العلمانية في السياق الفكري العربي

العلمانية في السياق الفكري العربي

كنا في مقالة الأسبوع الماضي، المنشورة هنا في جريدة «الاتحاد»، قد أظهرنا أن العلمانية سارت في الفكر العربي الإسلامي من موقع أنها شيء والدين شيء آخر، بحيث نشأ القول التالي وسار في أوساط الناس، وهو: الدين لله والوطن للجميع، وبدا الأمر وكأن شيئاً ما ناقص في ذلك التعريف إلى درجة أن بعض الخصومات نشأت متباعدة في فهمه. ها هنا، يُفصح عن نفسه شيء ما هو الذي وضعنا يدنا عليه، حين قلنا: إنه الفصل بين الدنيا «الراهنة» الممتلئة بالمشكلات والصراعات الخبيثة وغيرها من جانب، وبين «الآخرة» من جانب ثانٍ، ويظهر ذلك عادة عبر التمييز بين «الدنيوي والأخروي».

وسنكتشف هذه الدلالة حين نضعها عبر التدقيق بين معاني «العلمانية» ونضع يدنا على «المعنى» الذي يثير بعض التساؤل في حال لفظ مصطلح العلمانية، مع التشديد على ذلك من موقع أن الفكر عامة يجد نفسه، بدرجة ما، متوافقاً مع الظروف الموضوعية والأخرى الذاتية التي تحيط به. ها هنا نسلط الضوء على لفظ العلمانية، فلفظ «عِلمانية» جرى استخدامه بـ«كسر العين» وبـ«فتحها»، ولن يكفي ما يقوله أولئك الذين يترجمون اللفظ حسب دلالته الأصلية ولفظه الأصلي.. بل هنالك حاجة لإخضاع ذلك اللفظ وفق الثقافة الجديدة المترجم إليها، ناهيك عن كون الدلالة التي يملكها اللفظ في «لغته الأصلية» تحتمل ما تتطلبه ترجمته إلى اللغة الجديدة، وخصوصاً حين يترجم إلى لغة أخرى مهما كانت مغرقة في الاصطلاحية الدينية. ذلك لأن ثمة ما يحدث على هذا الطريق باتجاه تحيين المترجَم، وهو هنا العلمانية لمنحه هوية ما جديدة.

ها هنا يبرز أمران، تطويع المصطلح للغاية المطلوبة، وتطوير هذا التطويع حين يترجم إلى لغة (هي هنا العربية) تتطلب منه إضفاء الشرعية على دلالته الجديدة.

لقد دخلت العلمانية إلى الفكر العربي فتلقفتها مجموعات تحمل همّ التحديث بضم الاحتمالات المتاحة في إطار «تحيين» الحدث المجتمعي أو التاريخي. فقاد ذلك إلى ضبط العلمانية في احتمالاتها القصوى المحتملة، فجاء الجواب عبر فكرة التمييز بين إحالة العلمانية إلى «العِلم» من طرف وإلى «العالَم» من طرف آخر. فتمت بذلك عملية «التحيين» على النحو الذي يُقال فيه: إن العلمانية مصطلح مشتق من العالَم وليس من العِلم، وذهب الأمر بذلك إلى النتيجة المتوخاة، وهي صلاح العلمانية في الفكر العربي، بما ينطوي عليه من احتمالات الإضافة العالمية إلى العلمية.

وهكذا أضيف إلى خزان الفكر العربي مصطلح العلمانية على النحو الذي يستجيب لحركة التغيير في العلم، كما في «الفكر العربي الديني» المتحيّن ضد الإطار التاريخي العربي، ودون الوقوع في القول بأن العلمانية هي نظرة في العلم كما في العالم. والحق أن ذلك أتى ليضيف إلى المسألة الفكرية العربية ما جعلها تعاني شيئاً من الانزياح «نحو المطلوب»، خصوصاً أن اللفظ «عِلمانية» يمكن أن يحتمل اللفظ الآخر «العَلمانية» متشابكاً مع إشكالات النهوض العربي الحديث، كان قابلاً لمواقف ومعانٍ يمكن أن تفضي إلى تحديث الرؤية الدينية في حقل المجتمع المشخص، وذلك ما جعل الأمر متحركاً بين هذا وذاك، ما جعل «الإشكالية» قابلة للإجابة بأي منهما.

وعمق ذلك الموقف «الإشكالي المحتمل» أن مسائل أخرى برزت وتواشجت مع مصطلح العلمانية، مصطلحات أخرى مثل «المدني» و«الديمقراطي» وكذلك مفهوم الحداثة وغيره. ونستطيع في سياق ذلك وضمن تحولاته، أن نشير إلى مفهوم آخر أكثر وقعاً مع الحالة الفكرية والسياسية هو «قواعد البناء الجديد» في مرحلة متعاظمة باتجاه اكتشاف وتعميق هذا البناء الجديد.

ولعلنا نشير بعدئذ إلى أن تلك الإشكالات ربما بأسسها المختلفة، أنتجت خطاباً متعدد المستويات والدلالات. فالقول بـ«عَلمانِية» وبـ«عِلمانية» كليهما يصب في تيار التحديث والتغيير، مع الإشارة إلى أن بعض الالتباسات قد تنشأ في صلب تلك العلمانية، ولكن الحدث التاريخي المشخص أضفى كثيراً في الحالة التي نحن فيها. أي بالدعوة إلى بذل جهود جديدة للمواءمة بين أطراف المشكلة واحتمالاتها (ولكن ضمن الحفاظ على احتمالي العِلم والعالَم وعلى الاختلاط فيما بينهما).

إن الحدث السوري التقط كل تلك الاحتمالات وطورها، بقدر أو بآخر، نحو رؤية شمولية تأخذ من عناصره الاجتماعية والسياسية والثقافية بقدر ما تعطيه إمكانات لضبطه وللقدرة على تنسيقه، ما يجعل منه حدثاً شاملاً في شموليته والقدرة على السير فيه إلى أمام.

  • Social Links:

Leave a Reply