حول الدعوة الى “وصاية دولية على سورية تخرجها من تحت الانقاض الى العصر الحديث” !

حول الدعوة الى “وصاية دولية على سورية تخرجها من تحت الانقاض الى العصر الحديث” !

بداية ، يجب أن نعلم ، نحن السوريين ، بأن هناك وصاية دولية واقعية على بلدنا ، متوافقا عليها ضمنيا ، منذ خمس سنوات على الاقل ، ويجري تحويلها الآن إلى وصاية رسمية، قد يعلن عنها قريبا، تقوم على مبدا المحاصصة الدولية، بين المتدخلين الكبار والصغار، الدوليين والاقليميين ، وتظهر باعترافهم المتبادل بمصالحهم وحدودهم داخل سورية البرية والبحرية والجوية، وفي السلطة السياسية والاقتصاد السوري ، وتحويل صراع المصالح بينهم، اذا وجد، الى صراع بالكلمات ، دون اللكمات ، بل وحتى في هذا اخذوا يشذبون الكلمات ويدورون الزوايا حتى في اهم نقطة وهي الموقف من النظام، بعد انجاز مهمتهم الأساس وهي تهشيم سورية وتدمير كل مافيها وتحويل النظام إلى اسم بلا مسمى ، وتحالف أياد وقدرات محلية وخارجية ، حتى استنزاف سورية والغائها ، دولة وشعبا ، والاعتراف المتبادل فيما بينهم بادوات بعضهم البعض من ميليشيات وعملاء وعصابات من جميع الألوان . فهل يتوجب على المعارضة الوطنية الحقيقية النزيهة ، بعد كل هذه الوصاية الفعلية ، ان تضع ، أيضا، بصمتها عليها، رسميا، وتدمغ حتى اشخاصها الذين لم يدمغوا بعد ، بالترويج والمباركة ل “الاوصياء” الخارجيين ولمأجوريهم المحليين بما انجزوه ، والفوز بالتالي بسخريتهم من طالبي الوصاية المستنجدين بهم ، امثال اولئك الذين ما ان انطلقت الاحتجاجات الشعبية في مطلع 2011 ، بل وقبلها بعشر سنين، في ربيع دمشق الزاهر المغدور ، ممن لم يكونوا ، سابقا ، قد عرف عنهم اي معارضة او نشاط سياسي ، حتى بالقلب او باللسان ، ان لم يكونوا ، فعلا ، قد خدموا ، سنوات طويلة ، أعداء جديين للمعارضين الحقيقيين للاستبداد والفساد ، وإذ بهم قد سارعوا بعد انطلاقة الشعب السوري الوطنية التحررية عام 2011 ، مستعينين باجهزة دول وبفضائيات مسخرة، لاعتمادهم وتنصيبهم على راس المعارضة على”ميزة ” وحيدة وهي وضع أنفسهم تحت تصرف الدول والاجهزة الاكثر عداء، عمليا، لاي بديل وطني ديمقراطي لنظام الاستبداد والفساد في سورية ، ومطالبة تلك الدول واجهزتها بالتدخل العسكري المباشر ، بما في ذلك الإرهابي المتوحش المجرب جيدا، وهي ، في الاصل، اكثر من يتحسب لحقيقة ان نشوء نظام وطني نظيف من التخلف والاستبداد والعطالة والفساد في سورية قائم على مبدأ “الدين لله والوطن للجميع” والذي مكن سورية من الظفر بالاستقلال عام 1946، لو تحقق فعلا ، كما يطمح الشعب السوري، من غير أعداء هذا الشعار الوطني الازليين، فانه سيقطع الطريق على كل الطامعين باقتناص سورية “الصيدة ” واعادتها الى الوراء قرونا وتفتيتها .
وكنا نقول منذ بداية 2011 ، (لا للتدخل الخارجي) ، لمعرفتنا ان القوى الخارجية التي يستنجد البعض ، يأسا او عمالة ، بها لازاحة النظام عسكريا ، أو لدعم وتمكين النظام ، ليست من”فاعلي الخير” حتى للمستنجدين بها، فكيف ، بالاحرى للشعب السوري ، لتحرك الجيوش والاساطيل وتقدم المليارات لتحقيق رغائبهم ، وليست كراكوزات بأيديهم ، بل ستفعل، بأيديها وبايادي مأجوريها المحليين ، إضافة إلى تهشيم سورية ، كل ما يخدم نظرية المؤامرة الخارجية ، تبريرا لكل ما يرتكب من جرائم بحق السوريين ، والمؤامرة موجودة دون اي براهين، اصلا. ولقد اتضح ذلك الان واقتنع به الصديق قبل العدو ، ولكن بعد ان تحققت اهداف “فاعلي الخير ” الذين كادت نسبتهم تبلغ 70 % من عدد الدول اعضاء الامم المتحدة، والآن يذوبون عن آخرهم مع كل “تقدم” اجرامي يرتكبونه في تدمير سورية !
اننا لا نرجو ، كسوريين، أبناء الأرض السورية وتاريخها، ان تتكرر مهزلة “الوصاية”، التي كان آباؤنا قد خبروا شكلها “المبسط” الأول بعد الحرب العالمية الأولى، قبل قرن من الآن، لان الوصاية، لو اخذت شكلا رسميا ، الآن ، تكريسا لحقيقتها الموضوعية القائمة على الارض ، فلن تكون افضل ، بل ستكون اسوأ بكثير من تجربة دولتي الانتداب ، الامبراطوريتين الاستعماريتين الاكبر _ انكلترا وفرنسا_ اللتين كلفتا نفسيها ، بقرار رسمي من عصبة (عصابة) الدول بعد الحرب العالمية الاولى (مثلما يرجو البعض هذه الايام من ” الامم المتحدة” ) بتولي “تحضير وتدريب والاخذ بيد الشعب السوري ( المتخلف حضاريا !!!) الى التحضر والتمدن والديمقراطية “! ، هذا بعد أن كانتا، بمشاركة، بل وبمبادرة من وزير خارجية الامبراطرية القيصرية الروسية عام 1916، قد قسمتا سورية الطبيعية الكبرى إلى اربع دويلات، هي سورية التي استقلت عام 1946 ( وليس سورية المهشمة حاليا!) ولبنان، اللتان اغتصبتهما فرنسا ، وفلسطين وشرق الأردن اللتان اغتصبتهما انكلترا من أجل تنفيذ قرار وزير خارجيتها الصهيوني بلفور عام 1917 باهداء فلسطين إلى عصابات صهيونية مسلحة بكل أدوات الهمجية التي نفذت بها أوربا الحرب العالمية الأولى بعد ان تقوم بنقلهم ببواخرها من بلدانهم الأصلية أوربا وغيرها ، لتنظيفها منهم، إلى بلد نظيف، في الاصل، يشغل مكان القلب في الوطن العربي لم يكن يعرفه اجدادهم يوما في التاريخ ، هذا بينما كانت روسيا ، شريكتهم الثالثة، بل الأولى، في مؤامرة سايكس _بيكو السرية عام 1916، قد انسحبت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا وقيام قائدها لينين بفضح الاتفاقية السرية المشؤومة بين الامبراطريات الاستعمارية الثلاث !
ويومها لم يستسلم الشعب السوري، الذي كان تعداده لا يكاد يبلغ المليونين، لقرار ( الوصاية ) ، بل قاوم باجساد ابنائه العزل الأبرار ، وقادتهم الميامين المتعاضدين من كل المناطق والاطياف، جحافل الاستعمار الفرنسي المدججة بأحدث الأسلحة، لتندلع بعدها الثورة السورية الكبرى التي وحدت السوريين وافشلت المؤامرة الفرنسية لتقسيم المقسم _ سورية الصغرى _ كما يجري هذه الأيام بعد مضي قرن كامل، إلى خمس دويلات، وكان ذلك التقسيم الأول الذي داسه السوريون المعدمون بارجلهم ، يوم لم يكن بيدهم اي سلاح حديث مما هم مدججون به الآن مما يستخدمونه ضد بعضهم البعض، ولم يكن هناك اي نوع من وسائل الاتصال بينهم سوى الاتصال الجغرافي الشاق والاتصال الشخصي الطبيعي !
ترى ماذا بقي لدى الشعب السوري هذه الايام من تلك الروح الوطنية الثورية المطهرة لمقارعة الاوصياء الجدد ، حتى اجلائهم ، كما اجلى جيوش دولة الانتداب ، سابقا ، مستقويا فقط بالتضحية بالنفس وبالعمل السياسي الوطني الموحد؟ ماذا تبقى لدى الشعب السوري بعد أن أعمل وجرب المجرمون الجدد مشهرو السلاح بوجهه، وحتى بوجه بعضهم البعض، كل الارتكابات الهمجية لتأجيج الصراع الداخلي على مدى السنوات الثمان الاخيرة حتى تدمير سورية دولة وشعبا ، هذه الوسائل التي استخدمت، وما زالت تستخدم، باسم السوريين ، ومن قبل من كانوا سوريين قبل أن يستخدموا السلاح والهمجية ضد بعضهم وضد شعبهم ، بينما السوريون الحقيقيون ، من كل جرائمهم براء؟
ان دول الوصاية الفعلية الان ، لو حصلت على القرار ، حتى لو اطاحت بالنظام ، كما يحلم البعض ، ولن تفعل ، لن تكون افضل ، بل ستكون اسوأ بكثير ، وقد برهنت على ذلك باشنع ما يكون حتى الآن ، حتى من دولتي الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى ، ولن تحقق للشعب السوري افضل مما حققته دولة الحاكم الاميريكي بريمر واذيالها المحليون للشعب العراقي بعد الاحتلال الأمريكي _الاسرائيلي للعراق عام 2003 ، وقد اصبحت نتائجه الكارثية المتمثلة باذابة الدولة العراقية وتدمير شروط الحياة الطبيعية للدولة والإنسان العراقي ، بارزة جدا ، وهي تزداد فظاعة منذ عام 2003 حتى اليوم ، الا وهي اعادة العراق ، على الاقل ، إلى ايام الحكم السلجوقي”المعظم”!!!
فيا ايها السوريون، ليسأل كل واحد منكم نفسه، واسألوا بعضكم ، وتوافقوا فيما بينكم، على ما ستعملون به بعد أن يعلن “الاخوة الأعداء” ، المتدخلين في سورية، خلال الأيام القادمة، عن توافقهم، دون أن يسألوا احدا منكم او يأخذوكم في الاعتبار، بخصوص الوصاية على بلدكم وتقاسمها أشلاء فيما بينهم ، ضاربين بثلاثين مليون سوري عرض الحائط، او مرسليهم إلى التلاشي في البحار او الجبال او الصحارى او مخيمات اللجوء ، أو الى الدول الأخرى الممتعضة من وجودهم فيها، والانكى من ذلك ، معبأين بالعصبيات المتضادة المفتعلة المانعة من الالتحام الايجابي المنفتح فيما بينهم ، الضروري لاستعادة سورية من بين انياب جميع مفترسيها المحليين والخارجيين، وكذلك بينهم وبين العالم من حولهم ، تميزا عن تلك ألغيتوات اليهودية التي، رغم أنها كانت حافظة لوجود اليهود الفيزيائي على مدى قرون طويلة، ولكنها كانت معبأة بعصبية سلبية معادية لجميع الشعوب الأخرى من حولها ، وهذه الخاصية لايمكن أن تتفق مع طبيعة السوريين المنفتحة، قبل أن يجرف الإرهاب والتعصب المستورد الكريه بعض المنحرفين بعيدا ، ليصم عامة السوريين بما ليس من اصلهم !
ولنتذكر انه”ماحك جلدك مثل ظفرك”!

  • Social Links:

Leave a Reply