مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي في العدد /958/ من جريدة الرافد ليوم الاثنين بتاريخ 19 آب 2019
البطل الشعبي والمثقف الزائف

البطل الشعبي والمثقف الزائف

كل الذين لديهم كلام غير مسؤول، عن بطل شعبي مثل الساروت والقاشوش وغيرهما الكثير، كانوا يخرجون من فيلم (قلب شجاع) لـ ميل جيبسون، وهم يشعرون بقيمة الكرامة، ويمنحهم الفيلم النصر الجواني للحياة، وربما علقوا في بيوتهم صورة البطل السينمائي وليس البطل الواقعي الذي جسده ممثل الفيلم…!

ألم يقاتل بطل (قلب شجاع) بكل ما يملك من سلاح حاد من أجل الكرامة، من أجل قيمة تخص الروح الشعبية، وتخص القيمة الوطنية، على الرغم من أن جيش أعدائه لم يستبيحوا الحياة بهذه القسوة التي استخدمتها أنظمة مستبدة، كالنظام السوري، ولم تتم إبادة شعب، وتهجيره كما حصل في المقتلة السورية التراجيدية الشنعاء؟ ثمّ ألم يكن لدى بطل (قلب شجاع) مقاتلون شعبيون قساة، ألم تدر مذابح حقيقية بين الرجال، وكانت النساء والأطفال في مأمن بشكل ما!؟

ربما الأدب والفن الحديث لم يتناول مفهوم وتجسيد البطل الشعبي، الفوضوي، الذي يدافع عن أرضه وعرضه وكرامته التي هدرت.

عليك أن تقرأ جيدًا -أيها المثقف الزائف- كيف يقاتل البطل الشعبي، وكيف يفني كل ما لديه، كالساموراي أو المقاتل الياباني الذي كان يرمى بنفسه وطائرته في حلق الأسطول الأميركي.

لا يمكن للمواقف الأيدولوجية أن تكون عائقًا، كما يحصل الآن في المجزرة السورية، فهي لا تميز بين البطل الشعبوي، والمقاتل المأجور.

ألم يتبنَّ المثقف خرافة الزير سالم وتجسيدها كقيمة شعبية، ومن رحم مفهوم البطل الشعبي “لا تصالح” أليست فكرة انتقام؟

المثقف العربي الزائف يريد أن يكون البطل الشعبي على الورق فقط، كما هو نضاله الإنشائي التاريخي، الذي صاغه كبيانات ومواقف في أمسيات ضيقة، فقط للتطهير، بينما يبني الأعداء منشآتهم على أرضه المحتلة.

ألم يؤدِ جزار ليبيا الجنرال غريستياني التحية لجثمان عمر المختار، وهو قاتله؟ لمذا فعل ذلك القاتل الإيطالي؟ ليس بسبب عدالة في رأسه، بل هو فهم تاريخي للبطل الشعبي، وقيمته، كما عرف كيف يؤبّد نفسه بإيجابية مع ضحيته، فلو أنه قتله من دون هذه التحية؛ لنسيه التاريخ وأبقى عمر المختار وحيدًا ببطولته.. حتى المثقف الزائف البائس لا يعرف هذه المعادلة الأخلاقية، أو رديفها الانتهازي.

لست بصدد تعريف المثقف الزائف بهذه المقالة، فلقد كتب عنه، بأسماء مهذبة، جورج لوكاشوكثيرون غيره، وتحت عناوين مختلفة، مثل المثقف العضوي ودوره الثقافي والتاريخي في التغيير. ولست بصدد تعريف البطل الشعبي الممتد والمتجسد في كل فنون وثقافات المجتمعات.

لم يكن البطل الشعبي يومًا مصلحًا ولا صاحبًا لأفلاطون، وهو ليس مثقفًا في الأساس! إنه مناضل ومقاتل عفوي مملوء بالأخطاء، لكن له في الأدب والفن، قيمة جمالية عليا، يرصدها المثقف غير الزائف، بفخار وعزة. حتى إن الرسامين والكتاب والسينمائيين وغيرهم من المبدعين، اقترحوا في إبداعاتهم أبطالًا شعبيين، غير واقعيين، من أجل هذه القيمة العليا للبطل الشعبي الواقعي.

الساروت: بطل شعبي بامتياز، قُتل في معاركه الحياتية، وهو ينشد حينًا ويقاتل حينًا آخر. لم يكن قائدًا فذًا، بل كان موجِعًا بحنجرته، وشجاعته، وصدقه؛ لذلك أطلق أعداؤه على قتله عبارة (الصيد الثمين)، لأنهم يدركون أنه بطل شعبي، وهذا النوع من الأبطال، يصمد زمنيًا، فهو مخيف وخطر، لذلك لا بد من الخلاص منه كشخص، وكقيمة، تدخل الوجدان الشعبي، الوجدان الذي لا يموت.

ما الذي يفعله المثقف الزائف؟ إنه يقود تزوير القيمة، وكما هم (مؤرخو) الأباطرة والمستبدين، يؤرخون بتزويرٍ منقطع النظير، فلا بد من جيش يوازيهم من المثقفين الزائفين الأنذال، كي يبددوا القيمة الأخلاقية والإنسانية لمفهومات كثيرة، منها البطل الشعبي، وقيمة الموت من أجل الحرية والكرامة.

البطل الشعبي ليس لديه برامج سياسية براغماتية، ولا يعرف -إذا انتصر- ما الذي سيحدث بعد ذلك. يعرف الدفاع عن شعبه فقط، بلا طلبات ولا مواقع ولا مال ولا مناصب.. لا يعرف أنه سوف يكون رمزًا، ولا يدري متى تنتهي الحرب ولا كيف بدأت.

البطل الشعبي كما هو عروة بن الورد في الوجدان، لكن المثقف الزائف المعاصر، انتقائي حقير، يشبه المثقف النازي والصهيوني.. يحمل عقلًا انتقاميًا وضيعًا، وآه يا سورية كم قاتلٍ لديك ومقتول، وكم من السكاكين على نحرك! والأيام القاسية لم تأتي بعد، وإنه لشرخ عميق وعظيم.

  • Social Links:

Leave a Reply