دم المسيح ودم الحسين بين الفاتيكان وإيران

دم المسيح ودم الحسين بين الفاتيكان وإيران


د.أحمد محمد كنعان

في مؤتمر الفاتيكان الثاني الذي عقد في عام 1963م انعقد مجمع كنسي لبحث مواضيع عديدة بهدف تقوية الوحدة المسيحية، وفي الدورة الثانية منه : قدّم الكاردينال الألماني بيا ” “Biaوثيقة تمهيدية صدرت فيما بعد تبرئ اليهود من دم المسيح عليه السلام .
ومما جاء في الوثيقة : لا يجوز أن ننسب إلى يهودِ عصرِنا ما ارتُكب من أعمال أيام المسيح، وبرر الكاردينال كلامه بأن كثيرين من اليهود لم يكونوا يعرفون شيئاً عما حدث، بل إن بعضهم استنكروا فعل الكهنة الذين ارتكبوا هذه الجريمة .
وقد برأت الوثيقة النهائية أجيال اليهود اللاحقة من وزر هذه الجريمة، وحصرتها في عدد قليل من كهنة اليهود الذين حرضوا على الجريمة أو شاركوا بارتكابها ، ومما جاء في هذه الوثيقة : ” فإن ما ارتكب أثناء آلامه [ المسيح ] لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك، ولا إلى يهود أيامنا”.
وتضمنت الوثيقة توجيهاً بابوياً ملزماً يقول : «المطلوب منا أن نصدر عفواً عن اليهود، ولا داعي لأن نلعنهم في صلواتنا، فليسوا هم الذين صلبوا المسيح . وحتى لو كان اليهود القدامى قد فعلوا ذلك، فما ذنب المعاصرين ؟!!
• أجل، ما ذنب المعاصرين ؟
• سؤال أخلاقي، عقلاني، مشروع نتوجه به اليوم إلى إخواننا “الشيعة” الذين استمروا على مدى قرون ينادون بالثأر للحسين من المسلمين غير الشيعة، ومازالوا مصرين على هذا الثأر من مسلمي اليوم !
• فهل آن لهؤلاء أن يتراجعوا عن هذا الخطأ التاريخي باتهام المسلمين في كل زمان بقتل الحسين رضي الله عنه ؟! وهل يقبل الشيعة أن يكونوا أقل ديناً وأدنى خُلُقاً من النصارى الذي اعترفوا بخطئهم الكبير وبرؤوا اليهود من دم المسيح ؟!!
• وأعجب ما في أمر الشيعة علمهم أن كافة المسلمين المستهدفين بالثأر يعظمون الحسين ويحبون “آل البيت” جميعاً بلا استثناء، فلا أحد اليوم من المسلمين يدافع عن قتلة الحسين رضي الله عنه .
• والمسلمون جميعاً يعتبرون قتل الحسين جريمة عظيمة تنكر شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بالحسين وآل بيته، تلك الشهادة التي وردت في أحاديث نبوية كثيرة؛ منها ما رواه الحاكم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة، وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل : يا رسول الله إنك تحبهما ؟! فقال : نعم من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني) وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : لما نزلت (لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .. الآية) قالوا : يا رسول الله ومَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما) ابن كثير (البداية والنهاية) مكتبة المعارف ـ بيروت.
• وسؤال آخر نتوجه به إلى الإخوة الشيعة : هل يصح مثلاً أن نحمل ألمان اليوم ذنب مجرم الحرب “أدولف هتلر” الذي أشعل حرباً عالمية أحرقت الأخضر واليابس وقضت على ملايين لا تحصى من الأرواح ؟!! طبعاً لا يصح، ولا يجوز أن نحمل ألمان اليوم تلك الجريمة النكراء، وكذلك لا يجوز أن نحمل وزر الحرب للألمان الذين عاصروا تلك الحرب الشريرة، فقد عارضها الكثيرون منهم واستنكروا أفعال هتلر؛ فكيف نحملهم أوزار فعله ؟!
• وبالمثل .. هل يتحمل كل المسلمين اليوم جرائم “داعش” وأخواتها ممن يدعون الإسلام كذباً وبهتاناً ؟!
• هنا تكمن حقيقة المشكلة بين عقلية بصيرة متشبعة بروح القرآن الكريم، تدين من أخطأ دون غيره من الأبرياء؛ امتثالاً لقوله تعالى: “قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” سورة الأنعام 164، هل تستوي هذه العقلية المبصرة والعقلية الأخرى العمياء التي تعمم أحكامها تعميماً غبياً لا يفرق بين البريء والمجرم ؟! لا تستويان مثلاً .
• واعتقادنا أن بين الإخوة الشيعة حكماء ليسوا أقل شجاعة من أرباب الفاتيكان، حكماء ننتظر منهم إصدار وثيقة تنهي هذا الخلاف الدامي العبثي الذي مزق الأمة لقرون طويلة، وفتح الباب على مصراعيه لأعدائها يتلاعبون بخلافاتها لتحقيق مآربهم الدنيئة ؟!

***

  • Social Links:

Leave a Reply