“المبادرة الوطنية السورية”.. تشتيت لموقف المعارضة الواحد

“المبادرة الوطنية السورية”.. تشتيت لموقف المعارضة الواحد

أسامة آغي – كاتب وباحث سوري

كاريكاتور علي فرزات

هذه المبادرة لم يقل أصحابها من منَ القوى الدولية تدعمها؟ وهي أي (المبادرة) لا تستند إلى أي جهد وطني فعّال، سواءً كان فعلاً سياسياً، يلتف السوريون حوله، أو كان قوة عسكرية موجودة على الأرض. فالشخصيات التي أعلنت عن هذه المبادرة هي شخصيات معروفة لدى السوريين، وهي ليست في موقع من يستطيع طرح جهدٍ وطني موازٍ للجهد الذي تعمل عليه الأمم المتحدة، والمتمثل بمفاوضات جنيف المتعثرة.

“المبادرة الوطنية السورية” طرحت موضوع جدولة خروج الجيوش والميليشيات والعناصر الأجنبية من الأراضي السورية. ولكن لم تقل “المبادرة”، ما هي الآليات التنفيذية لإخراج هذه الجيوش والميليشيات؟ أي بمعنى أوضح، فإن إخراج هذه الجيوش يحتاج إلى أحد أمرين اثنين. إما قرار دولي ملزم صادر عن مجلس الأمن الدولي بخروج كل هذه القوى الأجنبية المسلحة من سوريا، وهو قرار لا يزال بعيداً عن الاتفاق عليه بين أعضاء مجلس الأمن للدول الخمس دائمة العضوية.

فمجلس الأمن تحكمه صراعات سياسية بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا من جهة، وبين روسيا ومن خلفها الصين الشعبية من جهة أخرى. وهو صراع لم يصل بعد إلى مربع التوافق بينهما بحيث يفتح الباب أمام حصول تسوية سياسية ترضيهما تحت قرار دولي ملزم.

“المبادرة الوطنية السورية” طرحت إجراء حوار (سوري – سوري) تحت مظلة الأمم المتحدة، وكأن جلسات مفاوضات جنيف التي تجري بين النظام الأسدي والمعارضة السورية هي مفاوضات تجري على كوكب آخر بين طرفين غير سوريين.

والسؤال: كيف تستطيع هذه المبادرة إقناع المجموعة الدولية المعنية بالصراع السوري بجدواها وأهميتها؟ وكيف تستطيع المجموعة الدولية نسف مفاوضات جنيف المبنية على قرارات مجلس الأمن والدعوة إلى عقد “مؤتمر وطني سوري” شامل، وهم بالأساس أي المجموعة الدولية لم يدفعوا بعربة مفاوضات جنيف التي تستند إلى قراراتهم هم، وتحديداً بيان جنيف1 والقرار الدولي 2254.

فهل تقدّم “المبادرة” تنازلات جوهرية غير معلن عنها في بيانها؟ هذه التنازلات ربما يتخيل أصحاب “المبادرة” أنها مناسبة لاجتماع المجموعة الدولية، وإقرار ما يدعون إليه.

كذلك يمكن القول إن “المبادرة” أغمضت عينيها عن حقيقة بنية النظام السوري، بعد ثمانية أعوامٍ من الصراع الدامي في البلاد، فهذا النظام وببساطة، كان واضحاً وثابتاً في مواقفه من الثورة السورية، ومن الصراع العسكري بينه وبين قوى المعارضة. فهو نظام يريد الحفاظ على هيمنته السياسية بجوهرها الاستبدادي، وهو بدون الهيمنة المستندة على الاستبداد، يُدرك أن لا خبز له في أي تسوية سياسية، تتطلب مرحلة انتقال سياسي، كما نصّ على ذلك القرار 2254.

إذاً كيف يتجرأ عددٌ من الأشخاص على طرح “مبادرة” تنسف جهد التفاوض الذي ترعاه الأمم المتحدة؟ هذه الجرأة غير المفيدة في ظروف الصراع السوري الحالية، تتقصد تجاهل وجود الهيئة العليا للمفاوضات، وطرح نفسها كبديلٍ عنها. ولكن وللتذكير فإن الهيئة العليا للمفاوضات لم تنشئها المعارضة السورية، ولم تختر شخصياتها، بل هي نتجت عن مؤتمر الرياض1 ومؤتمر الرياض2، هذان المؤتمران مثّلا توازنات سياسية دولية، والدليل هو إدخال منصتي موسكو والقاهرة في الهيئة العليا للمفاوضات.

ويحقُّ لنا طرح السؤال التالي: كيف يمكن أن نفهم الدعوة إلى ما سُمّي “المبادرة الوطنية السورية”، في هذه الظروف؟

نعتقد أن الجواب على هذا التساؤل، يكمن بأن هذا الدعوة، ليست مريبةً بدفع الأمور خارج نسق مصالح السوريين. ولكنها تلعب على نفس مربع المفاوضات الموجودة أصلاً، والمعطلة من قبل الروس والنظام وحلفائه. لذلك، فالمبادرة تكرّر أسس التفاوض، وتكرّر الأهداف الموجودة أصلاً في محتوى بيان جنيف1 وفي القرار 2254، والذي نتجت عنه سلال “ديمستورا” الأربع. وما دامت أسس التفاوض قائمةً، وتعمل عليها الهيئة العليا للمفاوضات، فلماذا تداعت هذه الشخصيات وفي هذا الظرف بالذات إلى طرح مبادرتها؟ وما الذي يريدونه فعلاً كشخصيات وطنية، وهم لا يمثّلون قوة فعلٍ حقيقية على الأرض على مستوى القوة العسكرية أو السياسية أو الشعبية؟

في هذه الحالة يمكن قراءة هذه “المبادرة” على أنها خطوة أو محاولة خطوة في البحث عن دور تلعبه هذه الشخصيات، في ظلّ تأزم انطلاق المفاوضات بعد مجيء “جير بيدرسون”. سيما وأن الروس ليسوا مرتاحين للدور الذي يقوم به الوسيط الدولي “بيدرسون “، وقد جاء عدم الترحيب الروسي من خلال تصريحات وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” والذي قال إن “مهمة الوسيط الدولي ليست قيادة عملية التفاوض بل تيسير إجرائها”. هذا التصريح الروسي يوضح أن الروس عادوا عن رأيهم بتشكيل اللجنة الدستورية، وتحديداً الثلث الذي تختار أعضاءه الأممُ المتحدة. فالروس لم يحصلوا على ضمانات غربية حقيقية، تخصّ مصالحهم في سوريا، أو في نقاط النزاع الأخرى مع الغرب، ومع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص.

لذلك “فالمبادرة الوطنية السورية” أتت دون قدرة على الفعل، فالمجتمع الدولي منقسم بمصالحه، وهو لا يجد لأيّ مبادرة من هذا النوع أيّ دورٍ في تقريب وجهات نظرهم مع بعضهم. وهذ يدفعنا للقول إن هذه “المبادرة” ستخدم بقصدٍ أو بغير قصد، تشتيت الجهد الوطني السوري الذي تمثله الهيئة العليا للمفاوضات.

هذا التشتيت لا يخدم بقاء الموقف من النظام الأسدي في مربعٍ واحدٍ، وهو مربع الإصرار على تزامن التفاوض على السلال الأربع، التي أعلن “بيدرسون” أنه سيشتغل عليها سويةً.

لذا نستطيع القول إن الضرورة تقتضي الالتفاف حول الهيئة العليا للمفاوضات، مع الاستمرار برفع سوية نقدها علنياً، والإصرار عليها بعدم اتخاذ أي خطوة خارج مصلحة السوريين وثورتهم، والتي تتمثل بالانتقال من دولة الاستبداد الأمنية إلى دولة مدنية ديمقراطية تعددية.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي بروكار

  • Social Links:

Leave a Reply