سؤال من احد الاصدقاء : مارأيك بنظرية صراع الطبقات الماركسية، هل لازالت سارية المفعول حى الان، ام شاخت؟ فالظروف، هذه الأيام ، لاتقبل التناحر بين الطبقات. وكيف أصبحت الدول والشعوب ذات الرفاه العام اليوم؟ ________________

سؤال من احد الاصدقاء : مارأيك بنظرية صراع الطبقات الماركسية، هل لازالت سارية المفعول حى الان، ام شاخت؟ فالظروف، هذه الأيام ، لاتقبل التناحر بين الطبقات. وكيف أصبحت الدول والشعوب ذات الرفاه العام اليوم؟ ________________

في محل الجواب :
عندما ننظر اليوم في أسباب واشكال الصراعات التي تنشب هنا وهناك، محليا واقليميا وعالميا، بعد أن أصبحت إمكانية الحرب العالمية الثالثة مقيدة بفعل التوازن النووي، وما دام الحلم بعالم يسوده الوئام والسلام بعيد التحقيق، ربما نقول : ليت الصراع الطبقي استمر في موقع الصراع الرئيسي في المجتمع، لأنه، بالمقارنة باشكال الصراعات الأخرى، هو الاوضح والأكثر مصداقية ، بسبب كونه افرازا وانعكاسا للعلاقات الاجتماعية الواقعية المادية، ومرتبطا باسباب موضوعية تاريخية ملموسة ، وهي موجودة في كل زمان ومكان، ولذلك كان كارل ماركس قد اعتبر الصراع الطبقي محرك التطور التاريخي، إذ يقود الى التقدم والانتقال من مرحلة تاريخية دنيا إلى مرحلة أعلى في التطور البشري.
ومن اجل أغراض المقارنة فإني احصر حديثي هنا عن الصراعات التي تجري في المجتمعات البشرية في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية.
وبالنسبة لجميع الصراعات الأخرى، القومية ، القبلية، الدينية _ الطائفية ، الاثنية والعرقية_العنصرية ، والدولية…. الخ ، ومع الإقرار بوجود العلاقة الوثيقة بين الصراع الطبقي وبين جميع أشكال الصراعات الأخرى، الا انه، بالمقارنة، يمكن اعتبار تلك الصراعات الأخرى ذات نتائج غير إيجابية، على المستوى التاريخي ، بل سلبية ورجعية وكارثية.
إن تراجع ظهور الصراع الطبقي وقيام الصراعات الأخرى بطمسه واحتلال الساحات بدلا عنه ، كما هو حاصل في أيامنا، (ولست اقصد القول هنا بأن الصراع الطبقي أصبح وراءنا ، بل أؤكد انه يستمر هو الأقوى في الجوهر، وان كان متسترا بالاشكال الأخرى) وهذا إنما يؤشر إلى العودة الى العلاقات الاجتماعية ماقبل السياسية. ورغم ان مختلف انواع الصراع قد تتماثل، غالبا ، في الأدوات والوسائل والعنف والهمجية، الا ان الصراع الطبقي ، في هذه المرحلة التاريخية التي ترتفع فيها راية الديمقراطية، هو الأكثر تحققا بوسائل سياسية وثقافية _فكرية ، وبالتالي بوسائل أقرب منها الى السلمية _القانونية ، بينما الصراعات الأخرى تسود في الانظمة الأكثر معاناة من التخلف الاجتماعي والثقافي وكذلك في ماقبل دولة القانون او في الظروف المانعة لظهور دولة القانون، فهي تتخذ أشكالا اكثر همجية وأقل سلمية بكثير .
إنني لا أميز هنا بين هذا الشكل من أشكال الصراع وذاك بطريقة الأبيض والأسود، فليست هناك قاعدة ثابتة، وانما هناك الاحتمالات الأكثر والاقل لهذا الشكل او ذاك في اتخاذ الأشكال السلمية والسياسية ، ولكل قاعدة اشتثناء.
اننا نعيش الان تراجع أشكال الصراع الواضحة، كالصراع الطبقي ، وحلول أشكال الصراع الملتبسة غير الطبقية محلها، وأعتقد أن هذا تطور سلبي يؤذن باخطار اكبر من تلك التي عرفتها البشرية سابقا، رغم التنور الثقافي والعلمي والتقدم الاجتماعي الكبير الجاري . ولدينا في يومنا هذا واقعة بليغة الدلالة، وهي الانتصار الذي احرزته هذا اليوم (28/5/2019) أحزاب اليمين الأوربية المتطرفة الشعبوية في الانتخابات لعضوية البرلمان الاوربي ، في مقابل اضمحلال وغياب الاحزاب اليسارية واليمينية التقليدية ، المعبرة عن التوزيعات الطبقية للمجتمع ، وبالتالي، تراجع دور المصلحة الطبقية في الانقسامات الاجتماعية، لصالح اسباب أخرى للاستقطاب والانقسامات الاجتماعية اكثر بشاعة وتخلفا وبربرية ، يبرز من بينها اليوم، مثلا، الموقف السلبي المتشدد المعادي للشعوب والدول الأخرى ، المستعمرة سابقا، ، وبروز مشاعر الحقد والضغينة اتجاه اصحاب الديانات والقوميات والثقافات الأخرى ، حتى إطلاق مصطلح (صراع الحضارات) لتمييز الصراع الحاضر على الساحة العالمية عن سابقيه، وبروز النزعة الأنانية عندما يطغي شعار الأنا اولا، مثلا ، فرنسا اولا ، والمانيا اولا، وامريكا اولا، وهكذا… ، وهذا ما يكون نتيجة لاشتداد الازمات الاقتصادية _ارتفاع البطالة والفقر، وانخفاض مستوى المعيشة، وتزايد العجوزات في الميزانية والميزان الخارجي _ فيما كان يطلق عليها لمدة ربع قرن بعد انطفاء نيران الحرب العالمية الثانية في 1945بدول الرفاه العام (الدول الرأسمالية الغنية المتقدمة اقتصاديا) ولكنها تعاني هذه الأيام، رغم غناها وتفوقها في كل شيء، من الازمات التي تترافق بتازم الوضع الدولي وازدياد قوة وهيمنة الاحتكارات، وأهمها اليوم المجمع الصناعي العسكري والشركات النفطية ، وتسارع السباق التكنولوجي من أجل الهيمنة …الخ. لقد شهدت العملية الإنتاجية تغيرات جوهرية، سواء في طبيعة العمل وادواته ، أو في طبيعة المنتجات، وتغيرت التركيبة الاقتصادية الاجتماعية عما كانت عليه في المجتمعات الطبقية التقليدية ، عندما كانت هناك طبقات واضحة ، ككتل رئيسة ، وفئات اجتماعية وسطية او هامشية واسعة فيما بينها ، غير ذات طابع طبقي واضح ، على مثال سادة العبيد والعبيد ، الإقطاعيون والفلاحون الاقنان ، الرأسماليون والعمال ، عندما كان العامل الأساس في التصنيف والانتماء والقوة الاجتماعية والسلطة السياسية والمعنوية والثروة ، هو العلاقة بملكية وسائل الإنتاج والمنتجات ، أما اليوم فقد تراجعت أهمية هذا العامل الأساس في التصنيف والانتماء إلى هذه الطبقة او تلك ، مع تغير طبيعة الأنظمة الاقتصادية _الاجتماعية ، ومع تغير أشكال النقود مع تطور الرأسمالية وابتداع النقود التسليفية (الورقية والخطية… الخ ، حتى ظهور النقود الرقمية هذه الأيام، مثل البتكوين وغيرها) وجميعها لاتحمل قيمة في ذاتها بخلاف ما كانت عليه النقود السلعية المعدنية ، كالذهب والفضة، وكان تطور أشكال النقود نحو النقود التسليفية غير المحددة بكميات فيزيائية ذات قيمة ذاتية ممثلة بكمية العمل الإنساني المتجسد فيها، كاي سلعة أخرى، اهم شرط لتمكين الرأسمالية _ الإمبريالية من النمو والتوسع والهيمنة، مثل هيمنة القطب الواحد _الأميريكي بتكلفة زهيدة متمثلة بالورق الأخضر ، متحررة من المقيدات الخارجية، لكن مع البقاء تحت ضغوط المقيدات الداخلية النابعة من طبيعة نظامها نفسه والمتمثلة بالازمات الاقتصادية التي لاقبل للنظام الرأسمالي بالتحرر منها والحياة بدونها ، كظاهرة حتمية ملازمة له، هذه الرأسمالية _الإمبريالية التي تجاوزت حدودها القومية واصبحت راسمالية _ امبريالية عالمية_(عولمة) ، المرافقة في العقود الاخيرة بثورة المعرفة والتكنولوجيا ، والتغير في طبيعة وأشكال العمل المنتج والعمليات الإنتاجية، وبتضخم مكانة الخدمات في الإنتاج الوطني والعالمي ، وتضخم نسبة المشتغلين فيها، وتقدم دور العمل الذهني ومنتجاته على حساب العمل الفيزيولوجي ومنتجاته مع تحول العلم والمعرفة إلى قوة إنتاج مباشرة، فأصبحت المعرفة بذاتها قوة وقدرة إنتاجية ، وخرج من اوساط الناس العاديين أشخاص يحملون هذه القدرة التي لاتتحدد ، بالضرورة، بآلة او بمادة، وبسرعة غير منظورة اختصروا الزمن والقرون بسنوات واصبحوا في طليعة قائمة الأثرياء، واصبحت شركاتهم التي تنتج تكنولوجيات المعرفة الأكبر بين الشركات ، ليس فقط في مجتمعاتهم، بل وفي العالم كله، وأصل راسمالهم مجرد افكار في رؤؤسهم !
وهكذا تضعضعت النقابات والاحزاب السياسية والكتل الاجتماعية الطبقية التقليدية ، ومع تضعضع الصراع الطبقي السلمي الديمقراطي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية في الدول المتقدمة ، وبالأخص بعد انهيار تجربة الاشتراكية الواقعية، فقد تضعضعت فكرة العدالة الاجتماعية ودولة الرفاه العام وحقوق الإنسانية والإنسان في العدالة والحرية والكرامة والمساواة.
ومع ظهور العولمة، حصل انتشار لهذه التبدلات الجوهرية التي وقعت في أكثر المراكز تطورا في العالم : أمريكا الشمالية، أوربا، الشرق الأقصى. نحو المناطق الأكثر تخلفا في العالم، ومنها وطننا العربي، الذي ، وبسبب من تعنده وإصراره على التنكب والانقطاع عن المشاركة الايجابية في مسيرة التطور العالمي، (رغم تفوقه الهائل في امتلاك الشروط المادية الموضوعية لهذه المشاركة ، كالثروات الطبيعية والمالية والمواقع الاستراتيجية وراس المال البشري _ الخبرات والقدرات العلمية و العقلية الفردية) ، يعيش اليوم اقسى المعاناة الناجمة عن التمسك بالماضي المنقطع عن مسيرة التطور منذ قرون طويلة وبالعبودية العمياء المطلقة لبنياته الاجتماعية والفكرية المتكلسة الفاقدة للحياة التي جعلته في عالم اليوم مجرد زوائد وملحقات طرفية طفيلية، يعيش فقط على التقاط مفرزات هذه التطورات الانفجارية في المراكز العالمية، ويلهث، كالمحموم، طلبا لاستهلاك منتجاتها المادية والمعرفية الجاهزة ، مستغنيا بذلك عن اعباء مجرد التفكير بالنهوض للشراكة في خلقها !
ان انظمت(نا) ، في هذه المرحلة الأهم والآخطر في التاريخ البشري، تسقي شعوبها مخصصاتها من بنزينها التي يتنازل عنها لها أولئك الذين يشفطونه من أعماق أرض هذه الشعوب ، لتبقيها مغيبة عن الوعي، كما وصف حالتها الروائي حيدر حيدر قبل اكثر من ثلث قرن في قصته القصيرة (النمل والقات)، والتي تجاوزتها هذه الأيام إلى التخبط بدماء ابنائها، كما هو مرسوم لها.
فهل من يقظة عند الاربعمائة مليون انسان، بمن فيهم المسؤولون الأول عن خروجهم من التاريخ والجغرافيا العالميين، أولئك الملتصقون ، بوساطة لحام خارجي ، بكراسي الاستبداد والفساد والقرار المكرسة لهم ، فاقدو الثقة بقدرة شعوبهم على إدارة بلدانهم ، مؤمنين بأن خالقهم ، بعد أن خلقهم، كسر القالب، وأنهم لا بديل لهم من بعد ؟!

  • Social Links:

Leave a Reply