الصراع الفكري

الصراع الفكري

 د.أحمد محمد كنعان

إن الحروب تندلع في الفكر قبل أن تندلع في ساحة المعركة

ميثاق اليونيسكو

لقد شهد التاريخ البشري صراعاً فكرياً مريراً حافلاً بالكوارث ، لعل من أشدها قتامة تلك الصورة التي شهدتها الصين في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد في عهد الإمبراطور “تشين شي هوانغ تي” الذي نصحه مستشاره الأول “لي سوا” بحرق جميع الكتب في أنحاء الإمبراطورية ، بما فيها الكتب التي يقتنيها الناس في منازلهم ، ومنها كتب حكيم الصين كونفوشيوس ( 551 ــ 479 ق.م ) ، وكانت حجة المستشار حماية المجتمع الصيني من الأفكار الضارة ، وأن المجتمع الجديد يجب أن يتخلص من عبء الماضي ومن أفكاره المريضة !

وعلى الفور أصدر الإمبراطور الأرعن أوامره لتنفيذ النصيحة ، فاندفع شبيحة النظام يحرقون كل ما وصلت إليه أيديهم من الكتب ، في احتفال همجي لم يشهد تاريخ القمع الفكري له مثيلاً .

ولم يكتف هذا الإمبراطور الخفيف ومستشاره المأفون بهذه الجريمة بل أمر مع حرق الكتب بحرق 470 كاتباً في احتفال جماهيري ، على قرع الطبول ، وتصفيق الغوغاء الذين لم يدركوا أنهم بهذا التصفيق الغبي يطمسون فترة من أنصع فترات الصين الفكرية .

وقد بلغ من حقد ذلك المستشار الظلامي على أهل الفكر أن أسَرَّ للإمبراطور بضرورة حفظ نسخة واحدة من كل كتاب أمر بحرقه وحرق صاحبه لتكون هذه النسخ دليل اتهام وإدانة وشهادة أمام التاريخ ضد من كتبها .

ولم يدر في خلد ذلك المستشار أن هذه النسخ نفسها ستكون دليل اتهام تاريخي ضده وضد إمبراطوره الأهبل ، ولم يدر في خلده كذلك أن التاريخ سوف يلاحقه باللعنات حتى آخر الزمان ، ولن يغفر له أبداً تلك الفعلة الرعناء بحق التراث البشري وحق حرية الفكر .

ولم تكن هذه الحادثة فريدة في تاريخ العداء للفكر البشري ، فقد شهد التاريخ حوادث مأساوية أخرى كثيرة ، ومنها إحراق العالم الفيلسوف الإيطالي “جوردانو برونو” الذي أصدرت الكنيسة بحقه في عام 1600 حكماً بالإعدام حرقاً لرفضه التراجع عن أفكاره التي نشرها حول كروية الأرض وموقعها في الكون ودورانها حول الشمس ، وقد نفذ أعدم بالفعل حرقاً وهو حي على الرغم من إعلانه وهو على المحرق أنه مؤمن بالله ، وأنه متمسك بديانته المسيحية ، لكن ذلك كله لم يشفع له عند أرباب الكنيسة الذين ظلوا يرسلون إلى المحرقة كل من تجرأ على مخالفة أفكارهم ، لأن ما يفكرون به هو ما يريده الله نفسه في زعمهم !

ومن حكمة الله عزَّ وجلَّ أن للتاريخ منطقاً آخر غير المنطق الذي يسلكه أعداء الفكر ، فقد ظل التاريخ ينصف المفكرين المظلومين ، ولو بعد حين ، ويعيد الأمور إلى نصابها ، ومن ذلك أن “بابا روما” بعد عدة قرون من إحراق جوردانو برونو أمر بإعادة الاعتبار لهذا العالم المظلوم وإقامة نصب تذكاري فخم له في المكان الذي أحرق فيه !

أما في الصين فإن اللعنات مازالت تلاحق الإمبراطور ومستشاره غير الأمين ، بينما كونفوشيوس وغيره من حكماء الصين الذين أحرقوا هم وكتبهم استعادوا مكانتهم الرفيعة ، وفي هذا درس عظيم جدير بأن يعيه كل من فكَّر بمحاربة الفكر والتضييق على حرية الرأي ، وفيه كذلك تشجيع قوي لأصحاب الفكر الحر أن لا ترهبهم سلطة مهما بلغت من الجبروت عن أن يقولوا ما يؤمنون به حقاً ، فالتاريخ سوف ينصفهم .. ولو بعد حين !

وقد شهدت المجتمعات البشرية على اختلافها مثل هذه الحوادث المأساوية ضد حرية الفكر وضد المفكرين والفلاسفة والأدباء ، ولم يكن تاريخ الفكر الإسلامي بعيداً عن هذه الظاهرة التي وصلت في بعض الحالات إلى حد القتل والصلب والتمثيل بالجثث ، منها على سبيل المثال لا الحصر إعدام الصوفي الفيلسوف أبو الفتوح يحيى بن حبس السهروردي ( 1153 ــ 1191م ) ، والصوفي الحسين بن المنصور الحلاج ( 858 ــ 922م ) الذي قتل قتلة شنيعة ، فقد ضرب بالسياط ثم صلب وقطع رأسه وأحرق ، أما الأديب السياسي ابن المقفع ( 724 ــ 759م ) فقد أحرق حياً في فرن بمنزله على طريقة التصفيات السياسية التي تمارسها المخابرات اليوم !

ولئن كانت حجة من أصدروا أحكام التصفية ضد هؤلاء أنهم قالوا بأفكار دينية ضالة وصلت إلى حد الكفر الصريح ، أو أنهم كتبوا مؤلفات سياسية لتأليب الرأي العام وإحداث فتنة داخلية ، أو غير ذلك من الحجج ، فما هي الحجة إذن بسجن وتعذيب وقتل بعض العلماء الأفذاذ الذين أجمعت الأمة على علمهم وفضلهم وصلاحهم من أمثال الطبيب الفيلسوف الفقيه الأندلسي ابن رشد ( 1126 ــ 1198 ) الذي حوكم علناً على بعض أفكاره ، ومنع من التدريس ، وطرد من مسجد قرطبة ، ونفي إلى بلدة بعيدة نائية حيث مات كمداً ، على الرغم من علو شأنه في الفقه ، فبعض مؤلفاته تعد عمدة في هذا العلم ، ناهيك عن مؤلفاته الفلسفية التي كانت ومازالت تعد من المراجع المهمة في تاريخ الفلسفة ، إلى جانب مساهماته الطبية الكبيرة في عصره .

وما القول أيضاً في شيخ الإسلام ابن تيمية ( 1263 ــ 1328م ) الذي يعد أحد كبار المجددين في تاريخ الفقه الإسلامي ، فقد اعتقل هذه المجدد في سجن القلعة بدمشق بحجة ضلاله وفساد بعض آرائه ، وقد بالغ سجانوه في إهانته فعزلوه ومنعوا عنه القرطاس والقلم لكي يكتموا صوته نهائياً ، لكنه نكاية بهم راح يكتب خواطره بالفحم على جدران سجنه الذي بقي فيه حتى الموت .

وما القول كذلك بسلطان العلماء العز بن عبد السلام ( 1180 ـ 1260 ) الذي صدرت فتوى من علماء عصره بإهدار دمه وإدانته بالكفر لمواقف وقفها ، أو أفكار قالها ، أو مؤلفات أصدرها ، أو فتاوى ذهب إليها ولم تعجب بعضهم !

ونعتقد أن الخلاص من هذه الظاهرة ووقف الصراع الفكري وما يترتب عليه من ويلات لن يكون إلا بإعطاء هامش واسع من الحرية الفكرية ، وفتح الباب للحوار الحر ، وقبول الرأي الآخر مهما كان مخالفاً لآرائنا ، لأن منع الأفكار وتكميم الأفواه والتضييق على الناس لا يولد في النهاية إلا الانفجار ، ومن ثم فإن حرية الرأي قادرة على نزع الفتيل وتجنب الكثير من المآسي والتضحيات المجانية ، وبهذا أيضاً تتعطل الحجة التي مازالت عبر التاريخ سيفاً مصلتاً فوق الرقاب والتي حرمتنا من أفكار مبدعة كان يمكن أن تدفعنا خطوات واسعة إلى الأمام .

وتنبينا سجلات التاريخ أنه ما من فكرة وجدت لها في حقبة من الزمن مؤيدين إلا واستمرت فيما بعد ، ولو في نطاق ضيق من المؤيدين ، وهذا يعني أن كل محاولات الاستئصال الفكري عبر التاريخ قد باءت بالفشل .. نعم .. قد يكون من الحكمة الحد من انتشار بعض الأفكار التي تسيء إلى المجتمع وقيمه وتراثه ومعتقداته ، إلا أن الوسيلة التي ينبغي أن تستخدم لتحقيق هذه الغاية ليست القوة والقمع والاستئصال ، بل الحوار بالتي هي أحسن على طريقة القرآن الكريم ، وبهذا نأمل أن يتوقف الصراع الفكري ليحل محله التناصح والتواصي بالحق ، ولا يُصار إلى مصادرة الفكر بالقوة إلا إذا حاول صاحبها فرضها على الآخرين بالقوة ، وفي هذه الحال نكون في حالة ردع للقوة لا للفكرة .. وشتان ما بين الموقفين .

ولا يفوتنا هنا أن نلفت أصحاب الفكر والرؤى والنظريات والفلسفات إلى بعض المفارقات التي شهدها تاريخ الصراع الفكري حتى لا تتكرر مآسي هذا التاريخ ، ولعل من أبرز تلك المفارقات وأشدها غرابة أن الكثير من الأفكار التي أنتجها العقل البشري وآمن بها كثير من الناس ردحاً طويلاً من الزمان ، واعتقدوا أنها حقائق نهائية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وبذلوا في الدفاع عنها أرواحهم رخيصة ، أو قَتَلوا ملايين الأنفس من أجل إقناع الآخرين بها أو فَرْضها عليهم بالقوة ، لم يلبث التاريخ أن خيب ظنهم بتلك الأفكار ، وافترَّ ثغره عن ضحكة عريضة شامتة تفضح زيف ما آمنوا به ، ولَكَم شهدت البشرية في الجيل الواحد مثل هذه الصراعات الفكرية الحمقاء التي خاضها بعضهم بكل شراسة ولم يقتنعوا بخطئها أو عدم جدواها إلا بعد فوات الأوان .

ولعل الدرس الأهم الذي نستخلصه من مثل هذا الطيش الفكري الذي دفعنا ضريبته باهظة عبر التاريخ أن يظل عقلنا منفتحاً دوماً على المستقبل ، مستعداً للمراجعة والتصويب في كل حين ، وأن تبقى أفكارنا على محك النقد الذاتي ، وإلا كان جزاؤنا شماتة التاريخ ، والويل لمن يشمت به التاريخ !

ولا ننسى أن أفكارنا تبقى آخر الأمر اجتهاداً بشرياً قابلاً للخطأ والصواب ، مهما اعتقدنا أننا نستقيها من مصادر معصومة ، وهذه الحقيقة كثيراً ما تلتبس في أذهاننا فتوقعنا بمطبات قاتلة ، ولاسيما حين نلتجئ إلى نصوص الوحي فنحتجُّ بها معتقدين أننا ننطق باسم السماء ، ونتوهم العصمة لأفكارنا ، وهذه علة مستعصية ينبغي أن نحذر منها جيداً لأننا كثيراً ما نضع أفكارنا الشخصية القابلة للخطأ والصواب في موضع النصوص السماوية ، فينتهي بنا المطاف إلى توريط النصوص في معارك غير منصفة تضعها في موضع الاتهام ، وهذه إشكالية معقدة جديرة بالتأمل الطويل .

ومن المفارقات الغريبة أيضاً التي نصادفها كثيراً في تاريخ الصراع الفكري أن تغير أحوال المجتمعات نحو التقدم والحضارة أو نحو التخلف والانحطاط يتوقف على المعاناة أكثر مما يتوقف على الأفكار التي تنشغل بها نخبة المفكرين في المجتمع ، فالحروب والنزاعات والصراعات وتسلط بعض الناس على رقاب بعض والمآسي التي تنتج عن ذلك كله هي التي كانت ومازالت المحرك الأهم للأحداث ، وهي التي تدفع عجلة المجتمع نحو أحد طرفي المعادلة .. نحو الارتقاء في سلم الحضارة والرخاء والرفاهية والتمكين في الأرض .. أو نحو السقوط في منحدر التخلف والانحطاط والتبعية ، وربما الخروج نهائياً من خارطة الوجود .

ولا يعني هذا أن الصراع الفكري لا قيمة له في مسيرة الأحداث وصياغة التاريخ ، فقد شكلت بعض الصراعات الفكرية منعطفات تاريخية مؤسفة عادت بالبشرية خطوات واسعة إلى الوراء ، فيما شكَّل بعضها الآخر نقلات حاسمة دفعت البشرية خطوات واسعة إلى الأمام ، وبين هذه وتلك شهد تاريخ الصراع الفكري الكثير من الأفكار التي ذهبت أدراج الرياح ، ومما يلفت النظر هنا أن الأفكار التي كان لها تأثير إيجابي في مسيرة التاريخ البشري هي تلك الأفكار التي جاءت بها الرسالات السماوية ، لأنها تراعي الفطرة البشرية ، وتتماشى مع سنن الله في خلقه ، أما الأفكار التي ابتدعها بعض المفكرين والفلاسفة والمنظِّرين والسياسيين ولم يراعوا فيها تلك الفطرة وهذه السنن فقد عادت على البشرية بالكثير من الكوارث والمآسي والويلات ، وتاريخ الصراع الفكري بين  البشر حافل ـ للأسف الشديد ـ بمثل هذه الأفكار المدمِّرة .. ومما يدعو للاستغراب والدهشة أن الكثير من هذه الأفكار المدمرة قد ادعت استنادها إلى رسالات سماوية ، لكننا عند التمحيص فيها نجدها مجرد قراءات خاطئة لرسالات السماء ، هذه الرسالات التي جاءت أصلاً من أجل سلام البشرية وإحقاق الحق والعدل بين الناس ، فكيف يسوغ لبعضهم أن يوظف هذه الرسالات في تأجيج الصراع وسفك الدماء ؟!

  • Social Links:

Leave a Reply