وجوه إيران الثلاثة

وجوه إيران الثلاثة

الحرة – كوليت بهنا

 

إن حدث وتلقيت على هاتفك المحمول مقطع فيديو تظهر به شابة تصور نفسها بهاتفها وهي تشرح مشكلتها وتستغيث بك شخصيا ثم تنهي التصوير بشنق نفسها بحبل معلق، هل ستمسح هذه الرسالة المصورة وتعتبرها مزاحا ثقيلا ومزعجا، أم ستواجه إنسانيتك وتأخذ الأمر على محمل الجد، وتفكر كيف يمكنك التدخل لإنقاذها أيا تكن العواقب المترتبة على تدخلك هذا؟

 

أسئلة امتحانية تنجح في تخطيها الممثلة الإيرانية بهناز جعفري التي ستسارع حال تلقيها مقطع الفيديو هذا للتحرك وهي في أقصى حالات الاضطراب، تاركة على عجل التزاماتها الفنية ومواعيد تصوير برنامجها التلفزيوني، وتنطلق من العاصمة طهران في رحلة ليلية طويلة وشاقة، ضمن طرقات جبلية وعرة داخل سيارة ذات دفع رباعي يقودها صديقها وزميلها المخرج جعفر بناهي، باتجاه بلدة نائية في الشمال الغربي الإيراني بحثا عن الشابة “مرزية رضائي” والتحقق من صحة انتحارها. يتبين لاحقا أن الأمر عبارة عن خدعة محكمة من الفتاة، هدفها استجرار النجمة والمخرج إلى البلدة لإقناع أهلها وأهل بلدتها الذين يضطهدونها بسبب عشقها للتمثيل ورغبتها بالانتساب إلى معهد الفنون في العاصمة.

بهذه المقدمة الشيقة، ينطلق صانع الأفلام الإيراني المتميز جعفر بناهي في رحلة فيلمه السينمائي “ثلاثة وجوه” الحائز مناصفة على سعفة مهرجان “كان” الذهبية لأفضل سيناريو 2018.

كتب بناهي السيناريو بنفسه، واستعان في تصويره بممثلين غير محترفين من عامة الناس (عدا بهناز)، وأبسط التقنيات الفنية السينمائية المتوفرة له، تاركا للكاميرا مساحتها الإبداعية الفضفاضة للتحرك ورصد المشهدية العامة، التي عبّرت بأسلوبية مباشرة عن واقع قاس، تغلب على مفرداته حالة تصحّر بيئي وبشري، جنبا إلى جنب لون أخضر شاحب (كاكي) يتماهى مع الروح العسكرية المجندة. وضمّن نصه بعض الرموز المتعلقة بالتراث والعادات الإيرانية (الختان)، كأدوات تسند رسائل فيلمه الكثيرة التي لم يوارب في إيصالها، وأبرزها الرسالة التي وجهها لجميع السلطات القمعية في العالم، وهي رسالة ذاتية تخصه شخصيا، وتؤكد بأن الحرية لا يمكن انتزاعها من روح المبدع حتى لو كان داخل ألف قفص.

فيلم مركب بأسلوبية تراتبية. يبدو للوهلة الأولى شديد البساطة، يظهر فيه جعفر بناهي باسمه وشخصيته الحقيقية في الحياة كمخرج سينمائي مغضوب عليه، وممنوع من مغادرة البلاد والعمل السينمائي لمدة عشرين عاما، مشيرا في أحد الحوارات إلى وضعه هذا بصوت يعتريه الأسى والغصة للتعبير عن عجزه الحالي كسينمائي عن مساعدة الفتاة كما يجب، تاركا المهمة لزميلته، النجمة التلفزيونية الشهيرة بهناز جعفري، وهو عملها الحقيقي في الحياة، لتساعد بما يمتلكه نجوم التلفزيون اليوم من هيمنة شعبية وقوة تأثير مقابل تراجع تأثير السينما وصنّاعها.

معا، بهناز وبناهي، سيواجهان نموذجا لحالة اجتماعية منغلقة تتمثل ببلدة نائية ومقفرة ومهملة من الخدمات العامة، أهلها طيبون وكرماء وبسطاء للغاية، تحكمهم العادات والتقاليد، رغم تواصلهم مع العالم الخارجي عبر الستالايت والهواتف المحمولة. وهو نموذج يتقاطع مع الحالة العامة التي أراد بناهي إيصالها عبر تسمية فيلمه بـ “ثلاثة وجوه”، تظهر فيها إيران اليوم، كأحد الوجوه الطيبة لكن المحكومة بسننٍ متشددة تصارع روح التجدد وتقاوم الحريات والعصيان المدني الذي يمثله الجيل الشاب (الفتاة مرزية)، فيما يحتفظ بناهي مع زميلته، كرمزين لصناع الإبداع ومعانيه، بمساحة الوجه الثالث الذي يمثل جيلهما (الستينيات) المعلّق بين حرية الأمس وقمع اليوم.

تقع على جيل بناهي المسؤولية التاريخية في مساعدة الجيل الشاب ودفعه نحو الانعتاق، وهو أحد الأسباب السياسية والحقيقية لغضب السلطات الإيرانية على فكر بناهي، كما أنه مغزى الرحلة السينمائية الصعبة لتلبية نداء الشابة مرزية، وقد عبر عنه المخرج بشكل مباشر في ملصق فيلمه (البوستر)، بحيث ظهر فيه مع زميلته يقفان تحت شجرة وارفة تظللهما، فيما الشابة مرزية، الشغوفة بالحرية وعشق الفنون، تجلس فوق غصن فرعي كبير ومرتفع يمتد خارج فضاء الشجرة، وكأنها ستطير.

في أحد القراءات الإضافية للفيلم، لا يفوّت المخرج بناهي توجيه تحيته السينمائية للجيل الماضي وما يمثله من عراقة وأصالة فنية إيرانية، عبر استحضار شخصية “شهرزاد”، وهي فنانة عريقة عاشت أمجادها ما قبل الثورة تنزوي اليوم في عزلتها البائسة ضمن هذه البلدة، تلوك الألسن ماضيها وما آلت إليه كنتيجة يعتبرها ديوك البلدة طبيعية وقصاصا لمن يمتهن الفن.

ويستحضرها بناهي شفاهة كرمز دون أن يظهر لنا وجهها، لتمثل أيضا في تفسيرات عنوان فيلمه “ثلاثة وجوه”، وجه الماضي، جنبا إلى جنب مع الحاضر “النجمة بهناز”، والمستقبل الذي تمثله الشابة الطموحة “مرزية”، يجمعهن معا في لقاء ثلاثي بأسلوبية خيال الظل، مفسحا لهنّ خصوصيتهن كنساء حرّات، مكتفيا بمراقبة ظلالهن الراقصة عن بعد، بعين حنونة وراضية.

 

بناهي الذي تنال أفلامه جوائز حول العالم دون حضوره الفيزيائي، ويتحدى منعه من التصوير، ويصور أفلامه سرا، ويسرّبها بطرق مبتكرة، إنما يؤكد ما قاله يوما المبدع المصري الراحل يوسف شاهين في فيلمه “المصير” عن المفكر العربي ابن رشد : “الأفكار لها جناحين”.

  • Social Links:

Leave a Reply