نعم.. الشعب السوري غلبان

نعم.. الشعب السوري غلبان

أتابع في مقالة هذا اليوم الحديث الذي بدأتُه الأسبوعَ الفائت، وزعمتُ فيه إن الشعب السوري ليس عظيماً… وقد جاء ما كتبتُه ردّاً على معارضين خاطبوا الشعب السوري بصفة “الشعب العظيم”، في مستهل بيان أصدروه قبل أيام. في حدود اطلاعي، فإن مؤسس الحزب الفاشي الإيطالي، بنيتو موسوليني، هو أول مَنْ أطلق مصطلح “الشعب العظيم” على شعبه، ومثله كان صديقُه وحليفه الاستراتيجي، أدولف هتلر، الذي أسس دولتَه على الفكرة النازية القائلة إن الشعب الألماني يجب أن يكون فوق الجميع. ثم تبنتْ هذه الهتفةَ الخطابيةَ المخاتلةَ معظمُ الديكتاتوريات، وأبرزها في منطقتنا ديكتاتوريتا صدام حسين وحافظ الأسد. كان عناصرُ الحزب الفاشي الإيطالي الذي أوصلَ موسوليني إلى السلطة يذهبون إلى حيث العُمال المضربون عن العمل، ويوسعونهم ضرباً حتى يجبروهم على فك الإضراب، ومثلهم يفعلُ عناصرُ الأحزاب المتطرّفة التي تشبه العصابات في العالم، عندما يَفْتِكُون بمختلف فئات الشعب، مستخدمين طرقاً وأفانينَ مبتكرة. والشعب، في مثل هذه الحالات، أكثر ما تنطبق عليه صفةُ “الغلبان”، وإن كان لا بد من أن يكون “عظيماً” فهو عظيمٌ بصبره، وتَحَمُّلِهِ كل هذا الظلم الاضطهاد.
ما كان هؤلاء القادةُ الطغاة يكتفون بتعظيم الشعب، بل وكانوا يطلقون على الحزب الذي يحكم البلادَ باسمه صفةَ “الحزب العظيم”، ومَنْ يراجع خطابات حافظ الأسد في مختلف المناسبات يجد أنه يكرّر هذه العبارة عشرات المرات، ومما هو ثابتٌ في التاريخ القريب أن رفعت الأسد، وكان ذراعَ حافظ الفولاذية المخصصة للتنكيل بالشعب السوري، خطب، في المؤتمر القطري السابع لحزب البعث في ديسمبر/ كانون الأول 1979، قائلاً: إن ستالين، أيها الرفاق، أنهى حياة عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية… واضعاً في حسابه أمراً فقط، هو التعصب للحزب ولنظرية الحزب.
على ذكر “الحزب العظيم” الذي يجب أن يكون، بحسب رفعت الأسد، متعصباً، أنقلُ عن سامي الجندي قوله، في كتابه “البعث 1969” إن البعثيين هم أولُ من استخدم “الدولاب” لتعذيب سجناء الرأي الآخر وانتزاع الاعترافات منهم في سورية… هذا مع أن وضع المعتقل ضمن الدولاب وضربه بالعصي، ليعترف بما يُخفيه أصبح شبيهاً بما يسمّيه أشقاؤنا المصريون (لعبْ العيالْ) إذا ما قورن بأفانين التعذيب التي شاعت في سورية، بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في سنة 1970. وإن كان الرفاق الشيوعيون يتحدثون بأسىً ومرارة عن إقدام حكومة الوحدة المصرية السورية على إذابة الرفيق فرج الله الحلو بالأسيد سنة 1959، فهذه العملية ليست، هي الأخرى، أكثر من لعب عيال بالمقارنة مع مئات ألوفٍ من السوريين والفلسطينيين الذين قتلهم حافظ الأسد، ووريثُه في المعتقلات، بالأسيد، أو بالكهرباء، أو بالمرض، أو بالجوع، أو بالقمل، أو بالقهر، إضافة إلى مئات ألوف من السوريين والفلسطينيين الذين قُتلوا بسبب هذا النظام على جبهاتٍ لا ناقة لهم فيها ولا جَمَل.
وقف الشعب السوري الغلبان ساعاتٍ طويلة، بالدور، أمام أبواب المؤسسات الاستهلاكية، والأفران، ومراكز بيع الخشب والحديد المبروم والرز والسكر والزيت والحليب، وسُحِبَ أبناؤه من جوار زوجاتهم قبيل الفجر إلى حيث الضربُ والتعذيب والسباب على المَحَارم. عانى من التضخم النقدي وقلة الرواتب وانخفاض مستوى التعليم، وأُجْبِرَ على الاشتراك في مسيرات التأييد للقاتل وفريق القتلة المحيطين به. وفي أحيانٍ كثيرة، أجبروه على حمل الصور والأعلام، والاشتراك بالدبكة في حين تكون روح المرء واصلة إلى مناخيره، وهذا الذي حصل كله لم يكن سوى “لعب عيال” إذا ما قيس بما حصل له بعد سنة 2011 من قتلٍ وحصارٍ وتجويعٍ وتهجيرٍ وانخفاض مستوى التعليم والصحة.
الشعب الألماني لم يكن عظيماً حينما كان هتلر يستبدّ به. برأيي أنه صار عظيماً بعدما قرّر النهوض، بعدما تسبب هتلر بدمار ألمانيا

  • Social Links:

Leave a Reply