الثورة حتى تتحرر فلسطين.. قراءة في رواية أصل وفصل

الثورة حتى تتحرر فلسطين.. قراءة في رواية أصل وفصل

احمد محمد العربي

الكاتبة: سحر خليفة.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: دار الآداب/ط1.  2009. ورقية.

أصل وفصل رواية سحر خليفة، تغوص عميقاً في تاريخ فلسطين من إسقاط الحكم العثماني، وبداية الانتداب الإنكليزي، ووعد بلفور الذي أعطى لليهود حقا قوميا في فلسطين، ورعاية الإنكليز لحركة الهجرة، وإعطاء اليهود الفرص في شراء الأراضي، ووضع اليد على أراضي الدولة، ومحاباة اليهود وإطلاق يدهم في فلسطين بالتوسع والاستيطان، وصناعة نموذجهم الحياتي على حساب الفلسطينيين شعباً وأرضا.

في هذا الزمان، وهذه الأجواء تتحرك أحداث الرواية عبر الأم زكية؛ سليلة قحطان المؤسس للعائلة، قحطان ابن صحراء الجزيرة العربية الذي حضر مع الوالي العثماني لفلسطين، واستقر في نابلس حيث أصبح ذراع الوالي المتنفذة ومالك الأمر، رجل العثمانيين القوي، مما صنع للعائلة حالة توارثها الأبناء جيلا بعد جيل.

زكية وزوجها سليل قحطان الذي يعمل على البابور(القطار)، يصلحه عند الحاجة، يسكنون في بيت العائلة مع أولادهم الأربعة وحيد الكبير، وأمين، ووداد، وسمير الصغير، يعيشون حياة هانئة عادية، لكن موت الأب فجأة بين آلات القطار، وتسليم أمواله لكبير العائلة بعد وفاته، كسر ظهر الأسرة الصغيرة، المعيل مات، وكبير العائلة أكل الأمانة، مما اضطر العائلة للعمل من أجل العيش، وحيد يعمل سائقاً، أما والدته فتعمل على ماكينة الخياطة، استمرت حياتهم على حالها إلى أن عاد أخ الأم من السعودية بعد أن رحل إليها منذ سنين بعيدة، وتواصل خال الأولاد مع عائلة أخته؛ حيث أدخلت متغيرات جديدة إلى حياتهم، الخال الذي كان استقر بالسعودية، وتزوّج هناك وأنجب الأولاد، عمل بالتجارة ونجح، وعندما توفيت زوجته عاد إلى نابلس مع ابنه الذكر الوحيد رشاد وأخواته البنات، عاد وتواصل مع أخته وطمأنها أنه لن يقاسمها تركته من بيت العائلة الكبير، واشتكى لها دلال ابنه وانفلاته، طلب منها أن يشكلوا مع بعضهم عائلة متكاملة، كان يفكر أن يزوّج ابن أخته وحيد بإحدى بناته، ويزوّج ابنه راشد من ابنة أخته وداد، ليضمن وجود وحيد إلى جانب أعماله وتجارته، ويضمن زواجاً يعقّل ابنه الذي فاحت ريحته في نابلس، باراتها، ومراقصها، ونسائها من يهود وجنكيات (قرباط أو نور).

أصل وفصل رواية سحر خليفة، تغوص عميقاً في تاريخ فلسطين من إسقاط الحكم العثماني، وبداية الانتداب الإنكليزي، ووعد بلفور الذي أعطى لليهود حقا قوميا في فلسطين

تقبّلت الأخت الفكرة، أحسّت أن السعد جاءها ولأولادها مع أخيها وأولاده وأمواله، وحصل الزواج، تزوّج وحيد من رشا ابنة خاله، ورشاد من ابنة عمته وداد، ومع الزمن تبيّن أن الصفقة خاسرة، فوحيد أنهك بأعمال عمّه وتجارته في الميناء، فهو المسؤول الوحيد تقريبا، وزوجته لم تنجب له أبداً، أما أخته وداد فلم تستطع أن تقنع زوجها رشاد بها، رشاد الذي أودع رحمها طفلاً وتركها لمجونه وسكره وسوء أخلاقه، وداد التي تحمّلته لعله يتغير، ووحيد الذي تحمل زوجته وخاله لعل حياته تتحسن، لكن رشاد لم يتغير فها هو يلاحق سارة ابنة التاجر اليهودي شريك والده، وها هو وحيد يكتشف أن التجارة المدعاة أنها فاكهة وسلع غذائية يتبين أنها أسلحة تأتي لليهود، وعندما يواجه خاله يجيبه ليكن هم يحضرون أسلحة ونحن كذلك، لم لا نستفد نحن..؟

اليهود الذين بدأوا يتوافدون على فلسطين برعاية الحاكم الإنكليزي آرثر ميلر، يبنون مستعمراتهم بنماذجها المختلفة الاشتراكية وغيرها، والفلسطينيون الضائعون بين زعاماتهم السياسية وتجّارهم الذين يبيعون الأراضي لليهود دون وعي أو رادع، ويستمرون بالتعامل مع الإنكليز واليهود على أساس أنّ المصلحة واحدة. وحدة الفلسطيني الفقير الفلاح الإنسان العادي هو الضحية، ويكاد يكون دون تمثيل، وحيد يتعرّف على “الشيخ الجليل” الذي بدأ يدق ناقوس الخطر، ويؤكد أن الإنكليز المستعمرين جاؤوا باليهود ووطنوهم في فلسطين، وأن بعض السماسرة وتجار الأراضي يبيعون الأرض دون إحساس بحجم الكارثة، وهي خسارة فلسطين، أدرك الشيخ ذلك، وبدأ يجهز حوله الأتباع للوصول إلى لحظة إعلان الثورة ضد الإنكليز، وطردهم واليهود من فلسطين.

في الجانب الآخر، نرى اليهود يعملون في دأب لبناء المستوطنات، وشراء الأراضي، وتجهيز أنفسهم ليوم يأخذون فيه فلسطين، و يطردون أهلها و يبنون دولتهم، سنرى وايزمن، وبن غوريون، وجابوتنسكي، إبّاء الكيان اليهودي في فلسطين، وهم يتبادلون الأدوار اتجاه الفلسطينيين، البعض يطرح التعايش والبعض الآخر الفصل والعداء، الكل يثبت جذوره في الأرض، ويعمل لدولته القادمة، سنتعرف على ليزا الفلسطينية المثقفة المؤمنة بتحرر المرأة، وضرورة مشاركتها في بناء الحياة مع الرجل وفي السياسة في مواجهة اليهود والإنكليز أيضاً، سنتعرف عليها وعلى أمثالها من الفلسطينيات اللواتي قدّمن النموذج الإنساني والوطني والتحرري للمرأة الفلسطينية، يواجهون الحاكم الإنكليزي، ويقمن بالتظاهر ضد الإنكليز ومحاباتهم لليهود، يواجههم اليهود بمظاهرات مضادة، سيعبّر الحاكم عن تضامن إنساني شخصي مع الفلسطينيين، لكنه يمارس السياسة البريطانية الاستعمارية الداعمة لليهود، سيحتضن بعض المشاريع التي عملت على الدمج بين اليهود القادمين المستعمرين والفلسطينيين كأهل بلاد مستباحه، مشروع الخضوري لبناء جامعة ولم ينجح، مشروع روزا التروتسكية التي تريد أن تمول مركزاً للتمريض يضم عربا ويهود، ولن تنجح، يتبادل قادة اليهود الأدوار فالبعض يتكلم بمنطق التعايش، والآخرون يعدون العدة من أجل اقتلاع الفلسطينيين وبناء دولتهم الصهيونية، مستفيدين من إمكانات الإنكليز كسلطة انتداب، وبدعم خارجي من دول العالم ويهوده المنتشرين في كل البلدان، أما الفلسطينيون فبعضهم يدرك ما يحصل، ويعد العدة لمواجهة قادمة حتمية مثل الشيخ الجليل الذي التحق به وحيد بعدما اكتشف ما يعمل اليهود، وما يحضرونه للأيام القادمة، وبعض الفلسطينيين من رجال المال والوجهاء يتصرفون دون إدراك للخطورة القادمة، محافظين على شبكة المصالح مع اليهود والإنكليز.

الرواية تغوص مجتمعيا في الواقع الفلسطيني للعمق؛ التخلف الاجتماعي، الفقر، الأمية، التمايز الشديد بين فقراء الشعب والملاك والتجار، إلى درجة التحاق هؤلاء بالإنكليز واليهود بحكم المصلحة

ستحاول وداد التمرد على زوجها وتهرب من البيت إلى ليزا، ولن تجد مخرجا، سوف تعود منتظرة مولوداً، ومتأملة أن تتحرر بعد الولادة، وتعمل وتصنع مستقبلها، لكنها ستفاجأ بزواج زوجها عليها من فتاة يهودية، أما وحيد فيترك العمل مع خاله ويلتحق بشيخ الجليل، ويخططون لمواجهة مسلحة قادمة ضد الإنكليز واليهود سوية؛ ضمن محاولة يائسة لشد أنظار الدول العربية لحجم المخاطر على فلسطين والفلسطينيين، ولجذب الفلسطينيين لقتال الأعداء اليهود والإنكليز، سيكون دور الوجهاء متفرجاً ومنتظراً، سيحاول الحاكم الإنكليزي أن يحتضن التعايش المستحيل، ويكون مستهدفا من اليهود الذين يرونه عقبة في وجه طموح بناء الدولة الصهيونية، ومن الفلسطينيين الذين يرونه راعياً لمصالح اليهود، بكونه ممثلا للاحتلال الإنكليزي في فلسطين، لذلك يستهدف في مركز حاكميته عندما كان يقود اجتماعاً لتسهيل مشروع المشفى المشترك، وحاصروه ثم قتلوه.

أما شيخ الجليل ووحيد والمجاهدين معهم فقد عقدوا العزم على إطلاق شرارة الثورة لتحرير فلسطين من الإنكليز وطرد اليهود، وتكتشف الحركة باكرا وتلاحق ويقتل الشيخ، ويستمر وحيد ومعه بعض الثوار، لا أمل في الأفق، الإضراب الذي فرضه الفلسطينيون أضرهم ولم ينفعهم، والدول العربية دفعت الفلسطينيين للانصياع وفك الإضراب بدلا من دعمهم لمقاومة المحتل. أدت نهاية الإضراب وموت الحاكم البريطاني واستشهاد شيخ الجبل وعدم نجاح الثورة على الإنكليز إلى نهاية مرحلة من المأساة الفلسطينية، وتبدأ مرحلة جديدة بوجود دور أمين الأخ الأصغر لوحيد من الجيل الجديد المثقف. هنا تنتهي الرواية.

في قراءتها نقول:

.الرواية هي جزء أول، يعني لها أجزاء قادمة لا نعلم إن كتبت أم لا، الرواية تغوص مجتمعيا في الواقع الفلسطيني للعمق؛ التخلف الاجتماعي، الفقر، الأمية، التمايز الشديد بين فقراء الشعب والملاك والتجار، إلى درجة التحاق هؤلاء بالإنكليز واليهود بحكم المصلحة، المرأة الفلسطينية وقراءة في حالتها، وإرهاصات تحررية نسوية كجزء من النشاط السياسي المواجه للاحتلال الإنكليزي والتغلغل اليهودي في فلسطين.

الرواية تقول؛ إن فلسطين كانت تحت حالة سطو علني، والفلسطينيون ضائعون بين انتهازي وجاهل وفقير لا يكاد يصل للقمة عيشه، الدول العربية متفرّجة، والعالم كله يشارك بجريمة سرقة فلسطين والتأسيس لدولة اليهود الصهيونية، وتشريد شعبها، لكن الثورة كمكوّن وواقع حضرت وأسست لما سيأتي، وسيستمر إلى أن تتحرر فلسطين، وحتى يسترد الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة ولو بعد حين.


سحر خليفة؛ روائيّة فلسطينيّة واكبت القضية الفلسطينية عبر رواياتها لعشرات السنين، تكاد تكون من أهم من كتب روائيا حول مفاصل القضية الفلسطينية، الشعب والأرض واللجوء والثورة، عاصرت كلّ الأحداث وصنعت مع غيرها ذاكرة فلسطين بامتياز

  • Social Links:

Leave a Reply