الانحسار الثقافي التنويري العربي وصعود السلفية

الانحسار الثقافي التنويري العربي وصعود السلفية

د. عبد الله حنا
مع تفاعلات أحداث الربع الأخير من القرن العشرين أخذت ظواهر ثقافية متعددة , كانت محصورة في زوايا مهملة بالامتداد والتوسع ما يهمنا منها :
– تراجع دور المثقفين وإبداعاتهم واحتلال الفقيه أو من يملك المال , رغم جهله , مكان الصدارة في المجتمع .
– التضييق على الحرية الفكرية , وملاحقة الاستبداد بفرعيه السلطوي والتقاليدي لكل من يرفع الرأس مناديا بالتنوير .
– إغفال الجوانب المضيئة من التراث العربي الاسلامي والجنوح نحو التراث السلطاني والنهل من الجوانب المظلمة واللاعقلانية في مسيرة التاريخ العربي الاسلامي .
– تراجع الأخذ بالاجتهاد والتأويل والانطلاق في رحاب الحضارة الانسانية , إلى الأخذ بحرفية التفسير للنصوص الدينية , ورفض التأويل واتساع ساحات الجمود وضيق الأفق .
– سلبْ العقل مكانته ودوره وعودة الاعتقاد بالخرافات والأساطير إلى سابق عهدها .
– خفوت وهج المدارس والجامعات المواكبة لمنجزات الحضارة الانسانية , والعودة إلى عهود الكتاتيب والانغلاق على مفاهيم تجاوزتها المكتشفات العلمية .
– إسهام المحطات الفضائية المُمَوَلة من عوائد البترودولار في تعميق ظواهر الانحسار الثقافي , واحتلال اناس لا تتجاوز ثقافتهم المعرفية حدود المراحل الاعدادية من التعليم , مراكز الصدارة في تلك الفضائيات , التي تربي أجيالا من النساء قبل الرجال لا يعرفون من العالم إلا ما يتحدث به نجوم الفضائيات من أمور مكررة معادة , وكاننا نعيش في عالم آخر لم يشهد الثورات العلمية واتساع المعارف البشرية .
إن الانحسار الثقافي العربي، الذي بدا واضحاً من بداية الربع الأخير من القرن العشرين يعود في إحدى أسبابه إلى الظواهر، التي ذكرناها قبل قليل، ويتبدى هذا الانحسار في ظواهر متعددة ما يهمنا منها التالي:
ـ أوضاع التعليم ومشكلاته والضياع الذي يلف الأجيال الشابة بين الشد إلى الماضي دون تمييز بين جوانبه المشرقة والظلامية، أو السير وراء الحداثة دون تفريق بين قطاعاتها المستنيرة الإنسانية وإفرازات الأنظمة الرأسمالية الاحتكارية الإمبريالية، التي تعيش أزمتها المتعددة الجوانب، ناهيك عن مفرزات الثورة التكنولوجية، الثورة الصناعية الثالثة.
ـ ضعف النشاطات العلمية بين الباحثين والمثقفين وضحالة ثقافة أكثرية المتعلمين ناهيك عن عامة الشعب. فالتخلف الفكري العام هو السمة السائدة الآن على الرغم من الواحات الفكرية التي عرفتها المجتمعات العربية في مطالع عصر النهضة. ويبدو وكأن العقم الفكري قدر أزلي لا خلاص منه. وهذا، على ما نعتقد، مخالف لسنة التطور فلا بد من نهضة تُجدِّد الفكر العربي في إطار العقلانية والحداثة المستنيرة والهوية القومية المنفتحة والفكر الديني المستنير.

  • Social Links:

Leave a Reply