الحراك الجزائري السلمي أمام اختبار تاريخي

الحراك الجزائري السلمي أمام اختبار تاريخي

بقلم : محمد علي صايغ
منذ اثني عشر أسبوعا والحراك الشعبي الجزائري الذي بدأ بالمطالبة بإنهاء العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة وتصاعد إلى المطالبة بالخلاص من جميع رموز النظام السابق ومرتكزاته ، فإن هذا الحراك وإن كان مستمرا اسبوعا بعد اسبوع ، إلا أنه مازال عاجزا عن احداث فارقا بازاحة السلطة السياسية الحاكمة ، أو إحداث اختراقا بالدولة العميقة التي تقبض بواسطة العسكر على مفاصل الحياة السياسية وتمانع في إحداث تغيير جوهري في بنية السلطة السياسية ، والتهرب من هذا الاستحقاق متعللة تمسكها بتطبيق نصوص الدستور للالتفاف على مطالب الحراك الشعبي واضعة الدستور فوق ارادة الشعب الذي من المفترض أن يكون الشعب صانعا للدستور وملبيا لطموحاته . وفي محاولة من قيادة الجيش بإيهام الشارع المنتفض بجدية الإصلاح والتغيير تعمل من يوم لآخر بتوقيف بعض القيادات السياسية التي ترغب بالتخلص منها أو بتوقيف بعض قيادات الصف الثاني واحالتهم الى القضاء موحية أن إنجاز التغيير يتطلب الوقت والتدرج المتأني للخلاص من الرموز القديمة توقيا لأي هزات أو اضطرابات سياسية قد تؤدي بالدولة الى المجهول . هذا عدا عن تحذير قائد الجيش مرارا من التحول الى العنف ، والتلويح – كنوع من التهديد الضمني – باحتمال دخول القوى الدينية المتطرفة على خط الحراك وإدخال البلاد في فوضى لا احد يستطيع تحمل عقباها .
وبالمقابل فإن الحراك الشعبي لم يكن متصاعدا كما وكيفا من أسبوع لآخر ، ومع مرور الزمن استطاعت الدولة العميقة التلاعب بخيارات الشارع وإحداث الانقسام في مطالبه مستغلة عدم وجود قيادة ميدانية للحراك ، وافتقاد هذه القيادة الى رموز سياسية واعية تقود الحراك وتتصدر مطالبه – كما يحصل في الانتفاضة السودانية – وتقوم بالحوار والتفاوض مع قيادة الجيش لإنجاز التغيير وفق خريطة طريق للانتقال السياسي .
ومن هنا فإن حالة من الضبابية تسود المشهد السياسي الجزائري ، خاصة مع وجود اطراف اقليمية ودولية تتحرك من الخلف وخاصة الاوروبية التي تبدو مترددة في الدفع بتفجير الوضع الداخلي لخلط الأوراق وادارة الملف لتحقيق مصالحها في استمرار القبض على ثروات الجزائر إضافة إلى أن الجزائر تعتبر معبرا ضروريا لشركاتها للعبور إلى الكنوز الإفريقية وتحقيق رفاهيتها على حسابها . وبذات الوقت تخشى من انفجار الوضع الداخلي وامتداد الفوضى الى الساحات الأوروبية في ظل وجود الحجم الهائل من المهاجرين والمجنسين الجزائريين والمغاربة في الدول الاوربية ، مما قد يؤدي إلى كوارث في الداخل الأوروبي .
هذه الوضعية المشوشة للمشهد الجزائري ، والتعقيدات المرافقه له ، تستغلها بهدوء القوة الضاربة للدولة العميقة بخبرتها وقدرتها على التنظيم والتخطيط بعكس الشارع المنتفض الذي يفتقد حتى الآن الى العقل القيادي الجامع ، قد يؤدي هذا المشهد السديمي الغير متوازن في نهاية المطاف الى اعادة انتاج النظام القديم وإن كان بشخصيات جديدة شكلية ، وعبر آليات قانونية ودستورية صنعها النظام السابق ، او عبر توجيه المطالب الى تغيير الاشخاص دون المساس ببنية النظام ، من خلال إصرار قيادة الجيش على التمسك ببعض الشخصيات أو الباءات المتبقية من النظام السابق لحصر مطالبات الشارع ودفعه للمطالبة بعزل تلك الشخصيات او الباءات فقط دون أن يمتد ذلك الى بنية النظام واركان بنائه .
وبناء على ذلك ، فإن الحراك الشعبي الجزائري والقوى والأحزاب السياسية أمام اختبار تاريخي في أن تخطو الخطوة الضرورية لمنع الالتفاف على مطالب التغيير ، وذلك بتوحيد قواها وأهدافها ومطالبها ، وتشكيل قيادة تمثل كافة التيارات والأحزاب وقوى المجتمع المدني لتتصدر الحراك وتقود عملية التفاوض السياسي مع قيادة الجيش عبر خارطة طريق واضحة ، ترتكز على دستور ديمقراطي جديد وقوانين انتخابية متوافقة مع دستور يؤسس لمرحلة جديدة ، ونظام ديمقراطي يرسي قواعد العدالة ومعايير حقوق الانسان وحقوق المواطنة وبما يلبي تطلعات الشعب الجزائري .

  • Social Links:

Leave a Reply