المادية الجدلية (الديالكتيك) وقوانينها الثلاثة

المادية الجدلية (الديالكتيك) وقوانينها الثلاثة

الباحثون السوريون:

كغيرها من الايديولوجيات، تقدم الماركسية نفسها كنظرية شاملة لفهم الطبيعة والمجتمع، اعتماداً على مبدأين أساسيين هما: المادية الجدلية والمادية التاريخية. نتناول في هذا المقال مفهوم المادية الجدلية (الديالكتيك)، وهو المنهج العلمي الذي وضعه كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز كقاعدة لتفسير جميع الظواهر الطبيعية والمجتمعية. فكيف فسر ماركس الظواهر الطبيعية؟ و ماهي القوانين الثلاث التي ترتكز عليها المادية الجدلية؟ هذا ما سنورده في مقالنا هذا.

إن المادية الجدلية هي تطوير لفلسفة لودفيغ فيورباخ المادية التي كانت سائدة آنذاك، عن طريق دمجها مع هيكل الجدل الهيجلي وذلك بعد تجريده من مثاليته. يعتقد الماركسيون أن الجدل الهيجلي كان يمشي على رأسه حتى أتى ماركس وجعله يمشي على قدميه، وتلك عبارة عن صورة رمزية لرفض ماركس لفرضية هيجل حول أسبقية الوعي على المادة. فماركسياً، لا وعي بدون مادة، فهو إحدى تجلياتها. تحولت المادية مع ماركس وإنجلز من فلسفة جامدة وميكانيكية إلى فلسفة جدلية حيوية؛ فبعد أن كان مفهوم الحركة مقتصراً على الحركة الميكانيكية، أي الحركة المكانية، كحركة التفاحة من جانب الطاولة الأيمن إلى جانبها الأيسر، أخذت الحركة بمفهومها الجدلي معنى أوسع لتعني الحركة الداخلية، أي نمو البذرة الى زهرة وثمرة ومن ثم نضوجها وذبولها، وارتباطها بالظواهر الأخرى المحيطة بها. يرى كل من ماركس وأنجلز أن المادة ليست ساكنة كما اعتقد فيورباخ، وإنما حيوية ومتحركة بحركة جدلية داخلية، وهذه الحركة هي التي تفسر التطور والتقدم في الطبيعة والإنسان والمجتمع. إذن، للمادية الجدلية صفتان رئيسيتان: أولهما رؤيتها للطبيعة وظواهرها كنسق مترابط، فيستحيل فهم ظاهرة بشكل منفصل عن الظواهر والظروف المحيطة بها. ثاني الصفتين هي أن الحركة والتطور والنمو أصل في الأشياء. يقدم المنهج المادي الجدلي التفسير لكيفية حدوث هذا التطور عن طريق ثلاثة قوانين مرتبطة بعضها ببعض، وسنشرح في ما يلي تلك القوانين. قوانين المادية الجدلية الثلاث وهي:

1- التحول الكمي إلى نوعي:

إن أول قانون من قوانين الجدل الماركسي هو التحول الكمي إلى نوعي والعكس، وهذا القانون هو أساس التطور وآليته. النوع هو مجموع خواص الشيء، والتغير النوعي يكون تغيراً في حال الشيء وخواصه الجوهرية، أما الكم فهو العدد، كالحجم والبعد والوتيرة والدرجة، والتغير فيه لا يؤثر في نوعه شيئا. يفضي هذا القانون من قوانين الديالكتيك إلى أن كل شيء في تغير كمي متواصل، وهذا التغير الكمي هو تغير طفيف وتدريجي وغير ملحوظ، حتى يتراكم الكم إلى حد معين فيصبح التغير النوعي حتميًّا. إن هذه التغيرات الكمية لا تؤثر على النوع طالما أنها لم تتعدَّ الحد أو المعيار، ولكن ما إن تتعداه حتى يقفز التغير من كمي إلى نوعي بصورة سريعة ومباغتة. لنضرب مثلاً بكأس ماء، نرفع درجة حرارته تدريجياً من ٥٠، ٧٠، ٩٠، وإلى ٩٩ درجة مئوية، إن هذه التغيرات هي تغيرات كمية لا تحدث تغيرا في النوع، فخواص الماء هي ذاتها لن تتغير مع ارتفاع درجة حرارته ولكن ما إن ترتفع درجة واحدة فوق ال99 درجة مئوية (هذا إذا افترضنا بأن درجة تبخر كأس الماء هي عند ال100 حتى يبدأ الماء بالتبخر، أي بالقفز من التغير الكمي إلى النوعي وذلك لاختلاف خاصيته الجوهرية من السيولة إلى الغازية.

2- وحدة وصراع الأضداد:

ماهي القوة المحركة لهذا التحول؟ إنها القانون الثاني من قوانين الجدل الماركسي، وهي وحدة وصراع الأضداد. تبعاً للمادية الجدلية لا يمكن فصل الشيء عن نقيضه، فهما يشكلان وحدة مترابطة، فجوهر حياة الإنسان وسر بقائه هو موت وتجدد خلاياه. كل شيء يحتوي على نقيضه، ويشكلان، الشيء ونقيضه معاً، سيرورة واحدة متصارعة داخليا. وهذا الصراع هو السبب في حدوث التغيرات الكمية التي تصل لحد معين لتحدث القفزة نحو التغير النوعي. لنرجع إلى مثال الكأس، عندما ترتفع درجة حرارة الماء فيه فإن قوتي جذب وتنافر دقائقه تتصارعان حتى تغلب الثانية الأولى فتفقد دقائق الماء قدرتها على التماسك، وعندها يحدث التغير النوعي للماء من السيولة إلى الغازية. إذن، للتحول الكمي إلى نوعي شرطان، توافر الظروف الخارجية (درجة الحرارة في مثال الكأس)، والظروف الداخلية، أي صراع الأضداد، (التناقض بين جزيئات الماء داخليا).

3- قانون نفي النفي أو سلب السلب:

الآن، وبعد أن تعرفنا على آلية التطور في الجدل الماركسي وقوته المحركة، بقي علينا معرفة توجه ومسار هذا التطور، والذي يحدده القانون الثالث من قوانين الديالكتيك، أي قانون نفي النفي. عندما تتراكم التغيرات الكمية لتحدث تغيراً نوعياً، فإن هذا التغير ينفي الحالة السابقة له مع الاستبقاء ببعض خواصها الجيدة، ومن ثم تعود التغيرات الكمية إلى عادتها في التراكم حتى تحدث القفزة النوعية فتنفي النفي السابق مع الاحتفاظ ببعض من الحالة السابقة، فيكون النفي هنا مضاعفًا. إن قانون النفي هو نفي واستبقاء للخصال الجيدة ورفع لمستوى أعلى، فيأتي الأحدث منه لينفي النفي السابق ويستبقي بخواصه الجيدة ويرفعه درجة أعلى من سابقتيها، وهكذا دواليك. إن مسار التطور في المفهوم الجدلي هو ارتقاء لأعلى، لمستوى أكثر تعقيداً من سابقه. يرد الماركسيون على متبني مقولة “التاريخ يعيد نفسه” ليزعموا بأن الحركة الجدلية هي حركة لولبية، وأنه قد توهِمنا لولبيتها بأننا نسير في المسار ذاته في كل مرة، أي بأننا نرجع دائماً لنقطة الانطلاق، ولكن بالرغم من تشابه المسارين إلا أن الثاني صاعد إلى أعلى في حقيقته. فكما يقول هيراقليطس: “إنك لا تسبح في النهر مرتين”.

  • Social Links:

Leave a Reply