” إرهاب أخضر… إرهاب أحمر “

” إرهاب أخضر… إرهاب أحمر “

أحمــــــد قاســـــم

إن تاريخ الشعوب مليء بالإنتكاسات و الإنكسارات و الإنتصارات.. فالحركة التاريخية التي تحمل معها مستحقاتها على الصعيدين الفكري والمعرفي والتطورات الحتمية التي تطرأ على الفكر مع تطور مستلزمات الحياة و أدوات إستمراريتها للكائن البشري تنتج أشكالاً من الصراعات على تمليك الممتلكات, وبالتالي تنتج سياسات وفقاً للظروف الموضوعية الناتجية عن التطور التاريخي للمجتمع.

إن غريزة التملك لدى الإنسان منذ نشوئه هي التي تدفع بالفكر نحو البحث عن سبل و أدوات تمكنه من الإمتلاك اللامحدود, كون تلك الغريزة لا تتوقف عند حدٍ يشعرها بالإشباع, وبالتالي, كلما إمتلك الإنسان أدوات متطورة للإمتلاك يتطور فكره بإتجاه المزيد من الإمتلاك وفقاً للظروف التاريخية التي تتيح لهذه الفئة التي لا تتوقف غريزته الإمتلاكية عند حدود.. وبالتالي تكون حيازة السلطة أحد تلك الآليات التي تجعل من السلطان ملكاً و مالكاً في آن معاً.

هذا النوع من البشر يتطور فكره باتجاه عملية تدجين الناس وفقاً لمصالحه التي تقتضي البقاء على السلطة.. وهي ما تتطلب تشكيل فرق من المستشارين و المفكرين و الباحثين لإنشاء خطاب يخدع به الناس على أنه راعٍ لمصالحهم بإيديولوجية روحية للسيطرة على غريزة إجتزابهم نحو الحرية, و إقناعهم فكرياً و إيديولوجياً بأن مصيرهم مرتبط بمصير تلك السلطة التي ترعى مصالحهم “الوطنية”. أما تلك الإيديولوجيات فتتركز على ثلاثة مباديء وفقاً للمرحلة التاريخية: إما الفكر الديني.. أو الفلسفي (كالماركسية مثلاً) .. أو القومي التوليتاري العنصري.

ولدى مراجعة التاريخ سنرى أن تلك الإيديولوجيات كانت من عصاراتها إنتاج ثقافة الإرهاب.. لأن الفكر بلا سيف لا ينتج أدوات التملك و الإمتلاك.. ولما كان الفكر يتزاوج مع السيف كانت الحروب الطاحنة و الغزوات على الأوطان بإسم الدين أو العقيدة الإيديولوجية المعتمدة على فكر فلسفي أو بإسم القومية عند الحاجة… يسمى هذا النوع من الإرهاب (بإرهاب الدولة) الذي يطغى عليه اللون الأخضر” أي بمعنى آخر, هو الإرهاب الغير مباشر”. ومن أولويات هذا الإرهاب هي الإعتماد على خطاب فكري و قمع أفكار أخرى بالسبل المتاحة وفقاً لشروط المرحلة, ما سمي بالإرهاب الفكري إلى جانب الإعتقالات و الإغتيالات السرية عن طريق فريق متمرس من دون الكشف عن أسبابها ووضعها على قائمة متلبسة بفعل جنائي محصور بخلافات بينية بين الجاني و المجني عليه إن كشفت هوية الجاني.. وهذه العمليات و الفعل الإرهابي تنحصر فقط لدى الأنظمة الديكتاتورية حفاظاً على بقائها على رأس السلطة, وتصفية من يفكرون بانزياحها, إلى أن تجعل من المملكة مزرعة و من الرعية عبيد.

أما النوع الآخر من الإرهاب, فهو حصيلة الأزمات التاريخية ووصول الإنسان إلى آفاق مسدودة.. تستغلها فئة من الناس, وفي غالبيتهم من كانوا يُؤتَمَرون بأمر من السلطان للقيام بفعل إرهابي وهو يحمل تلك الثقافة التي ذكرناها (أي العقيدة الفكرية المؤدلجة) كغطاء للتشدد و التطرف و الأعمال الإرهابية التي تتبرمج في لائحة أنظمته.. للوصول إلى السلطنة بفعل إنتقامي هرباً من عبوديته للسلطان في وقت مضت ليكون هو الآخر سلطاناً ينتقم من كل شيء ويبرهن بأنه أقوى من سلطانه بفعله المدمر و القاتل بشكل مباشر.. ولقد نشأ مثل هؤلاء في خاصرة سلاطين شرقنا الإسلامي, كون هذا الشرق أصبح بؤرة صالحة لإنتاج مثل هؤلاء الناس, و أن الشعوب مهيئة لتكون حاضنة لهم هرباً و إنتقاماً من سلاطينهم الطغاة و المستبدين الظالمين… كمن يهرب من تعذيب البوليس و يرمي نفسه وسط لهيب نيران مشتعلة.. وهناك أمثلة حية كثيرة في هذا المجال.

فلا يكفي أن تكون هذه الفئة من الإرهابيين نتيجة لظلم الدكتاتوريات و زرع هذه الثقافة في عقول أزلامهم, وبالتالي بعد مرحلة ينشقون عن النظام ليشكلوا منظمات إرهابية يهددون النظام.. بل هناك منظمات إرهابية صنعتها الأنظمة الديكتاتورية لتكون ظلها عند الأزمات.. تظهر بمظهر المعارض للنظام عند تحريك الناس ضد النظام القائم يطلبون التغيير كما حصل في سوريا للقيام بوظيفتين أساسيتين:

الأول: حشد كل طاقاتها (أي المنظمة الإرهابية الخاضعة للنظام) من أجل قيادة الحراك الثوري و توجيهها بإتجاه آخر بغية إبعاد الثورة و إنحرافها عن الهدف.

ثانياً: إظهار الثورة بمظهر يطغى عليها مظهر من مظاهر الشغب على أنها لا تهدف إلى التغيير, بل إنها عملية إنتقامية لضرب إستقرار البلد و أمانه بدعم خارجي و بفعل مؤامراتي…حسب ما يهيء لها النظام من تهم.

ومع تحريك هذه المنظمات المرتبطة بالنظام ترى المنظمات الإرهابية الأخرى فرصة تغلغلها إلى ذلك البلد للمشاركة باسم الجهاد خدمة لأجندات مختلفة كونها منظمات تؤدي أعمالها الإجرامية التوظيفية تأدية لما تتطلبه مصالح دولية بالدرجة الأولى.. وهي تستفيد أيضاً لإمتلاك مزيد من الأموال من خلال فعلها الإرهابي من قتل و سطو و إغتصاب و خطف و سرقة الممتلكات عن طريق إعلان إمارات هنا و هناك (كما تعمل “داعش” وجبهة النصرة في سوريا).. هذا هو الإرهاب الأحمر الذي يخرج من رحم من يصنع الإرهاب الأخضر.

ولما كانت الفئتان تحملان نفس الثقافة (أي فئة النظام وفئة الخارجة عنه) تتفقان في كثير من المجالات على أرض المعركة المشتعلة لتوزيع الغنائم والحصول على أكبر قدر من الأموال و الممتلكات العامة و الخاصة من جهة, ومن جهة أخرى تعملان على إبعاد الحلول عن طريق السيطرة على المبادرة و إرادة الناس بالقوة, مع إستغلال التناقض في السياسات الدولية و الإستفادة منها لإطالة أمد الحرب و الفوضى الممنهجة.. والنتيجة هي الشعب من يخسر أولاً و آخراً.

  • Social Links:

Leave a Reply