#تسقط_بس.. وأهمية النقاط على الحروف

#تسقط_بس.. وأهمية النقاط على الحروف

  1. كتب – رامي يحيى
    بعنوان #يسقط_بس.. وها قد سقط البشير فماذا بعد؟ (في موقع مدى مصر) نشر الكاتب المحترم خالد منصور قراءة مهمة في المشهد السوداني ما بعد البشير، كتب ونشر مباشرة بعد عزل البشير وقبل استقالة سلفه ابن عوف من رئاسة المجلس العسكري.
    قدر ما اعجبني التحليل ودقته؛ وأدهشتني قدرة النقاط على تغيير المعنى والدلالة إلى هذا الحد، فوصول الشعار للكاتب بنقطتين من أسفل جعله يقرأ أن المقصود بالهتاف هو البشير، وبإلقاء ابن عوف لإعلانه أصبح هكذا شعار الثورة قد تحقق.. فبناء عليه انتقل الكاتب المثقف للسؤال التالي والمنطقي “وماذا بعد؟”.
    صواب السؤال وسرعته مع التحليل الدقيق جعلني انبهر من قدرة اللغة على المراوغة درجة إيصال الإنسان مهما بلغت دقته ورجاحة عقله وحسن مقصده إلى نتائج غير صحيحة/دقيقة، فصحيح الهتاف تأتي فيه النقطتين من أعلى #تسقط_بس، ما يعني أن البشير ليس مقصود ولا أي مذكر كان، المقصود هنا هو دولة 30 يونيو بكل ما تحمله من آرث وبكل ما تملكه من أوجه أو يتبعها من أذرع، بشير كان أو ترابي.. ابن عوف أو برهان أو حتى حميدتي.
    إننا أمام ثورة فكرية حقيقية “كاملة الدسم”، ثورة لا تسعى لتغيير شكل الحكم لكن فكرته في حد ذاتها، لذلك خرج الشعار في أصله وكما هو على صفحة تجمع المهنيين السودانيين #تسقط_بس، وبعد البشير انتشر هاش تاج #تسقط_تاني.. وبعد استقالة ابن عوف ووضوح مراوغة برهان انتشر #تسقط_تالت.. كما أضيف لحزمة الهاشتاجات #سقطت_تب، بمعنى سقطت تمامًا، وأيضًا انتشر بين المتظاهرين هتاف #سقطت_سقطت_يا_كيزان.. بمعنى سقطت دولتكم يا إسلاميين.
    بالأساس هناك فرق نوعي/فكري في ثورة الشعب السوداني عن ما قد يتصوره أغلب المتابعون من الناطقين باللغة العربية، فهذه الثورة تحمل إرث حركات التحرر الأفريقية أكثر منها موجة متأخرة أو حتى تجدد لموجة سابقة من موجات الثورات العربية، بل أن جزء لا يتجزء من أزمات السودان هو الوجه العروبي للدولة التي خرجوا ضدها يصرخون #تسقط_بس، فهذه النغمة الاستعرابية ضالع رئيس في تقسيم السودان رسميًا عام 2011، لشطرين كجرح يصعب أندماله، وهي من أججت الحرب ضد أهل السودان في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، فكل تلك المناطق لم تُعّلَن عليها الحرب فقط باسم الإسلام والشريعة كما رُوِجَ للحرب ضد الجنوب، فمثلًا أهل دارفور مسلمين بشكل “مبالغ” (كما هو التعبير السوداني الدارج)، فتاريخيًا وبعد سقوط الخلافة العباسية في مصر أدعى سلطان الفور “علي دينار” لنفسه نسبًا قرشيًا وأعلن ذاته أميرًا للمؤمنين رفضًا لحكم العثمانيين الأتراك، أما في العصر الحالي فمن المتعارف عليه مجتمعيًا أن حفظ القرآن ركن أساسي لا تنازل عنه لقبول أي متقدم للزواج.. فمن لا يحفظ أجزاء من القرآن لن تقبل عائلة أن تزوجه من أبنتهم، وأكتفي بهذا التوضيح الخاص بـ”ناس الفور” للبرهنة أن الاستعراب ضلع أساسي في دولة/منظومة خرج السودانيين ضدها رافعين شعار #تسقط_بس.
    الحراك السوداني مختلف بنيويًا عن باقي المشهد العربي، فهو قد يكون عفوي في شرارته كأي ثورة في العام لكن له قيادة واضحة المعالم تحمل اسم تجمع المهنيين السودانيين. وهذه القيادة تبنت، بعد اتساع الحراك الثوري، مشروع سياسي واضح المعالم وحاصل على رضاء وتوقيعات الغالبية العظمى من قوى المعارضة السياسية في البلاد؛ وهو إعلان الحرية والتغيير الذي اسمت الكيانات الموقعة عليه نفسها باسمه قوى إعلان الحرية والتغيير، وتم تقسيم الأدوار بشكل عملي واضح.
    قيادة الحراك والتحدث باسمه إعلاميًا مسؤولية تجمع المهنيين والمفاوضات السياسية مسؤولية قوى الحرية والتغيير، أما الدور الأخطر متمثل في قيادة الأفراد على الأرض مسؤولية لجان المقاومة بالأحياء، تكوين يمكن وصفه بـ اللجان الثورية، هي لجان شعبية ثورية تعمل على الأرض بقدر من التواصل منذ 2016، أما داخل الاعتصام فتم تقسيم العمل بشكل واضح ومرن في نفس الآن.. فهناك العديد من المنصات والأنشطة السياسية والثقافية والصحية… إلخ، الاعتصام بالكامل له قيادة موحدة تحمل اسم تنسيقية الاعتصام وهي المسؤول الأول عن إدارته، من حيث الإشراف على تأمين المتاريس ومداخل ومخارج مقر الاعتصام ولجان التفتيش وتوفير أغراض الإعاشة وفض منازعات و… و… إلخ، ضمن مهام تنسيقية الاعتصام مهمة ترتيب عملية إدارة المنصة الرئيسية بالاعتصام مع قوى الحرية والتغيير.
    أعلان الحرية والتغيير هو وثيقة سياسية تضع رؤية سياسية للخروج بالسودان من ظل كوارث الدولة الحالية إلى رحابة بناء دولة سودانية “مدنية” تسع الجميع بعيد عن القبلية والجهوية التي عملت دولة العسكر-الكيزان على نشرها وتأصيلها خلال فترة حكمها الممتدة منذ ثلاث عقود.
    ووقعت عليه مجموعة كيانات سياسية جامعة تضم كل منها عدد من الأحزاب والحركات السياسية مختلفة الأيدولوجية والتوجه، فمنها الثوري ومنها الإصلاحي بل وحتى المسلح؛ مثل حركة تحرير السودان (دارفور) بقيادة عبد الواحد محمد نور، وتكتل “العرمانيين” (وهو تكتل معزول تنظيميًا) داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (النيل الأزرق، كردفان)، بقيادة ياسر عرمان، المحسوب الآن على الإصلاحيين “سوفت لاندنج”، وحتى من لم يوقع من باقي الحركة أعلنوا تأييدهم للحراك السلمي مثل “الحلوين”، نسبة للرئيس المنتخب للحركة عبد العزيز الحلو، الذي رفض التوقيع على الإعلان لعدم تأكيده صراحة على علمانية الدولة. فيما رآه ترضية لأصحاب المرجعية الدينية أمثال الصادق المهدي وحزبه “حزب الأمة”.
    هذا التركيب المعقد لهذه القوى لا يختلف كثيرًا في تعقيده عن تجمع المهنيين، الذي تأسس سرًا في أكتوبر 2012 قبل أن يعلن عن وجوده دون الإفصاح عن مكوناته في 2014، وينضوي تحت مظلته عدد ليس بقليل مما يمكن تسميته بالنقابات العمالية والمهنية المستقلة، وبطبيعة الحال لا تخلو أي لجنة/نقابة من أعضاء ينتمون في الوقت ذاته إلى أحزاب وكيانات سياسية من الموقعين وغير الموقعين على إعلان الحرية والتغيير، لكنه يختلف في نقطتين هامتين وهما الطابع العمالي/المهني.. والتوجه الثوري الغالب على تكوينه؛ ما ظهر في اتخاذه لزمام المبادرة بالدعوة في أكتوبر 2018 لمسيرة تحمل مذكرة برفع الأجور وتحسين شروط العمل تسلم إلى اتحاد العمال -التابع للدولة-، رفض الاتحاد تسلمها، ليتطور الأمر سريعًا ويتحول إلى مذكرة سياسية تُقَدّم للبرلمان وصار المشهد عبارة عن مسيرة حاشدة سرعان ما كبرت وانتشرت؛ فبادر التجمع بالتواصل مع لجان المقاومة بالأحياء، الأمر الذي استطاع عن طريقه أن يؤكد غير مرة سيطرته على المشهد الجماهيري في مختلف ربوع البلاد عبر الحراك الحالي الذي مر بالعديد من المنعطفات والمناورات السياسية والثورية خلال الأشهر الماضية قبل أن يتوج بالاعتصام داخل مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في العاصمة بالإضافة لاعتصامات أخرى في الأقاليم أمام وداخل مقار الحاميات العسكرية بكل أقليم.
    كون الشعار هو #تسقط_بس لا يدع في روح الثوار بالسودان مساحة لما يعرفونه هناك باسم “السوفت لاندج” أو “الهبوط الناعم”، وما يمكن الأشارة له بمصطلح دارج وهو “الإصلاح”، فأكتواء السودانيين عبر عقود من نير الحكم الإسلامي والتدخل في أدق التفاصيل الشخصية للمواطنين وإذلالهم علنا بالجلد وغيره من عقوبات بدنية وحشية باسم الشريعة الإسلامية -يصر المجلس العسكري الآن أن تكون مصدر رئيسي للتشريع-؛ بالإضافة إلى قبضهم بأيديهم العارية على جمرات بطش الآلة العسكرية بكل معارض تارة باسم الدين وتارة باسم العروبة وأخرى باسم الدولة، ما تُرجِم لحروبات أهلية سبق ذكرها. كل ذلك جعل ثوار السودان يصلون لهذا الشعار الملهم #تسقط_بس، في رد مبكر على كل دعاوى التخويف من سيناريوهات دموية يتابعونها عبر الإعلام، ليتشاركوا مع نظرائهم في الجزائر على إعلان رفض السيناريو المصري بوصفه الفشل الأكبر للثورة والمقبرة الأكبر للثوار، وهم محقون.
    لذلك قام المعتصمون برفع لافتات تندد بالتدخل الخليجي (السعودي-الإماراتي) فور إعلانهما دعمهما للمجلس العسكري السوداني بقيادة البرهان، وبتسيير المسيرات الاحتجاجية للتظاهر أمام السفارة والقنصلية المصرية بعد تدخل القيادة المصرية بما لها من وزن سياسي لدى الاتحاد الأفريقي لتمديد مهلة تسليم المجلس العسكري للسلطة.
    فالسودانيين على وعي شديد بما يحاك في وسائل الإعلام الخليجية من عملية تلميع لقائد وحدة الدعم السريع الحالي، الجنرال حميدتي ومهندس عملية صعوده الجنرال عبد الفتاح برهان، فمن منهم لا يعلم بزواج البرهان من اخت وزير الدفاع المستقيل عوض بن عوف ما يجعله أيضًا في علاقة نسب مع رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري الفريق أول عمر زين العابدين؛ فالزوجة هي أخته لأمه وهي أيضًا ابنة خالة المخلوع عمر البشير، فكل ما سبق هو محض معلومات عامة في الشارع السوداني.
    من منهم ينسى بداية حميدتي مع مليشيات الجنجويد، أو لا يعلم أن قوات الدعم السريع ما هي إلا شرعنة لجزء كبير من تلك المليشيات، خلال عملية هندسها من طرف الدولة عبد الفتاح البرهان حين كان يشغل منصب المستشار الأمني لوالي دارفور خلال الفترة من 2005 حتى 2007، تلك الفترة التي توجت بتحويل الجنجويد لقوة أمنية رسمية بقيادة حميدتي وباعتقال قائدها التاريخي موسى هلال؛ على خلفية خلافه الحاد مع البشير وحكومة الكيزان، وهو بالمناسبة حيٌ يُجّلَد حتى الآن في غياهب السجون بحكم عدائه الكبير مع كل من البرهان وحميدتي.
    كم هذا التراكم المعرفي هو ما يجعلهم يرفضونه رغم مناوراته في بداية الاعتصام ومغازلته للمعتصمين برفض تنفيذ أوامر البشير بالعمل على فض الاعتصام بل وزاد عليها برفض الانضمام للمجلس العسكري تحت قيادة ابن عوف.
    وهم من يدافعون، لحظة كتابة هذه السطور، عن بقاء اعتصامهم على كامل مساحته في مواجهة الهجمة العسكرية التي تسعى لفضه ولو جزئيًا بهدف خلق واقع مختلف على الأرض يكون مؤثرًا خلال جولة المفاوضات المنتظر انعقادها في الصباح (14 مايو)، في تأكيد أن كائن العسكري يستحيل أن يفكر إلا بطريقة عسكرية.
    أن درجة الوعي السوداني عالية بحق لدرجة إنه سرعان ما تم إبعاد مريم الصادق المهدي عن لجنة التفاوض مع المجلس العسكري وإحالتها للتحقيق، ذلك على خلفية زيارتها غير المعلنة مسبقا إلى الإمارات خلال الأيام الماضية. ما يوضح الرفض التام لأي تدخل في العملية السياسية من أي من المعسكرين المتناحرين في الشرق الأوسط، حيث تم كذلك، منذ أيام، إصدار بيانات وردود شديدة اللهجة لتحذير بقايا التنظيمات الإسلامية، التي يسعى المحور الإخواني (قطر-تركيا) لإعادة تنظيمهم وتوحيدهم مرة أخرى ليتم طرحهم من جديد باسم الجبهة الوطنية للتغيير. وهو تكوين يعمل حاليًا على تمييع القضية والسعي لجر الموقف إلى انتخابات سريعة لخلق شرعية مغايرة للشرعية الثورية، في استنساخ واضح لسيناريو استفتاء 19 مارس في مصر.
    لكل ما سبق لا أعبء أن يراني البعض منحازًا أو مبالغًا حين أقول: أن ما يطرحه الثوار في السودان من معادلة شبه صفرية في وجه القوتين الفاشيتين.. العسكرية (المدعومة من السعودية والأمارات ومصر) من جهة والدينية (المدعومة من قطر وتركيا) من جهة أخرى؛ يجعل هذه الثورة في حال قُدِر لها النصر أن تترك تأثيرًا ثوريًا في القارة يساوي تأثير الثورة الفرنسية في أوروبا، لذا اتمنى لهم كل النجاح كما اتمنى أن يتبنى كل داعم لها وكل حالم بوجود حرية وسلام وعدالة أن يرفع شعار #تسقط_بس.

  • Social Links:

Leave a Reply