قراءة في كتاب …..ليس هذا ما أريد

قراءة في كتاب …..ليس هذا ما أريد

الكاتبة: رنا صائب الأتاسي.

قراءة: احمد العربي

رواية ليس هذا ما أريد، تعتمد أسلوب السرد الذاتي بلسان بطلتها، زمن أحداث الرواية في بدايات الألفية الثانية. بطلة الرواية ليلى، فتاة في مقتبل عمرها، تعيش مع عائلتها في مدينة طرطوس الساحليّة السوريّة، والدها يعمل هناك، هي تعمل في المجال الصحفي، في إحدى الجرائد، مسؤولة الصفحة الأدبية، عندها اهتمامات شعرية، وتجد نفسها منجذبة دوماً للفن التشكيلي، لها مرسمها الخاص، تقضي معظم وقتها الفارغ بين لوحاته وألوانه، ترسم ما يجول في خاطرها. ليلى فتاة تعيش حياة مريحة، ترصد نفسها، هي في سنّ تحتاج فيه للحب، تنتظر أن يتحرك قلبها لأحدهم، أغلب دائرتها المحيطة من الشعراء الذين تتعرف عليهم في المراكز الثقافيّة، وعبر مناسبات مختلفة.

تعرّفت على حامد الشاب من ريف دمشق، يكتب الشعر، زار طرطوس لأكثر من مرة، وتعرّف هو أيضا على ليلى، حصل بينهما تناغم نفسي، فسّرته ليلى بأنه: جنين حب ينتظر الولادة، استمروا باللقاء في كثير من المناسبات، ليلى أيقنت أنّها تحب حامد، انتظرت مبادرة منه فلم تأت، وسرعان ما بادرت هي عبر رسالة بعثتها إلى جوال حامد تخبره بها أنّها تحبّه، تجاوب حامد مباشرةً. وعاشا إحساس حب ولقاءات ممتلئة بالبهجة والسعادة.

لم يتقدم حامد بأي خطوة بعد ذلك، لا إشعارها بضرورة أن يخطبها. وما بعد ذلك من زواج يتوّج هذا الحب، كانت ليلى قلقة لذلك، خاصة أن صديقهما المشترك عامر، الفنان التشكيلي، أخبرها أن اعترافها لحامد بحبّها جعلها عنده ضعيفة، وأنه قد يفكر أن يستغلّ حبها بعلاقة جسدية غير شرعية، بدل الارتباط بالزواج، أُحبطت ليلى ولم تصدق ذلك تماما، وكانت مترددة بين أن تقدم له نفسها تعبيرا عن الحب، كما هي تتوق، وبين أن تنتظر أن يعلن لها عن ضرورة اقترانهما معا عبر الزواج.

إننا أمام عمل روائي يذكرنا في المرحلة الرومانسية للرواية العربية، حيث الكتابة الممتلئة رغبات، الرواية المعبّرة لمشاعر كاتبها، دون أي صلة مع الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيش فيه بطلة الرواية

تمرّ الأيام واللقاءات بينهما دون تطور يُذكر، إلى أن علمت بزواج حامد، وأنّه عبّر لها عن استمرار حبّه لها، لقد تزوج قريبته، وأراد ليلى عشيقة سريّة. جُرحت ليلى نفسيا، قطعت علاقتها بحامد، وغيّرت عملها في الصحيفة، وتحوّلت إلى صفحة السياسة وما صاحبها من مستجدات على مستوى القضية الفلسطينية، واحتلال الأمريكان للعراق وما صاحبه من مآسٍ، ساعدها في ذلك صديقها عامر.

وسرعان ما تجاوزت حامد وانخرطت في عملها الجديد، والتقت بمجموعة صحفيين عرب في دمشق ضمن دورة صحفية، اتفقوا على الانتقال للعراق لمتابعة وضع الاحتلال الأمريكي ونشاط الإرهابيين الذين يقتلون الناس عشوائيا هناك، فعلاً توجّهت المجموعة الصحفية إلى بغداد، عاشوا الوضع الأمني المتردي، شاهدوا الخراب، والصراع الطائفي، والتغيّرات التي تطال حياة البشر وممتلكاتهم، لقد أصبحت الحياة في العراق قاسية ومستحيلة، وسرعان ما ستصبح ليلى وفريقها شهوداً على ما يحصل عبر كاميراتهم، الأمريكان يحذرونهم، والشرطة العراقية تساعدهم، الإرهابيون يترصدون حركتهم، وأخيراً يختطف الإرهابيون ليلى ويستجوبونها،  ويقررون قتلها، متهمين إيّاها بالعمل ضدهم وخادمة للأمريكان، استطاعت ليلى التخلص من الإرهابيين بمساعدة أحد الأصدقاء ممن يعمل مع منظمة صحيّة عالميّة، تعود ليلى إلى سوريا، نفسها ما زالت تتوق لحب لم يكتمل تحققه.

كان على الرواية أن تطل بعلميّة ودراية على ظروف زمانها ومكانها بدقة ومسؤولية، لا يعذر الرواية كون الكاتبة تعتمد التقية، بحكم حياتها في ظل نظام استبدادي

هنا تنتهي الرواية.

وفي تحليلها نقول: إننا أمام عمل روائي يذكرنا في المرحلة الرومانسية للرواية العربية، حيث الكتابة الممتلئة رغبات، الرواية المعبّرة لمشاعر كاتبها، دون أي صلة مع الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيش فيه بطلة الرواية، ماذا عن سوريا في بداية الألفية الثانية، كانت تمرّ بمتغيرات كبيرة، وفاة الأسد الأب، وانتقال الحكم إلى الابن، وعود التغيير الديمقراطي، ثم انقلاب الحكم على السياسيين والمثقفين وإعادتهم إلى مجتمع الصمت والطاعة والاستبداد، وإن تمادى البعض فإنّ مصيرهم السجون والمعتقلات.

تظهر الشخصيات الروائية وكأنها تعيش في عالم افتراضي لا نعلم عنه سوى اسم المدينة الساحلية طرطوس. وعندما أرادت التحدث عن السياسة اختارت الحديث عن العراق والاحتلال الأمريكي، وهذا حقها، لكن لماذا انصبّ الحديث عن الإرهابيين فقط؟ ماذا عن الحكم العراقي قبل الاحتلال الأمريكي، مشاكله وأخطاؤه؟ ماذا عن الأمريكان وما فعلوه بالعراق من مآسٍ قبل الاحتلال وفي أثنائه وبعده؟ ثم ما سبب وجود الصراع الطائفي في العراق، ولماذا أصبح الإرهابيون إرهابيين؟!.

هل نقبل فرضية الغرب؛ بأنّ الدين الإسلامي يولّد الإرهاب ويصنع الإرهابيين بالضرورة؟ ما الظروف التي رعتها أمريكا والأنظمة الاستبدادية لصناعة إرهاب يسيء للدين الإسلامي، ويقتل الشعب ويخدم أعداء الأمة. بالمختصر كان على الرواية أن تطل بعلميّة ودراية على ظروف زمانها ومكانها بدقة ومسؤولية، لا يعذر الرواية كون الكاتبة تعتمد التقية، بحكم حياتها في ظل نظام استبدادي، أصبح سجله الدموي بحق شعبه أكبر من أي سجل دموي لأي نظام في التاريخ.


  • Social Links:

Leave a Reply