الشعب السوري ليس عظيماً

الشعب السوري ليس عظيماً

لفتَ انتباهي نداءٌ وجهه معارضون إلى الشعب السوري، قبل أيام، بدأوه بعبارة: إلى الشعب السوري العظيم.. فتذكرتُ، على الفور، جملة عادل إمام “أنا غلباااان” في مسرحية “شاهد ما شفشِ حاجة”، حينما تكاثرت عليه الأسئلة والضغوط والتحقيقات.
الشعب السوري ليس عظيماً! هذا توصيفٌ له، وليس سخريةً منه أو استخفافاً به. وكيف أسخر من شعبٍ أنا وأهلي جزءٌ منه؟ حاشا وكلا. ولكنني أحب أن أطرح على السادة المعارضين، أصحاب النداء، بعض الأسئلة: أين، ومتى، وكيف كان الشعب السوري عظيماً؟ وهل الشعب السوري شعبٌ بالمعنى العلمي الاصطلاحي للكلمة؟ طبعاً لا، فالسوريون الذين ينتمون إلى تيارات الإسلام السياسي المختلفة يعتبرون أنفسَهم وبقيةَ السوريين جزءاً من الأمة الإسلامية، وهم يرفضون الاعتراف بحدود سورية التي رسمها ممثلان عن بريطانيا وفرنسا قبل مائة عام، واشتهرت باسم “اتفاقية سايكس بيكو”، وينزّهون أنفسهم عن استخدام كلمة “شعب” أصلاً. والقوميون العرب يعتبرون الشعبَ السوري، وبضمنه المكونات غير العربية، جزءاً من الأمة العربية الممتدة من الرباط حتى إسكندرون. والحزب القومي السوري الاجتماعي ينظر إلى سورية الحالية جزءاً من سورية الكبرى التي تضم أيضاً فلسطين والأردن ولبنان والعراق والكويت وقبرص!.. وأما البقية الباقية من الشعب السوري فهي أناس غلبانون، بحسب توصيف عادل إمام.
تشكيلةُ الشعب السوري، إذا جازت التسمية، فيها قوميات، وأديان، ومذاهب، وفيها حضر وبدو وقرويون. عناصرُ هذه التشكيلة لم يرفضوا الوجودَ الفرنسي بين عامي 1920 و1946 لأنه قوة احتلال استعمارية وحسب، بل إنهم رفضوا كلَّ شيء متوفر لدى الفرنسيين؛ لغتَهم، وحضارتَهم، وديمقراطيتَهم، واعتزازَهم بجمهوريتهم. وبذل الإسلاميون السوريون جهوداً جبارة ليثبتوا أن الانتداب الفرنسي على سورية ليس إلا غزواً صليبياً، ونقلت المراجع المكتوبة بنَفَس إسلامي حادثةً من الواضح أنها ملفقة، تقول إن الجنرال غورو، بعدما تمكّنَ من القضاء على الجيش (العربي) الذي قاده يوسف العظمة، في 24 يوليو/ تموز 1920 خلال موقعة ميسلون، هرع إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي، ليقول له: ها قد عدنا يا صلاح الدين!
في مطلع القرن العشرين، حينما تَسَلَّمَ الطورانيون السلطة في المملكة العثمانية، وشكلوا جمعية “تركيا الفتاة” لم يرد عليهم السوريون بتشكيل جمعيةٍ تحمل اسم “سورية الفتاة”، ولم يطالبوا باستقلال سورية بأية صيغةٍ كانت، وإنما شكلوا “جمعية العربية الفتاة” التي انضمت إليها نخبٌ سورية وعربية. وفي سنة 1918، جاء الأمير فيصل بن الحسين من الحجاز إلى دمشق، ليُتَوَّجَ ملكاً على المنطقة التي تتألف من سورية الحالية عدا الساحل الذي كان يحتله الفرنسيون، حصل هذا نتيجة اتفاق والده مع السير مكماهون الإنكليزي، وعندما كشف البلاشفة في سنة 1917 أسرار معاهدة سايكس بيكو التي ترسم الحدود بين دول المنطقة، بدأ السوريون برفضها، وما زالوا يرفضونها باعتبارها خطة استعمارية خبيثة، وبعد ضم لواء هاتاي إلى تركيا في 1939، بقي السوريون يطالبون باستعادة هاتاي إلى أن وَقَّعَ حافظ الأسد في سنة 1998 “اتفاقية أضنة” التي تعني التنازل عن هاتاي، وهو تنازلٌ لا لبس فيه، أتبعَه حافظ الأسد بتغيير الخرائط التي كانت تعتبر اللواء جزءاً من سورية. والسوريون حتى اليوم لا يحتفلون بعيد استقلال سورية، بل يسمونه عيد الجلاء الذي يصادف يوم خروج آخر جندي فرنسي من بلدهم، وبقيت حالُ ما يسمّى تجاوزاً “الشعب السوري” على ما هي عليه حتى سنة 2011، حيث انفجر قسمٌ كبير من أبناء الشعب السوري في وجه حكم الأسد، معلنين أنهم ثاروا من أجل الكرامة.. وهذا، بحد ذاته، مفهومٌ ملتبس، فالثورات تقوم عادةً من أجل تغيير النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والدستوري. فلو حصلوا على الكرامة وبقي كل شيء على حاله، هل يوقفون ثورتهم؟

  • Social Links:

Leave a Reply