المسار السياسي الكيماوي

المسار السياسي الكيماوي

صادق عبد الرحمن

لو أردنا أن نتحدث عن الأدوار التي لعبها ويلعبها المسار السياسي للحلّ في سوريا، لقلنا إنه البوابة التي يحافظ نظام الأسد من خلالها على حضوره في المجتمع الدولي، والأداة التي ساعدته وتساعده على استعادة مساحات واسعة من الأراضي السورية إلى سيطرته من خلال مسار أستانا واتفاقات خفض التصعيد، والوسيلة التي قادت إلى مزيد من تشتيت المعارضة السياسية والعسكرية وإضعافها، ثم إلحاق الهزيمة بها واستتباعها لقوى إقليمية ودولية.

لكن الأمر لم يكن هكذا منذ البداية، بل كان هذا المسار قد بدأ أصلاً كوسيلة للضغط على النظام بهدف إجباره على الدخول في مفاوضات جدية، أو تغيير أسلوبه في الحكم على الأقل، ثم طرأت تحولات متتابعة قادت المسار السياسي إلى وضعه الراهن، نقترح أن نقطة الانعطاف المحورية فيها كانت في خريف العام 2013، عندما تحول من مجرد مبادرات وبيانات واقتراحات وقرارات عربية ودولية ضعيفة الأثر، إلى مسار فاعل لمصلحة النظام وحلفائه، ولمصلحة أطراف أخرى ليست على وفاق مع النظام، ولكن ليس من بينها قوى المعارضة والثورة السورية ولا المجتمع السوري.

وترجع البدايات الأولى للمحاولات الدولية الساعية لبناء مسار سياسي للحل في سوريا إلى أواخر آب (أغسطس) من عام 2011، عندما قدّمت جامعة الدول العربية مبادرة تضمنت خطة للانتقال السياسي في سوريا، وافق النظام عليها مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه بعد مماطلة، ولم يقم بتنفيذ أيٍّ من بنودها، ما دفع الجامعة العربية إلى تعليق عضويته أواسط الشهر نفسه. ونتيجة فشل جميع الجهود العربية التي استمرت أشهراً قليلة بعدها، انضمت الأمم المتحدة إلى الجامعة العربية منذ شباط (فبرير) 2012، وتم تعيين كوفي أنان مبعوثاً مشتركاً إلى سوريا، ليصبح ملف المسار السياسي السوري بعدها في عهدة الأمم المتحدة، ثم تتالى المبادرات والقرارات والاجتماعات والمؤتمرات ذات الصلة حتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من الإصرار الروسي والصيني على عرقلة كل قرار أممي يمكن أن يلزم النظام السوري بتغيير سلوكه حيال معارضيه، أو يمهد لنزع شرعيته التمثيلية في المؤسسات الدولية، إلا أن الضغط الأميركي أثمر موافقة روسية علىبيان جنيف 1 في حزيران (يونيو) 2012، الذي يعتبر الوثيقة الأقوى في يد المعارضة السورية وخصوم النظام الإقليميين والدوليين، باعتباره يتضمن إشارة صريحة إلى ضرورة تأسيس «هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة»، وأيضاً باعتباره الوثيقة التأسيسية التي تمت الإشارة إليها مراراً وتكراراً في قرارات عديدة صدرت عن مجلس الأمن الدولي.

وقد أصرّ النظام وحلفاؤه على أن هذه العبارة لا تعني بأي حال ضرورة رحيل الأسد أو المساس بموقعه، كما أنهم استغلّوا طويلاً صياغة البيان الضعيفة التي لم تتضمن آليات تنفيذية ولا آجالاً زمنية ملزمة، فلم ينجح هذا البيان ولا الضغوط والاجتماعات والقرارات التي أعقبته في إجبار النظام السوري على تقديم أي تنازل من أي نوع، بل كان النظام يلجأ دوماً إلى تصعيد عنفه ومذابحه مدعوماً من روسيا وإيران، فيما كانت بقية دول العالم تكتفي ببيانات الإدانة والحض على الذهاب إلى حل سياسي.

حتى خريف العام 2013، كان المسار السياسي فاشلاً ومعطلاً وفارغاً من أي مضمون إذن، لكن شرعية النظام الدولية كانت تتآكل تدريجياً بالمقابل، كما أن سيطرته على البلاد كانت تتراجع أيضاً، رغم مقادير العنف الهائلة التي كان يستخدمها، والتي شملت منذ أواسط 2012 مختلف صنوف الأسلحة التقليدية بما فيها صواريخ سكود، بالإضافة إلى ضربات موضعية صغيرة بالأسلحة الكيميائية.

فجر الحادي والعشرين من آب (أغسطس) 2013، ارتكبت قوات النظام السوري المذبحة الكيماوية الأكبر في تاريخ البلاد، عندما قتلت بغاز السارين نحو 1400 شخص في غوطة دمشق الشرقية. وفي الأيام القليلة التالية للمذبحة، بدا أن النظام السوري على وشك أن يتلقى ضربة عسكرية واسعة النطاق من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، تنفيذاً لتعهدات أميركية أساساً، كان قد أطلقها باراك أوباما وقادة غربيون آخرون مراراً، من أن استخدام السلاح الكيميائي خط أحمر سيدفع نظام الأسد ثمن تجاوزه غالياً.

غير أن عرضاً روسياً بوضع سلاح النظام الكيميائي تحت رقابة دولية جاء ليكون بمثابة طوق نجاة للنظام، إذ تلقفته الدول الغربية والأمم المتحدة سريعاً وبحماس شديد، وبدأت مفاعيله تظهر منذ الثاني عشر من أيلول (سبتمبر)، أي بعد نحو عشرين يوماً من المذبحة الرهيبة، عندما أرسلَ النظام السوري أوراقاً تفيد برغبته الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي الخطوة التي تعني قبوله بتدمير مخزونه من تلك الأسلحة، والتي أشاد بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، معلناً عن أمله في أن «تتوصل المحادثات الجارية حالياً في جنيف سريعاً إلى حلّ».

في تلك الأثناء، كانت تدور مفاوضات في جنيف بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، انتهت يوم الرابع عشر من أيلول (سبتمبر) 2013 إلى توقيع «إطار عمل» بين البلدين، بهدف تنظيم عملية القضاء على ترسانة النظام السوري الكيميائية بالشراكة مع المنظمة الدولية لحظر تلك الأسلحة، لتُطوى بذلك صفحة محاسبة النظام على جريمته الكيماوية، ويصبح شريكاً للمجتمع الدولي في عملية طويلة الأمد ومليئة بالتفاصيل البيروقراطية، بدل أن يكون مجرماً تنبغي محاسبته.

في خلفية ذلك الاتفاق، تقبع كثيرٌ من الوقائع المخزية التي لا تزال تحكم مجمل المسار السياسي الدولي في المسألة السورية، من بينها أن هذا الاتفاق جاء أصلاً بإيحاء إسرائيلي، على ما أكدته لاحقاً مذكرات السفير الإسرائيلي في واشنطن آنذاك مايكل أورين، لتكون المذبحة الكيماوية الرهيبة مناسبة لتخليص إسرائيل من سلاح يشكل تهديداً استراتيجياً لأمنها، بدل أن تكون مناسبة لمحاسبة النظام على سجلّه الإجرامي الرهيب، ويتم بذلك تكريس منهج يقوم على أن التدخل الدولي في الحرب السورية يأتي بما يضمن أمن ومصالح دول الإقليم والعالم، بصرف النظر عن مدى الجرائم التي تُرتكب بحق السوريين.

ومن تلك الوقائع المخزية أيضاً أن المذبحة الرهيبة كانت قد ارتُكبت أصلاً بعد يومين فقط من وصول محققين أمميين إلى دمشق، من أجل التحقيق في هجمات كيماوية محدودة وقعت سابقاً في حمص وحلب وريف دمشق. ولم تكن صلاحيات هؤلاء المحققين تشمل تحديد الجهات المسؤولة عن الهجمات، بل كانت تشمل فقط البت في مسألة وقوع الهجمات من عدمه. لم تدفع المذبحة التي وقعت على بعد كيلومترات قليلة من موقع إقامة المحققين في دمشق إلى تغيير صلاحياتهم تلك، حتى أن المحققين زاروا المناطق التي تعرضت للمذبحة في الغوطة بعد أيام قليلة منها، وأصدروا تقريراً بعد نحو أسبوعين، أكدوا فيه وقوع الهجوم، وجاء فيه أن «الجهة التي نفذت الهجوم، خبيرة باستخدام الأسلحة المزودة بغازات سامة، وإن الذين نفذوا الجريمة، اختاروا المناخ والتوقيت الملائمَين، لتنفيذ الهجوم بحيث يوقع أكبر عددٍ من الضحايا»، وهي صياغة يبدو واضحاً أنها تشير إلى مسؤولية النظام، دون أن يكون لدى هؤلاء المحققين صلاحية ذكر النظام صراحة.

تستطيع القوى الغربية أن تدفع تهمة التواطؤ عن نفسها بالقول إن روسيا ما كانت لتوافق على دخول المحققين لو أن صلاحياتهم تشمل تحديد المسؤولين عن الهجمات، لكن هذا الدفاع لا يصمد أمام حقيقة أن القوى الغربية كان بمقدورها أن ترفض إرسال محققين بصلاحيات محدودة كهذه، بدل أن تساهم مع روسيا في إغراق القضية السورية في بحر من الإجراءات البيروقراطية، التي تم إهدار كثير من الوقت والجهد والمال من أجلها، في وقت كانت فيه الأدلة على وقوع الهجمات الكيميائية بالغة الوضوح على نحو لا تحتاج معه إلى جولات التحقيق التي استمرت سنوات؛ أو كان بمقدورها اللجوء سريعاً إلى آليات تحقيق من خارج مجلس الأمن، عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو عبر المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية، على غرار ما حدث لاحقاً بعد نحو خمس سنوات من المذبحة.

لقد أسست هذه الواقعة، التي تشرح بوضوح مدى فساد النظام الدولي وانحطاطه، لمسار طويل من تطبيع الإفلات من العقاب، من خلال ربط مسألة العدالة بالتوافقات الدولية والضرورات البيروقراطية، وهو ما أتاح الفرصة أمام النظام وحلفائه لإخفاء الأدلة وطمسها ونشر كميات هائلة من الأكاذيب والأضاليل، حتى بات عمل لجان التحقيق الدولية فارغاً من أي مضمون، رغم أنها حازت لاحقاً على صلاحية الكشف عن الجهات المنفذة لبعض الهجمات.

وقد تم استكمال طوق نجاة النظام هذا في السابع والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) نفسه، عندما صدر قرار عن مجلس الأمن الدولي يحمل الرقم 2118، يتبنى الاتفاقَ الأميركي الروسي، ويرحب بانضمام النظام السوري إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، ويدعو في تلك المناسبة إلى «القيام، في أبكر وقت ممكن» بعقد مؤتمر دولي بشأن سوريا من أجل تنفيذ بيان جنيف آنف الذكر، و«يهيب بجميع الأطراف السورية إلى المشاركة بجدية وعلى نحو بنّاء» في هذا المؤتمر.

في ذلك اليوم الأسود، تبنى المجتمع الدولي بالإجماع قراراً يوافق صراحةً على دوس العدالة في سبيل الحفاظ على استقرار العلاقات الدولية، ويرحّب صراحةً بمجرم حرب لأنه وافق على تسليم أحد أسلحة جريمته المتواصلة، ويربط على نحو بالغ الخسّة والدناءة بين الصفح الدولي عن مجرم حرب وبين دعوة ممثلي ضحاياه إلى الدخول في عملية تفاوضية معه، دون أي وعود أو ضمانات بالسعي إلى تحقيق العدالة، ودون أي تعهدات أو إجراءات تحول دون تكرار المذبحة.

بعدها بأشهر قليلة، كانت أول جلسات المفاوضات الفعلية بين النظام والمعارضة السورية، وذلك في مؤتمر جنيف 2 الذي بدأت أعماله أواخر كانون الثاني (يناير) 2014، والذي جاء تنفيذاً لتوصيات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 آنف الذكر. وقد رفضت المعارضة السورية حضور المؤتمر أول الأمر بسبب عدم توافر أي ضمانات بوقف جرائم النظام، ثم عادت لتوافق بعد ضغوطٍ من حلفائها الغربيين والعرب. وفي الخامس عشر من شباط (فبراير) 2014، أعلن الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الدولي الذي خلفَ كوفي أنان في منصبه، عن فشل المفاوضات بسبب رفض النظام مناقشة الانتقال السياسي، ثم استقال من منصبه في أيار(مايو) من العام نفسه، فيما كان النظام السوري يواصل شراكته مع المجتمع الدولي في عملية التخلص من سلاحه الكيميائي، ويعيش نتائج الصفقة الأميركية الروسية بوصفها رخصة مفتوحة لارتكاب ما يلزمه من مذابح بالأسلحة التقليدية.

كانت الصفقة الكيماوية الأميركية الروسية هي القابلة التي أشرفت على ولادة ذلك المشهد الهزلي، الذي يعلن فيه مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية صراحةً الجهة المسؤولة عن إفشال التفاوض ويستقيل بعدها من مهمته احتجاجاً، دون أن يترتب على هذا أي إجراءات جدية بحق تلك الجهة. وبعد الإبراهيمي، تم تعيين ستيفان ديمستورا مبعوثاً دولياً جديداً دون تغيير أي من الظروف التي قادت الإبراهيمي إلى الفشل، وكأن المسألة تتعلق بنقص في كفاءة الإبراهيمي لا بالظروف التي كان يعمل في ظلّها.

طيلة أربع سنوات ونصف، أشرف ديمستورا على إدارة عملية سياسية تم استخدامها لتكريس إفلات النظام من العقاب مقابل موافقته اللفظية على مبدأ التفاوض، تماماً كما تم الصفح عن جريمته الكيماوية مقابل الإعلان عن استعداده لتسليم سلاح الجريمة. وقد غادر ديمستورا منصبه أواخر العام 2018، بعد عشرات الجولات والاجتماعات والمؤتمرات في جنيف وأستانا والرياض وسوتشي وغيرها، دون أن يفصح عن أسباب فشل مهمته في جلب السلام إلى سوريا، تاركاً لخَلَفه غير بيدرسون عملية سياسية كاريكاتيرية تم اختزالها إلى لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد، فيما تواصل آلة الحرب الروسية والإيرانية والأسدية مذابحها وأعمالها التدميرية البربرية، ويواصل نظام الأسد احتجاز عشرات آلاف السوريين في سجونه وقتلهم بهدوء.

الإفلاتُ من العقاب، وفرضُ التفاوض على المعارضة دون أي ضمانات أو وقف للقمع والمذابح، وربطُ الصراع السوري كلياً بتقاطع أو تضارب مصالح الدول الإقليمية والعظمى؛ تلك هي القواعد الرئيسية التي فرضتها الصفقة الكيماوية على المسار السياسي السوري، وهي التي قادت لاحقاً إلى تحويل بيان جنيف إلى مجرد لازمة فارغة يتم ذكرها في معرض كل حديث عن المسار السياسي السوري، وإلى إدخال هذا المسار في متاهات أستانا وسوتشي واتفاقات خفض التصعيد، واستتباع قوى المعارضة السياسية والعسكرية كلياً للدول الداعمة لها، وصولاً إلى هذه الأيام التي يبدو فيها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ناطقاً باسم تركيا، التي بات المسار السياسي السوري بالنسبة لها مجرد وسيلة لتأمين «متطلبات أمنها القومي».

ولأن استتباع أطراف الصراع السوري لمصالح الدول الإقليمية والعظمى معلمٌ أساسيٌ من معالم المسار السياسي في سوريا اليوم، لهذا بالضبط، فإن كل ما تقدَّمَ لا يجعل مصير الأسد مضموناً، ذلك أنه كلّما مضى أكثر في انتصاراته العسكرية مدعوماً بروسيا وإيران، كلّما فقد مزيداً من استقلاله وقدرته على التحكم في مصيره. لكن يبقى أن الوقائع الراهنة تفيد بأن بقاء الأسد أو رحيله لن يغير كثيراً من مصير البلاد، إلا إذا تم كسر المسار الذي أطلقته الصفقة الكيماوية عام 2013، المسار الذي تحكمه وقائع الإفلات من العقاب وإخراج حياة السوريين وحقوقهم من كل حسابات السياسة الدولية

  • Social Links:

Leave a Reply