مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي في العدد /958/ من جريدة الرافد ليوم الاثنين بتاريخ 19 آب 2019
البؤس وراء منطقة الحرب

البؤس وراء منطقة الحرب

لا تقتصر المعاناة على السوريين الذين يعيشون داخل سورية تحت قصف المدفعية والطيران الحربي، بل هناك نحو 12 مليون لاجئ سوري في الخارج، يعيش كثير منهم واقعًا سيئًا، وما زالوا يأملون أن يتم تغيير النظام ليعودوا إلى وطنهم.

بحثًا عن ملاذ آمن، فرّ ملايين السوريين إلى خارج سورية، ووجد كثير من الفقراء منهم المأوى في مخيمات اللاجئين في دول الجوار، أو فرضوا نفسهم ضيوفًا على أقاربهم في الخارج، فيما كان من يملك بعض المال أكثر حظًا، فاستأجروا بيوتًا في الخارج، وحاولوا الانخراط في حياتهم الجديدة ريثما تنتهي المخاطر التي هربوا منها، وعمومًا تركز غالبية اللاجئين السوريين في خمس دول هي تركيا، الأردن، لبنان، العراق ومصر.

استخدام قوات النظام السوري الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي، في قصف المدن والبلدات الثائرة أو الحاضنة للمعارضين للنظام، أدى إلى دمار هائل في المناطق السكنية، وتسبب في موجات لجوء غير مسبوقة في العالم خلال القرن الأخير، وملاحقة الأجهزة الأمنية للناشطين دفعتهم إلى الهروب للخارج خوفًا من موت محتّم، إذا أُلقي القبض عليهم، فيما لجأ الملايين من المدنيين إلى دول الجوار وأوروبا، خوفًا من أن يكون مصيرهم كمصير أقاربهم الذين قضوا برصاص القوات الأمنية والعسكرية السورية.

في تركيا، تستضيف 14 ولاية السوريين، بنسب وأعداد متفاوتة، ويقطن فيها نحو 3.5 مليون سوري، وكثير من السوريين الذين دخلوا تركيا بوثائق سفرهم الأصلية رفضوا البقاء في المخيمات، وانتقلوا إلى المدن ليعيشوا فيها على الرغم مما يشكله ذلك من عبء مادي مُرهق.

غالبية اللاجئين في تركيا لا يرون أن هناك حلًا قريبًا للأزمة، كما أنهم لا يشعرون بأن هناك مستقبلًا آمنًا لسورية، خاصة أنهم قريبون من مناطق الاشتباكات شمال سورية، ويسمع القاطنون هناك بشكل يومي دوي المدافع وقصف الصواريخ، ويُجهّزون أنفسهم للعيش خارج سورية لفترات طويلة، وكثير منهم تعلّم التركية، بل إن أولادهم لا يعرفون إلا التركية، وبعض العربية التي لا تُسمن ولا تُغني عن جوع، استعدادًا لحياة جديدة كليًا خارج بلدهم.

يأتي الأردن في طليعة الدول المستضيفة للاجئين السوريين، بدلالة كثرة عددهم فيه، حيث وصل الرقم إلى نحو المليون، أكثرهم غير مسجلين كلاجئين، وأكبر مخيم هو مخيم (الزعتري) شمال الأردن قرب الحدود السورية، وله سمعة غير طيبة بسبب موقعه وسط منطقة شبه صحراوية بعيدة من الأماكن السكنية، وتحيط به الرمال من كل جانب، وببنيته التحتية سيئة، ويعاني المقيمون فيه شحًّا في الإعانات والمساعدات.

انتقد أكثر من تقرير لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) طريقة تعامل الأردن مع اللاجئين السوريين الفارين من النزاع، خاصة منعهم من التحرك بحرية في أنحاء المملكة، ورفضها استقبال اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سورية.

يعيش كثير من اللاجئين الذين فروا من سورية إلى لبنان، في ظروف بالغة الصعوبة، حيث لا يحصل غالبيتهم على مسكن ملائم، ولا على مساعدات كافية، ولا حتى على رعاية صحية، فضلًا عن أن غالبيتهم لا يجد عملًا له، ويرفض غالبية اللاجئين السوريين في لبنان التسجيل كلاجئين، خوفًا من تقديم المعلومات وتسريبها للأمن اللبناني أو لـ “حزب الله” الموالي للنظام السوري، ووصولها إلى الأجهزة الأمنية السورية، وقد حدثت بالفعل عدة حالات إعادة قسرية إلى سورية لناشطين ومعارضين.

وفق تقرير لمنظمة (أطباء بلا حدود) فإن أكثر من نصف اللاجئين السوريين في لبنان لا يمكنهم الحصول على رعاية طبية وأدوية، بسبب رسومٍ تُطلب منهم عندما يطلبون العلاج، ولا يستفيد نحو 75 بالمئة من اللاجئين في لبنان من المساعدات الاجتماعية، ويعجز نصف اللاجئين عن دفع كلفة الأدوية، ويتوقف ثلث المرضى عن متابعة علاج الأمراض المزمنة بسبب نقص المال، ولم يتلقّ التطعيم سوى 30 بالمئة من الأطفال، وتفتقر 72 بالمئة من النساء الحوامل إلى المتابعة الصحية.

فيما يستمر النظام السوري في حله الحربي ضد الثورة، شدّ كثير من السوريين الرحال إلى القاهرة، بحثًا عن حياة آمنة، ولم يتم تسجيل سوى عددٍ قليل منهم، كلاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وليس في مصر خيمة واحدة ولا مخيّم للسوريين، بفضل التعاطف الشعبي والرسمي المصري.

تسمح السلطات المصرية بالأنشطة السياسية والمدنية للاجئين السوريين، وقد صدر قرار رئاسي بمعاملة الطلاب السوريين معاملةَ الطلاب المصريين، وتوجد جمعيات أهلية خيرية مصرية تنشط بشكل واضح في مجال مساعدة اللاجئين السوريين، وتوفير مساكن ومساعدات مادية ووظائف لهم، لكن عمومًا لم يلجأ إلى مصر السوريون الأكثر فقرًا، فتذاكر الطائرة وحدها تُشكّل مبلغًا لا تقدر عليه الشرائح الفقيرة.

هذا التدفق الكبير للاجئين أربك دول الجوار التي تعاني واقعًا مأزومًا في الغالب، فعانت هذه الدول في تأمين الاحتياجات الحياتية للاجئين، وليست الأعباء هي تكاليف الطعام والمأوى فقط، بل الضغط الذي يشكله هؤلاء الأشخاص على البنية التحتية، وبخاصة موارد المياه والطاقة، فضلًا عن بروز ملامح مشكلات سياسية وأمنية واجتماعية تخشى منها دول الجوار.

تمرّ السنوات وما زال اللاجئون السوريون يواجهون الصعوبات والمآسي نفسها، فيما تستمر غالبية المنظمات الإنسانية والإغاثية الدولية في تناسيهم، ويعيش الملايين منهم بفضل تبرعات بعض السوريين أو مكرمات بعض الجمعيات الخيرية المحلية في الدول التي تستضيفهم، فيما تقوم حكومات هذه الدول بتقديم الحد الأدنى لهم، وتطالب الأمم المتحدة بالمزيد من الأموال لتحسين أوضاعهم.

تعترف الأمم المتحدة بأن حجم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين في دول الجوار لا يتناسب مع عددهم، فيما يتواصل ارتفاع هذا العدد كل يوم، وقد بلغت قدرة الاستقبال في بعض المخيمات التركية والأردنية حدها الأقصى.

على الرغم من مرور أكثر من ثماني سنوات على لجوء العديد من السوريين، سواء في دول الجوار أم في أوروبا، فإنهم جميعًا ما زالوا أسرى فكرة العودة للوطن، يحرقهم الحنين إلى حياتهم السابقة وجيرانهم وذكرياتهم، وينتظرون تغيير النظام أو سقوطه، أو أي حلّ من الخارج يضبط توحّشه، ليعودوا إلى بيوتهم إن وجدوها سليمة بعد كل هذا الدمار

  • Social Links:

Leave a Reply