“للعبث يا طلائع” فيلم عن أطفال أدلجهم آل الأسد ومحقوا ثورتهم

“للعبث يا طلائع” فيلم عن أطفال أدلجهم آل الأسد ومحقوا ثورتهم

“للعبث يا طلائع” فيلم قصير من كتابة يمان عنتابلي وإخراجه، وهو قد يكون أصغر مخرج سينمائي سوري، إذ يبلغ من العمر 21 سنة. ويناقش الفيلم الذي أطلق راهناً الأوضاع المدرسية في ظل حكم “حزب البعث“، وإجبار الطلاب على تقديس أقوال رئيس النظام السوري بشار الأسد وأبيه حافظ وصورهما وكل ما يرتبط بهما.

ولم يكن غريباً الانتشار الواسع للفيلم في أوساط السوريين، فهو يناقش قضية إنسانية حساسة مرتبطة بالذاكرة الجماعية، وبخاصة لمن هم دون سن الأربعين والذين تربوا في مدارس البعث، وأجبروا على الانتساب إلى “طلائع البعث”، لمجرد تسجيلهم في المدراس السورية الرسمية، فاسترجعوا في دقائق الفيلم القليلة سنوات طفولتهم ودراستهم.

تدجين الأطفال 

تأسست “طلائع البعث” عام 1974 بعد انقلاب حافظ الأسد وتسلمه السلطة في سوريا، وهي منظمة شعبية تضم جميع الأطفال السوريين من الصف الأول، وحتى السادس من مرحلة التعليم الأساسي، والانتساب إليها إلزامي. وهي تهدف إلى رعاية الأطفال وتربيتهم تربية طليعية (تكوينية وتوجيهية وفق رؤية حزب البعث الحاكم وأهدافه)، من طريق ممارسة الأنشطة الطليعية اللاصفية في مراكز الأنشطة الطليعية المختلفة كالمخيمات الصيفية، والأندية الطليعية الصيفية، والشتوية والمدارس التطبيقية عبر نشاط أسبوعي في المدارس، ومهرجانات سنوية في المحافظات السورية. أما الهدف، فزرع قيم “حزب البعث” قائد الدولة والمجتمع، في أذهان الأطفال، وتمجيد الرئيس السابق حافظ الأسد وابنه بشار، وزرع الولاء لدى هؤلاء الأطفال منذ دخولهم المدارس. فهناك يحفظون أقوال الأسدين وكلماتهما، وشعاراتهما، تماماً كما يتعلمون القراءة والكتابة، بما يحقق غسل أدمغة الأطفال بأفكار النظام وأهدافه، لضمان جيل مطيع طاعة عمياء، جيل مدجن بالكامل بالقيم والأفكار والأيديولوجيا.

إنها منظومة تدجين مستمرة، فلا يكاد ينهي الطفل السوري سنته الدراسية السادسة حتى ينتقل إلى الصف السابع، ويُنسَب إلزامياً إلى منظمة أخرى تابعة لـ”حزب البعث” هي “منظمة شبيبة الثورة”. والأخيرة تكمل ما بدأته “منظمة الطلائع” من أدلجة الأطفال والشباب السوريين، لينتقل بعدها الطالب السوري إلى المرحلة الجامعية، ويجد نفسه في منظمة أخرى تتبع لـ”حزب البعث”، هي “اتحاد الطلبة”، وقبلها ينسب في الصف الثانوي الثاني معظم الطلاب إلى “حزب البعث”، عبر استمارات توزع في الفصول الدراسية، والتوقيع عليها شبه الزامي.

وعبر نشاطات هذه المنظمات التي تزرع وترسخ الولاء لآل الأسد والبعث وتمجدهم، يصبح بالنتيجة السوريون بمعظمهم بعثيين بالضرورة وبالإجبار، والأخطر تأطيرهم وأدلجتهم وتدجينهم في مزرعة البعث والأسد، لضمان الولاء التام فكرياً وعملياً. ففي سوريا كانت صورة حافظ الأسد، وبعد وفاته صورة ابنه بشار، في كل مكان، على الزي المدرسي، وفي كل صف دراسي، وعلى الدفاتر والكتب المدرسية، في الساحات وفي الدوائر الحكومية، وعلى شاشات التلفزيون، هذا عدا التماثيل في معظم الميادين، وتسمية ملاعب ومكتبات ومستشفيات باسم الأسد لتغدو سوريا مزرعته، فيما السوريون عن وعي أو من دون وعي، مجرد أرقام لا قيمة فعلية لها.

حافظ الأسد إله السوريين؟ 

من خلال الخطة البعثية المحكمة للسيطرة على الأجيال السورية منذ بلوغهم 6 سنوات وحتى 18 سنة في المدراس، وعبر منظمتي الطلائع والشبيبة، خرج جيل سوري متخم بأقوال وحكمة من يطلقون عليه القائد المؤسس حافظ الأسد، لتترسخ صورته كإله للسوريين أو نبي مرسل لهم. لا يمكن تصور سوريا إلا به وبابنه، لتتحول البلاد من سوريا الدولة الى سوريا الأسد، بالفكر والممارسة، حيث يجبر الأطفال على حفظ أقوال القائد، وحكمه، ومناقبه المقدسة، عدا عن مادة التربية القومية في السنوات الدراسية كافة، والتي تكفي لغسل دماغ أي سوري خلال 12 سنة دراسية متواصلة.

وهنا ما زلت أذكر حادثة طريفة حصلت معي، عندما كنت في التاسعة، واصطحبني والدي إلى أحد مساجد مدينة معضمية الشام في ريف دمشق لأداء صلاة الجمعة، فبدأ خطيب المسجد الدعاء بالقول “اللهم احفظ قائدنا وزعيمنا”، لأقول من دون وعي حافظ الأسد، بدلاً من الرسول ليتلفت معظم المصلين الي من دون أن يجرؤ أحدهم على نطق كلمة، قبل أن يتابع الشيخ “محمد”. وهنا اكتشفت أنا الطليعي للمرة الأولى أن هناك قائداً وزعيماً غير حافظ الأسد، وهذا طبيعي لطفل زرعت بعقله هذه الأفكار مع تلقينه حروف الأبجدية، لأبدأ بعدها رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر سراً لبناء وعي شخصي مختلف عما يتم تلقيني إياه في المدرسة. وهي رحلة استمرت حتى عام بلغت الثامنة عشرة من عمري ودخلت الجامعة وبدأت أقرأ مقالات تنشر لمعارضين سوريين في الصحف اللبنانية، من أمثال ميشيل كيلو وغيره. ورافق ذلك ربيع دمشق وأفكار وجدتها وأبناء جيلي على الأقل ملاذاً لحلم جميل بوطن جديد. وأذكر جيداً ذلك اليوم حين كنت في المتحف الحربي في دمشق مع أخي، وعندما مررت بجانب تمثال في منتصف المتحف قلت لأخي الأًصغر الذي كان ما زال رفيقاً طلائعياً، “أتعرف من صاحب هذا التمثال؟”، فأجابني “هذا القائد الراحل”. أجبته بصوت خافت وأنا أبتسم “لا إنه إله السوريين، هم جعلوه لنا إلهاً ونحن عبيده، وسيبقى كذلك حتى نحطم هذه التماثيل يوماً”.

ثورة الطلائع والطلائعيين

على عكس ما خطط له “حزب البعث”، وآل الأسد بأن يكون هؤلاء الطلائعيين بعد أن يكبروا العبيد المخلصين لعائلة الأسد، أتى عام 2011، وانطلقت الثورة السورية التي أشعلها من كانوا طلائعيين يوماً، وبعثيين على مدى عقود. امتلأت الساحات بهم، يهتفون في تظاهراتهم بإسقاط حكم آل الأسد والبعث لاستعادة وطنهم المسلوب من عائلة استخدمت حزباً للسيطرة على الشعب والدولة.

“للعبث يا طلائع”، هو صورة مصغّرة، إنما حقيقية وحيّة عن معاناة أجيال لم تُعطَ أي خيار أو فرصة للتعبير

ومع امتداد سنوات الثورة ودخولها الصراع المسلح ووصول هؤلاء الطلائعيين إلى حكم مناطق واسعة من سوريا، عسكرياً وإدراياً، عاد هؤلاء الثوار إلى طلائعيتهم السابقة التي زرعها النظام في عقولهم وأفكارهم لتنتقل إلى ممارساتهم. وهذا سياق طبيعي فهم وأنا منهم، تربية هذا النظام، بفكره وأيديولوجيته، ويستحيل في سنوات قليلة محو ما غرس فينا، وفي ذاكرتنا من أفكار وممارسات، علمونا إياها مع حروف الأبجدية.

المخرج السوري يمان عنتابلي

وكان أن أديرت مؤسسات المعارضة وأجسامها السياسية والعسكرية والإدارية وحتى منظمات المجتمع المدني التي أسست بعد الثورة، بعقلية بعثية متحجرة شوفينية، نتيجة ما زرع في الأدمغة من أفكار وقيم مسمومة.

نعم لقد ثار الطلائعيون على البعث وقائده، إنما بعقليته ذاتها، وطريقته، وممارساته، وأسلوبه، وهو ما يعلمه النظام جيداً. لذلك كان سهلاً عليه توقع تصرفاتنا وردود أفعالنا للتخطيط والتصرف على هذا الأساس.

نجحنا في الثورة ولكننا لم ننجح بالانتصار على النظام، لأننا لم نملك أدوات التغيير الفكري الحقيقي، ولا المشروع الوطني البديل. ربما لم يكن هذا ذنبنا وحدنا، وانما ذنب المعارضة والنخب السورية ومسؤوليتها أيضاً، فهي بشخوصها وكياناتها، لم تملك الرؤية السياسية ولم تبدع فكراً ومشروعاً وطنياً لسوريا الجديدة، يقود هذه الثورة والحراك ويقود هؤلاء الشباب ويوجههم. ولم تكن هناك مؤسسات معارضة أو أحزاب وتيارات سياسية فعلية تنظم العمل، فالثورات لا تنتصر بالسلاح إن لم يسبقها تغيير بالفكر أولاً. وسيبقى يحسب لجيلنا الطليعي تفجير الثورة، في غياب أدوات الانتصار الموضوعية والواقعية. فقد هدم جدار الخوف وقدم كل التضحيات المطلوبة منه وما زال، أما النصر الحقيقي والتغيير المطلوب، فسيكونان ربما من صنع الأجيال السورية التي تلينا، ممن لم يكونوا يوماً طليعيين ولا بعثيين، وهؤلاء اليوم بلغوا من العمر أكثر من 14 سنة على الأقل ولم يدخلوا مدارس البعث ولم يؤدلجوا بعثياً ولم تغسل أدمغتهم وتُسقى وتنمو في مزرعة الأسد.

وبالعودة إلى فيلم “للعبث يا طلائع”، فهو صورة مصغّرة، إنما حقيقية وحيّة عن معاناة أجيال لم تُعطَ أي خيار أو فرصة للتعبير، وحين أتت الثورة، عرف الأسد كيف يحوّلها إلى رهاب، فأظهر معارضيه كوحوش، لا بدّ من إبادتهم.

 

  • Social Links:

Leave a Reply