الطيب تيزيني ، صاحب المشروع النهضوي والثورة الفكرية _السياسية ، عدو الاستبداد والفساد ، الفيلسوف الناسك ، فارس يترجل!

الطيب تيزيني ، صاحب المشروع النهضوي والثورة الفكرية _السياسية ، عدو الاستبداد والفساد ، الفيلسوف الناسك ، فارس يترجل!

لم يعد الدكتور الطيب تيزيني بيننا منذ ليلة وضحاها، ولن نقرأ له، بعد اليوم، الا ما كان قد فاضه علينا على مدى اكثر من نصف قرن عقله النظيف المبرأ من ادران الفساد ولوثات الموزعين لمكرماته ، وما نثره ضميره _ قلمه الذي لم يتدنس يوما ، لا بالقول ولا بالكتابة ، بحبر الاستبداد ، اوالتملق او المهادنة والمقايضة مع اربابه وندامتهم والالتحاف بسطوتهم ، وسيبقى ماخطه قلمه النابض بهموم الناس المراهقين من أثقال الفساد والاستبداد ، وهموم الشعب السوري المدمى والشعوب التي تصارع تجار الحروب . ملايين السوريين رحلوا عن عالمهم الخاص إلى “عوالم” اخرى خلال السنوات الاخيرة العجاف ، تلك التي لا يراد لها أن تنقضي وعلى الأرض بقية من سورية، أو بقاء لاحد من السوريين بشرا سويا ، والسوريون الذين رحلوا ، على اختلاف صورهم ومواقفهم وافكارهم ومواقعهم واطيافهم ، رحلوا مأسوفا عليهم ، ماداموا قد غادروا عالمهم الطبيعي الذي كانوا متحدين معه ويبدعون في اعماره ، جيلا على أثر جيل ، إلى عوالم غريبة مبتدعة ، ليس باختيارهم ، بل مكرهين ، مقهورين ، مطاردين ، معذبين ، مجوعين ، معنفين ، مجردين من كل ماهو حق وخاصية لبني الإنسان!
والمفكر الطيب تيزيني واحدا من هؤلاء السوريين المنتكبين، ويكفيه امتياز واحد ، أن لم يكن له غيره ، علما بأن لديه الكثير الكثير ، وهو انه كان مثالا لمن يتطابق لديه القول والفعل ، والمبدأ والموقف العملي، ولو كان لأمثال هؤلاء الغلبة بيننا ، كنخبة، بشكل خاص ، وكشعب ، بشكل عام ، لما كانت سوريتنا هدرت أغلى سنوات تاريخ التطور الانساني وهي ثلاثة ارباع القرن الاخير ، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية و ظهور سورية كدولة مستقلة ، نظريا، ولأول مرة ، وهي ، على المستوى العام ، لاتراكم الا الفشل والانحطاط ، ولا تسير الا القهقرى ، ودون تحقيق أنجاز واحد يرفع الراس ! في مطلع السبعينات ، وبعد عودتي من الخارج لمباشرة عملي استاذا جامعيا في الاقتصاد السياسي في جامعة حلب ، وسورية تتخبط ، كما تركتها بعيد هزيمة الخامس من حزيران عام 1971، لفتتني مقالات ومحاضرات ودراسات مزيلة باسم يبدو غريبا بعض الشيء، علينا نحن السوريين، ” طيب تيزيني” ، وبالأخص، الكتاب الأول في سلسله مشروعه النهضوي الكبير. كانت كتابات الطيب تيزيني مختلفة عن الكتابات التي تتلبس الثورية الماركسية او الشيوعية (الأولى بالمعنى الفكري، والثانية بالمعنى الحزبي) التي كانت حينها “موضة” منتشرة شعبويا، ولكن دون بعد عميق . فالطيب لم يكن يفكر او يكتب دوغمائيا ، أو يجتر ايديولوجيا ، انسياقا مع “الموضة الاشتراكية! ” ، وإنما كان يكتب رؤيته للواقع الذي يعيش فيه وتناقضاته وتحولاته من فيض عقله وبقلمه الخاص ، أو يكتب في المجال النظري بمنهجية تحليلية علمية وبمصطلحات فكرية تفدمية ، غير حزبية مؤطرة . تعرفت على الطيب تيزيني، استاذ الفلسفة بكلية الآداب بجامعة دمشق، شخصيا، في النصف الثاني من الثمانينات ، بعد انتقالي إلى جامعة دمشق._كلية الاقتصاد . و فكريا، بحكم التداخل بين مجالينا الفكريين : مجالي _ الاقتصاد السياسي _ وهو فلسفة علم الاقتصاد ، ومجال الدكتور طيب _ الفلسفة، منزلة من عليائها الى الميدان الاجتماعي الاقتصادي الثقافي الواقعي ، وبصياغات لغوية خاصة به . كان الدكتور طيب قد كتب مقدمة لكتابه الأول في مشروعه النهضوي يعرض فيها مخطط وعناوين برنامجه الفكري الواسع الذي يخطط لإنجازه ، والذي قلت لنفسي ، عندما قراته ، انه ، لضخامته، غير قابل للتنفيذ على مدى حياة وبقدرات انسان واحد ، مهما بلغت ، حتى ولو سارت كل الظروف المحيطة كما يشتهي . والآن ، رحل الدكتور طيب ، وكما كنت قد توقعت ، دون انجاز مشروع عمره الفكري النهضوي، لكنه ترك ماهو، برأيي، أهم منه بكثير، الا وهو مثال الإنسان المفكر صاحب المبدأ ، الذي لايتفارق ، وبالاحرى ، لايتناقض فكره ومبدأه عن موقفه العملي وحياته الواقعية، بل تبرز الوحدة بينها، اكثر ما تبرز، في الأوقات العصيبة، إبان مواجهة الأحداث التي تحرف مسار التطور العام عن الطريق الصاعد ، وتجرفه نحو الانكسار والانهيار الكارثي المأساوي الذي ماكان يجب أن يكون، واستعداده لتعديل افكاره بعد ان اصبحت بعض موضوعات برنامجه الفكري الطموح خارج مهمات التاريخ الواقعي ، بعد الأحداث التي غيرت العالم في مطلع التسعينات ، وغيرت، بالأخص، سورية والمنطقة خلال العقد الأخير و ما قبله ، وقد قلبت الاولويات أعاليها أسافلها، ودون ان يساوم على المبدأ الأساس، الا وهو حقوق الإنسان في الحرية والكرامة . وقد أنجز الطيب لاحقا عددا من المؤلفات الفكرية _الفلسفة الهامة ، إلى جانب النشاط الثقافي الذي لا يهدأ ، من إلقاء المحاضرات في المراكز الثقافية والمنتديات ، إلى كتابة الدراسات والمقالات ، التي لاتجد فيها أي انحياز عن المبدأ الأساس ، الأمر الذي برز على أوضح مايكون، أخيرا ، في مشاركاته المتميزة ، فكريا وميدانيا ، التي تحتمل أشد الأخطار ، في الحراك الثوري الجماهيري من أجل التغيير الديمقراطي المستحق في سورية . فقد كان بين مصدري البيانات السياسية المطالبة بالاصلاح ، وكان بين الشابات و الشباب الذين تجمهروا في بداية الحراك الجماهيري عام 2011 امام وزارة الداخلية مطالبين بإطلاق سراح المتظاهرين المعتقلين، وتعرضوا هناك لهجوم مباغت وضرب واعتقال مهين . وفي بداية الحراك الجماهيري الثوري ، عندما كان لدى بعض اوساط السلطة معارضة للخيار العسكري الاجرامي بحق الوطن والشعب والمواطن والجيش ، وتفضيل للحوار والإصلاح السياسي ، تفهما منهم ، بعد الاجتماع مع العديد من المعارضين الفكريين والسياسيين، ومن بينهم الدكتور طيب وكاتب هذه الأسطر ، بأن هذا الخيار اذا ما بدأ فإن أحدا لن يستطيع التحكم في مساره ، وبالاحرى وقفه او حصره وضبطه، وسيستدعي التدخلات الخارجية المدمرة لسورية، كدولة وكشعب ، ونتيجة وجود هكذا رأي، على ضعفه، جرى تشكيل “لجنة الحوار الوطني” ، ولكن ، وكعادة النظام الاستبدادي ، بطريقة فوقية احادية ، واتجهت وسائل الإعلام المحلية والخارجية لإجراء لقاءات مع أصحاب الرأي الآخر ، بالإضافة إلى الدعوات من قبل السلطات لهم للظهور بوسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة والمكتوبة، ومن بينها طاولة الحوار الموسعة التي انعقدت في بداية الحراك عام 2011، والتي نشاهد ونسمع كلمة الدكتور طيب تيزيني فيها في فيديو يجري توزيعه ، بعد رحيله ، وقد تحدث فيه عن جملة إجراءات كان يتوجب على السلطة اتخاذها كشرط لاطلاق حوار جدي مثمر يوقف الكارثة ، اولها وقف الرصاص فورا ، وعدم اقحام الجيش في مواجهة المتظاهرين ، وتفكيك السلطة الأمنية التي ألغت الدولة والقانون على مدى عقود طويلة، والكف عن سياسة الفساد الممنهج التي تصر على إفساد من لم يفسد بعد ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ، وإلغاء احتكار السلطة للإعلام والنشر ليصبح حرا ومفتوحا أمام أصحاب الرأي الاخر ، وحتى اسلوب تشكيل اللجنة التي تدير الحوار والتي كان يجب أن تتشكل بمشاركة من الجميع وليس من قبل السلطة وحدها ، الخ.. وكانت جلسة الحوار قد اذيعت على التلفزيون السوري مباشرة و سمع الشعب كلمة الدكتور طيب تيزيني وكلمات عدد محدود من المعارضين الآخرين ، الاقل منه جذرية، ووضع المواطنون أيديهم على قلوبهم خوفا من افشال وتوقيف الحوار والإصلاح السلمي ، والذهاب، بالتالي، إلى الكارثة التي لاتبقي ولا تذر ، التي حذرنا منها بأعلى الأصوات و بكل الوسائل ، ولكن تلك الجلسة “الحوارية !” العلنية أصبحت ، من فورها ، وللأسف الشديد ، يتيمة، كما أن كلمات المعارضين القلائل لم تتكرر اذاعتها مرة أخرى، بل جرت محاولة للالتفاف عليها والاجتماع لم ينفض بعد ، ببيان ختامي معد مسبقا للاعلان يتنافى مع كل ماسمعناه من كلمات ، مما دعى المعارضين، وعلى رأسهم الدكتور طيب تيزيني ، كما روى لي، إلى الاحتجاج والتهديد بالانسحاب ، حتى قاموا بتغييره جذريا واذاعة بيان جديد يوافق بمعظمه ما قاله المعارضون . ولكن، عندما اطلع أصحاب الدعوة إلى “الحوار!” على البيان المذاع القوه على الفور، ومعه مصير سورية كلها، دولة وشعبا، في سلة مهملات التاريخ الإنساني !!!، ليكون استهتارهم هذا مصداقا لموقف عدد من المعارضين، وكنت من بينهم ، الذين أصروا على مقاطعة طاولة الحوار ، وعدم الاستجابة الى الدعوات و الاتصالات العليا والوساطات والتطمينات المعظمة حول جدية الحوار ، والتي كان ردنا عليها مطابقا لما ورد في كلمة الدكتور طيب ، من داخل قاعة الحوار ، من حيث ضرورة قيام السلطة ، اولا ، بتوفير الأجواء السلمية والشروط الضرورية لإعطاء الحوار الجدية والمصداقية والحيلولة دون استخدامه في ادامة خداع الشعب ، الامر الذي كان واضحا لنا من المخادعة في وعود توفيرها، وتأكد لاحقا من طريقة إجراء الحوار وبتره والتعامل الفوري العدائي الفظ مع مخرجاته، بالأمعان في القمع بالرصاص والقوة العسكرية كخيار وحيد لاشريك له ! رحل الرجل الذي لم تعرف عنه يوما الازدواجية او الانتهازية ، أو الانفصام بين القول والفعل ، أو التناقض بين الفكر والممارسة ، أو الجبن والاستلام للمغريات والتخاذل عن قول كلمة الحق في الزمان والمكان المناسبين، ودون التحسب للنتائج والآخطار المترتبة، فعليا وليس احتماليا فقط ، على تلك الآرأء والمواقف المبدأية الجريئة والعميقة .
رحل المفكر الكبير الذي لم يهادن ، لم يساوم ، لم يقايض ، لم ينادم ، لم يرتزق ، ولم ينحن أمام متعهدي الكوارث ، بل لم يوفر مناسبة او مقاما دون أن يقول كلمة الحق . رحل الفارس العملاق، المعتمد في شؤونه المعيشية حصرا على الذات والامكانيات الصفرية ، المتواضع ، الانيس لكل الناس ، غير طالب لشيء في هذه الدنيا، لاله ولا لعائلته الكريمة المتعففة ، الا ان لايغمض عينيه قبل أن يغيب ازيز الرصاص ، وينتهي موت المواطنين واطفالهم من البرد والتشرد و الجوع والحصار والمرض، ان لم يموتوا من القتل والتعذيب والاعتقال والتغييب ، ويتعافى المرضى والعاجزون ، وترفع الانقاض من فوق الضحايا ليدفنهم ذووهم بكرامة ، كما يحق لكل إنسان بعد هذه الحياة ، ويأمن كل المواطنين في مكاتبهم واماكن عملهم ومصانعهم ومتاجرهم واراضيهم ، بعد احيائها ، وفي بيوتهم المعمرة بعد دمار وتعفيش همجيين متعمدين ، من يعودون منهم بعد التهجبر والنزوح او من بقي ولم يغادر لكن محروما من الأمان والضروريات الدنيا ، ويذهب الأطفال والشابات والشباب إلى مدارسهم وجامعاتهم المدمرة المعاد بناؤها وتجهيزها ، ولا يتأخر عنهم اساتذتهم، (ومن بينهم الدكتور طيب الذي لم يستخدم طيلة حياته الجامعية غير وسائل النقل العام التي لاتصلح لنقل البشر) بسبب انعدام الوقود او المواصلات، اوتخصيصها حصرا، وباموال المواطنين المحرومين، لارباب الفساد والاستبداد وحواريهم وجواريهم !
رحل الجار والصديق والرفيق ، الفيلسوف والمفكر الزاهد ، المتنسك في صومعة الفكر المتنزه ، طيب تيزيني، قبل أن تكتحل عيناه ، ليس برؤية الفجر الجديد لوطنه الذي بشر به طيلة حياته ، واحسرتاه ، وإنما برؤية انبثاق الضوء في آخر نفق الكارثة المستفحلة الذي مازال يشتد ظلمة على ظلمة طيلة نصف قرن او يزيد ! اعذرني يا صديقي ، فأنا لا أريد حقا أن ارثيك ، انما ارثي نفسي ، كسوري ، وارثي جميع من مازالوا يحسبون أنفسهم أحياء ، في رحاب هذه المقبرة الشنعاء ، التي لم يبق فوق ترابها الا مشاريع الأموات ، وانت الحي الذي افكاره وكلماته لن تموت ، لأنها كانت كافية ، لو حملت على محمل الجد ، أن تحمي سورية من الموت !
وانه لعهد من السوريين الأحياء ، الذي لم ينسوا كلمات مدير سابق لمتحف اللوفر : “لكل إنسان في العالم وطنان، سورية والوطن الذي يعيش فيه” ، انهم سيتعالون على آلامهم وجراحهم، وسيتخطون الخنادق التي حفرت والجدران التي بنيت فيما بينهم من أجل ابقائهم في الشتات والعراء حتى الذوبان او الفناء، وإبقاء بلدهم متصدعا إلى الأبد ، ورازحا تحت أقدام مختلف الغزاة الغرباء ، عهد أن يتعاونوا ويتضامنوا على تجاوز كل اسباب التخلف والتصدع ويرفعوا وطنهم _ سورية _ من تحت الانقاض إلى مستوى المشاركة المتكافئة مع جميع الأمم في صناعة والاستفادة من خيرات الحضارة الإنسانية الجديدة .
والعزاء لأسرة الفقيد الكبير ولمحبيه الكثيرين، وبالأخص لمن لم تسنح له الفرصة ولم تسمح الظروف الشوهاء بالمشاركة في وداع يليق بمثل الدكتور طيب تيزيني إلى مثواه الاخير !

  • Social Links:

Leave a Reply