريات وتلال الأحجار والألسنة الترابية التي توغلت في مداه المائي المتقلقل، ثم وجدت الطرق المبلطة الفسيحة، وكانت المقاهي نائمة، ولم يبق منها سوى كراس رطبة، في حين خلت الطرق من المارة والسيارات، وجاءت طائرة من الأعالي وبدت كدائرة من الضوء الساطع ومالبثت أن تضخمت وهدرت وهزت طبقات الهواء بعنف وراحت تنزل على شريط المدرج الطويل.

وتوغلت السيارة في زقاق ضيق، حيث قوارب تلحفت أو اهترأ خشبها وتقاعدت، فيما بدت هياكل خشبية منخورة لسفن قديمة. وأخيراً توقفت عند بيت كبير، معتم، وراح سيف يثرثر فيما محرك السيارة يدور وعبدالرحمن ينتظر نزوله، وأخيراً أفرغ العلبة في جوفه، ووضعها في السيارة، وسلم، ومضى إلى جوف البيت الذي لم يكن مظلماً تماماً، فحجرة أمه وأبيه مضاءة، وثمة شبح واقف كأنه ينتظره منذ زمن طويل، ولم يكن سوى أبيه، الذي تقدم بخطواتٍ واهنة منه.

 2 ➽

كان واقفاً على شريط الطريق كأنه ينتظر شخصاً، ولم تزل جريدةٌ بين يديه وسيجارته في فمه، وكانت الشمسُ قد ارتفعت إلى كبد السماء، وبدت الاختراقات الترابية للبحر واسعة، والجرافات تشتغل على مدى النظر، ولا تصل ضجتها، فيما ظهر طريقٌ آخر للمدينة غير الطريق الوسطي القديم الوحيد، الذي كان يخترقها من الرأس حتى البيوت الصغيرة القليلة في الجنوب المغتسلة بمياه البحر، وهو الذي كان ينفث وسائل النقل والبشر والحيوانات، وتصطف على جانبيه البيوت والمقاهي والدكاكين، الطريق المتعرج شريان الحياة ودرب الخروج من المادة وزنزانات الحصى.

وكانت السيارات تمرُ به وكل سائق يحدقُ فيه ويسأله إذا كان يريد توصيلة، لكنه يهز رأسه نفياً، وهو يتحرق الجلوس والتدخين في مكان مكيف وشرب الشاي، حتى ظهر أحد معارفه وهو مدرس تأخر ذلك الصباح عن الذهاب لعمله.

ولم يركب بسرعة وسهولة، ثم جلس بجمود، وكان الآخر يثرثر محيياً منطلقاً في حيثيات الحياة اليومية الغبية، وكان رأس سيف ممتلئة ببخار عظيم، وطنين الاجتماع، وبالشريط السينمائي للسيارة، وثمة صداع وحزن غامر وضجر مخيف، حتى إنه لم يكن يرى الطريق، ولا يسمع محدثه إلا كصدى قادم من مجهول، وبدت له المدن المتتابعة الصغيرة المتلاصقة كمقابر، والبحر الكبير المتقطع، الظاهر  هنا وهناك، ككفن، ويتساءل لماذا يذهب كل يوم لذلك المكتب ليحسب الفواتير ويتغلغل في الممرات السرية للشركات مثل فأر يشم الأرباح والخسائر، في حين أن الأرض واسعة تناديه، والفنادق مثل الحدائق؟

يضعه المدرسُ على الرصيف تحت بناية عملاقة، وأوبواب زجاجية وواجهات ملونة، وثمة سواح يأكلون، وبشر يعيشون، وهو يتذكر كلمات أبيه التي تغوص في صدره مثل قطع الزجاج، شفراتها تتساقط في قهوته، (أمك مريضة تحتاج إلى أدوية كثيرة)، ولم يعطه سوى ورقة مالية واحدة، كانت آخر ما بقي من السهرة النازفة، عليه أن يحمل أبيه وأمه ككهلين إلى الآخرة، لماذا؟ كان البيت عندما جاء إليه خرابة، يمتد من الشارع الوسطى العتيد حتى أعماق الحي، ويبدو كأطلال وأخواه تركاه واستقلا بنفسيهما بعد أن تزوجا، فراح هو يرممه ويبني جزءً جديداً، حتى صار البيت جديراً بالسكن، والآن عليه أن يتابع الحالات الصحية للكهلين كل يوم!

نفدت القهوة الثانية، والعاملة تخاطبه وهو صامت، وراح يتعكز على ساقيه المتعبين إلى المبنى الذي تقع فيه مكتب المحاماة.

وحين دخل رأى صاحبها ومديرها يتطلع فيه بتوتر، فجثم في مكتبه ووضع التليفون على الصامت، وطلب قهوة، وراحت السجائر تشتعل، وقلمه يجري فوق سهوب الورق الأبيض مغلفاً بالسحب  متوغلاً في أوضاع المتهمين، مخرجاً الثغرات من حشود الأقوال والبيانات وحيثيات الاتهامات، راجعاً إلى القواميس والمراجع القانونية الثقيلة، مترجماً فقرات بعدة لغات، عائداً إلى اوراقه التي راحت تنمو بتوسع مدهش، وبدت الزنزانات تـُفتح، والمتهمون يخرجون من تحت أكوام الحصى والخشب والكذب، واستوت المذكرة، ونمت صيغة العقد وترابطت نقاطها وعلاقاتها، وكانت الظهيرة تقرع في رأسه، وتراءت العلبُ الباردة، وتحركت مقاعد ومصاعد في البناية التي راحت تهتز كأنها راقصة، وتطلع إلى الساعة فوجد نفسه متأخراً، واستدعى السكرتيرة واعطاها المرافعة ومسودة العقد فأضيء وجهها فرحاً وجرت نحو الرئيس.

يعيد تشغيل الهاتف. يتحرك نحو الخارج. كانت الظهيرة مشتعلة. الشوارع مليئة بالسيارات، المارة كثيرة ولا أحد يتوقف أمامه، جيش من النمل، ولا أحد يتطلع للآخر، خطوط سكة حديد من العظام. الجميع متوجه إلى منازله، أو يعود بعد وجبة غداء بسيطة لسجون الشركات. أرقام هواتف أصدقائه تظهر على الشاشة. يصل إلى (النزهة).

يسير متخشباً إلى الثلة. يتطلعُ إليهم من منصة بعيدة. يبتسمون ويضحكون إليه، لكنه يجلس على مقعد وضجيجٌ حوله لا يأبه به. يلاحظ وجهين جديدين. الجرسون يسرعُ نحوه بالعلبة المعتادة. لم تكن برودتها جيدة فيرفع صوته محتداً. يجري عائداً ثم يعود بعلبة أخرى تغطيها فقاعاتُ الماء البارد.

يقول: خرجتُ من الأسر ولكن عباءة من الغبار والصدأ فوق مسامي، تمنعي من الفرح. سطور الاتهامات تلاحقني.

يدفق العلبة الأولى، يتضح له وجود عبدالرحمن البهيج، ووجود ناصر الكئيب، وهناك بلال وهو موظف متصدئ آخر، ثم عدنان المدرس ذو الطول الشديد ومنارة العقال على رأسه.

علبتان تغيران المزاج، يبتسم قليلاً، يتطلع إلى ناصر الذي لم يره لفترة، حيث يغيب طويلاً ثم يظهر، يعتكف، ينادم الورق، يُسجن في العمل طويلاً، يبيعُ ماءَ نظرهِ على شركة التأمين، كل مياه الينابيع الفوارة بالفرح لا تجعله يغتبط كثيراً، نادرة هي المرات التي يراه فيها ضاحكاً إلا من نكات قوية.

يتحدثون عن تجمع يوم الجمعة بعد الصلاة وكيف جذب جمهوراً غفيراً، امتلأت الساحات وهدرت وحطمت مصابيح وعلامات مرور وعادت لبيوتها.

يقول عبدالرحمن:

      – الأمر مقلق، ليس كما قال صديقنا سيف بأن الحدث زوبعة في فنجان.

كان يستفزه ليتدفق، لم يعرفوه متخشباً، وكانت المياه تفور فيه، وهو مصابٌ باكتئاب عابر قبل العلبة الثالثة، وإذ القوم يمضون إلى زوجاتهم وأولادهم وحماقاتهم وكتبهم، إلا هو وبلال، وصاح فيه فجأة:

      – أي أسم هذا؟ من بهدلك هكذا؟!

      – إياك والسخرية مني، فأنت سيف . . !

بدأ الانتعاش يصعدُ في كيانه، وجد بلالاً متردداً في الشرب وهو يتحسس جيبه، فطلب من الجرسون علباً له، فانتعشت أخاديد وجه بلال، وساح الزيتُ منها، وتدفق بالأحاديث والنكات، وتقرب جسمه من سيف حتى حاذاه وصار لصيقه.

      – هؤلاء الدينيون يجب إزالتهم!

      – تعجبني!

      – لكننا بحاجة لقائد، لمفكر يقود هذه الجحافل، وأنت كانت لديك كتابات ثم توقفت، حروفك كانت ملهمة للكثيرين!

      – لا، لا، لم أتوقف . . أنا أكتبُ بتمهلٍ وتأن ودراسة . . هذا فكر . . يحتاج للكثير . . من القراءة . . لدي أفكار . . كبيرة . .

      – البيرة وحدها مغذية، ولكن الجوع كافر!

رفع سيف يدَه بقوة وكبرياء، وجه للجرسون أصبعه الصغيرة:

      – أحضر غداء اليوم!

ازدادت أسارير بلال إنفراجاً، خاصة حين جاء الفروج المشوي بكل أبهة، ورقد على صحن كبير وحوله غابة من الحشائش والخضروات والبطاطس المقلية، فتدفقت خطب بلال فجأة:

      – لكن لا بد لك يا عزيزي من جمع كل هذه المواد المتناثرة في الصحف . . ووضعها بين دفتي كتاب . . . سوف يلعب مثل هذا الكتاب دوره في تغيير . . المجتمع . .

      – أظن ذلك. .  لكن لا . .

واثارهما حضور امرأة شقراء، فكان بلال يأكل ويغمز ويضحك، ويشير إلى جهة وأخرى في حركات مرحة مغتبطة، في حين أنشد سيف إلى ذلك الجسم المدهش، وإلى الكبرياء وعدم الاهتمام بهما، وراحت المرأة تشرب وتدخن وتتصل.

بلال المتخم السكران وجد صاحبه بلا سيارة، وجاء الليل، وضجت الأضواء والسيارات في الطرق …

  • Social Links:

Leave a Reply