المثقف الآن وفي كل آن.

المثقف الآن وفي كل آن.

.أحمد برقاوي

حين ينتمي المثقف إلى هموم الناس والمعرفة والوجود دون أن يتسلم تكليفاً دون أن يكلفه أحد بذلك ، فإنه يصنع هويته بوصفه مثقفاً منتمياً، لأن المثقف،في حقيقته ليس إلا ما سبق من قول. إنه حرٌ بالمعنى الوجودي للكلمة، حرٌ في حقل القول المبرأ من المنفعة الذاتية . وأنا إذ أتحدث عن المثقف الكاتب فلأني أعطي الأهمية الكبرى للقول – الموقف، وليس للقول- الاحتراف. فحين تغدو المعرفة احترافاً بلا موقف من مشكلات العالم المعيش، دون انخراط في حركة التاريخ التي يصنعها البشر بدمائهم، فهذا يدل على الفقر الروحي للمثقف التقني، أو الذاتي، الذي يحتمي خلف نزعة أكاديمية مصطنعة،أو يأس كاذب، ومن أخطر النتائج المترتبة على الاحتراف الأكاديمي، انسحاب المتردين برداء المعرفة من القول في لحظات التاريخ الحاسمة.
لقد طرح الربيع العربي على المثقف بعامة وعلى المثقف السوري بخاصة سؤالاً واحداً : أجب بنعم أو لا. هل أنت مع الربيع أم ضده؟ ليس للحياد مكان في الجواب ولا مكان لجواب: «لا اعرف». لاشك أن الثورة ـ اليوم أستاذ قاس ويحمل عصا غليظة ليضرب بها من يجيب على السؤال بـ لا أو ب لاأدري . المثقف الحقيقي والديموقراطي هو الذي يجيب «بنعم» أنا مع الربيع العربي، لأنه تعبير عن حركة شعبية تكنس التاريخ من «الأوساخ» التي تراكمت عليه منذ عشرات السنين. ولعمري أن المثقف المنتمي الى هموم البشر والذي الذي ظن الطغاة أنه قد انتهى من عالمنا، هذا المثقف حاضرٌ الآن بهذه الصورة أو تلك، في عالم ثورات المنطقة كلها . إنه – أي المثقف المنتمي – يعتقد أن التاريخ يحقق حلمه الأكبر وأنه استجاب لما يريد . إن «اللا» التي كان يرددها عبر خطاباته النظرية أو التحريضية فلسفة وشعراً وفكراً هي التي تحولت إلى نعم للثورات. فالنعم التي ولدت من رحم «اللا» ظلت محتفظة بملامح «اللا» فـ«نعم» بوصفها انحيازاً كاملاً للثورة ومشاركة فيها هي كل أشكال النفي، كل أشكال «اللا» للواقع والحياة والقيم التي فرضها الإستبداد . لا يستطيع مثقف «لائي» الماهية أن يكون انتقائياً في علاقته بالتاريخ ، وبالتاريخ الراهن الذي تصنعه جملة «الشعب يريد» ،المعبرة عن عبقرية الشعب وقوته، ويبقى «لائياً». المثقف بوصفه تلميذاً نجيباً عند التاريخ الصاعد، السائر، المتغير،المتحول نحو الأعلى، التاريخ الثوري، التاريخ بوصفه إمكانية تجدد وتجاوز المثقف هذا لا يقع في مطب الخيارات الزائفة التي يحاول البقالون الثقافيون أن يضعوه فيها ،حين يسألون الأسئلة الزائفة هل أنت مع النظام الديكتاتوري أم مع التدخل الخارجي ا؟ الجواب لا مع هذا ولا مع ذلك، وضد هذا وذاك. أو هل أنت مع النظام الحالي أم مع نظام أصولي قادم؟ لا مع هذا ولا مع ذاك. ضد السلطة المستبدة والأصولية. مع نظام ديمقراطي مدني يحفظ سيادة الوطن والحق والمساواة والحرية.
موقف المثقف من الثورة الشعبية موقف أخلاقي بامتياز، لأنه انحياز لأخلاق التحرر والحريّة والإنسان و المواطنة والكرامة وانتصار الذات، انحياز لازدهار الحياة بعد أن «شرشحها» الطغاة من كل أنواع الطغاة . الثورات وهي تكنس التاريخ من الأوساخ التي تراكمت عليه عبر عقود من الزمن، تكنس المثقف البقال الأيديولوجي والمثقف الذي يدافع عن الظلام. الثورة اليوم تمنح المثقف الأخلاقي إحساساً عظيماً بوجوده الأصيل. تمنحه فرحاً ميتافيزيقاً لأنها تمرد الشعب على الوضع الكلي للإنسان، ليصنع معنى وجوده ويمنحها شكلاً من الخلق الجديد للحياة . تحطيم للقيم التي سعى النظام السياسي أن يجعلها قيماً دائمة، تحطيم قيم العبودية والخنوع والسرقة والقطيع والنعم الذليلة . حناجر الناس تملي على المثقف درساً في التعين التاريخي للوطنية بوصفها حباً للوطن. لجمال تنوعه الخلاق، لطيران أبنائه أحراراً في فضائه، ورفضاً لأي قيد أو تمييز ،انتماءً للمواطنة بأعلى صورها الحقيقية . وتأسيساً على قولنا هذا فإن مهمة المثقف في بناء سوريا الجديدة مهمة كبيرة وجليلة وصعبة ، مهمة تأسيس الدولة الديمقراطية العلمانية ، دولة الشعب و الحق والحريّة والكرامة ، إن النخبة الوطنية الثورية المثقفة ليست طرفاً في صراعات زائفة، بل هي العقل الذي يجب أن يتعين في الواقع ، انهم روح التاريخ المتجاوز ،المتجاوز لكل الوسخ التاريخي أياً كان شكله ونوعه . لتكن سوريا وطناً للذوات الحرة

  • Social Links:

Leave a Reply