مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي في العدد :/1048/ من جريدة الرافد ليوم الجمعة 13 كانون الأول 2019
الفيدرالية في سوريا.. الغوص في اللامعقول السياسي

الفيدرالية في سوريا.. الغوص في اللامعقول السياسي

أسامة آغي

تزامن طرحُ مبادرة “الجمهورية السورية الاتحادية” مع الإعلان عن اقتراب عمل اللجنة الدستورية، التي وُلدت بعد مخاض طويل. هذه المبادرة قد تكون محاولة لاختراق مشهد الصراع السوري من بوابته الأكثر حساسية، وهي الاعتقاد أن نظام حكم فيدرالي في سوريا، يحقّق مخرجًا ممكنًا لوضع الصراع من سياقه الحالي إلى سياق جديد.

هذا الاعتقاد يتجاهل حقائق متعددة في الواقع، وفي مقدمتها جوهر الصراع. فمشكلة السوريين هي الخلاص من نظام الاستبداد السياسي، والبحث عن كيفية ملموسة، يمكن بواسطتها تحقيق انتقال سياسي، ينتج عنه نظام حكم ديمقراطي، يُعيدُ ترتيب أولويات وحدة السوريين، ووحدة ترابهم الوطني.

إنّ القول بـ “بناء دولة حديثة تحت نظام اللامركزية، دولة اتحادية تتكوّن من أقاليم مرتبطة بالسلطة المركزية ذات السيادة.. دولة متعددة القوميات والإثنيات”، يُظهرُ الأمر وكأن الصراع السوري هو صراع بين المكونات السورية، وليس صراعًا بين نظام استبدادي قهر جميع هذه المكونات بطرق مختلفة. وهذا ما يدعو إلى التساؤل، لفهم البعد الحقيقي لمثل هذه المبادرة بشكل موضوعي.

ونستطيع القول، إنّ هذه المبادرة تريد أن تلتقي مع اتجاه سياسي محدّد، وتحاول مغازلته من خلال فكرة (دولة اتحادية تتكوّن من أقاليم مرتبطة بالسلطة المركزية)، دون النظر بشكل واقعي إلى طبيعة الصراع المستمر على الأرض السوريّة، ودون تحديد مصالح القوى المنخرطة في هذا الصراع، وتحديدًا القوى الإقليمية والدولية، فالصراع لم يعد صراعًا سوريًا– سوريًا محضًا، بل صار تكثيفًا لمصالح مختلفة ومتعارضة بين قوى إقليمية ودولية، إضافة إلى مصالح الشعب السوري، وهذا يرتّب على القوى السياسية السورية رؤية وطنية عريضة، لتحقيق مهام المرحلة، وليس مجرد طرح مبادرات شبع منها السوريون خلال سنوات الثورة والصراع مع النظام السوري.

إنّ الدعوة إلى “الجمهورية السورية الاتحادية” وفق معطيات المبادرة المطروحة هي دعوة للفت انتباه قوى دولية، تجد في الفيدرالية حلًّا للصراع في سوريا. وهذه الدعوة هي أيضًا محاولة للالتقاء مع قوّة سياسية عسكرية موجودة على الأرض، هي قوات حزب الـ PYD في لحظة مفصلية، هي مرحلة انطلاق عمل اللجنة الدستورية، ومقاربة تنفيذ القرار 2254.

هذه الدعوة هي حق ديمقراطي مشروع لأصحابها، ولكن هذا الحق لا يعني البتّة أن المبادرة هي قاعدة للحل السياسي وشكله في سوريا. ويمكن الاستدلال على هذه الرؤية من خلال مخاض ولادة اللجنة الدستورية، التي بقي الصراع حول بنيتها ومهامها مستمرًّا قرابة ثمانية عشر شهرًا.

كذلك كان من الممكن الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني واسع، يمثّل السوريين بكل أطيافهم، من أجل تحصين عمل هيئة المفاوضات، أو فريقهم في اللجنة الدستورية. هذا المؤتمر لو تمّ بذل الجهد لعقده، من أجل الخروج بمحددات وطنية وثوريّة، كان سيشكّل تعبيرًا عن الحدّ الأدنى لمصالح الشعب السوري وثورته، وكان سيشكّل قوة ضغط متعددة الاتجاهات، سواء حيال فريق المعارضة المفاوض، أو حيال الضغوط الدولية المختلفة على المعارضة بغية تقديم تنازلات جوهرية، لن تخدم أفق الثورة، التي ذهب ضحيتها مئات آلاف الشهداء.

لقد غاب عن ذهن أصحاب المبادرة أنّ الصراع السوري في وضعه الراهن هو تعبير في جزء كبير منه عن مصالح إقليمية ودولية في سوريا، وهذا يتطلب وضع رؤية وطنية لإنهاء الاحتلالات المختلفة، وإيجاد الوسائل والأدوات التي تساعد على إنهاء هذه الاحتلالات، والعمل على تحديد الأولويات الوطنية.

لقد غاب تحديد مفهوم اللامركزية في “المبادرة”، فاللامركزية هي حالات متعددة، منها اللامركزية الإدارية، واللامركزية السياسية، واللامركزية الجغرافية، الخ. وهذا يعتبر تغييبًا مقصودًا لطبيعة اللامركزية التي تعنيها “المبادرة”، رغم أن السياق يقود إلى أن ما تريده “المبادرة” هو اللامركزية السياسية، وهذا يفتح الباب إلى خطر يهدّد وحدة سوريا.

لم تقل “المبادرة” كيف يمكن إقناع أوسع القوى السياسية السورية بهذه الرؤية، وما ينتج عنها لاحقًا، فإذا كانت المبادرة تريد نظامًا لامركزيًا سياسيًا، فهذا يفترضُ وجود برلمانات وحكومات محلية، ذات صلاحيات تتوافق ومفهوم اللامركزية السياسية. وهو يعني تشتيت جهد المعارضة السورية بعموميتها، التي تصرّ على تنفيذ جوهر القرار الدولي 2254.

فليس صحيحًا إرضاء الجزء الأصغر من المعارضة على حساب الجزء الأكبر، ولكن الصحيح هو إيجاد مربعات توافق وطنية، تحافظ على وحدة سوريا، ووحدة شعبها، ضمن التنوع في المكونات، والحفاظ على الحقوق الثقافية للجميع.

إنّ التفكير الجدي البعيد عن اللامعقولية السياسية يتطلب إطار عمل وطني واسع، قد تكون الدعوة إلى عقد مؤتمر يمثّل كلّ السوريين حاجة ضرورية لمنع تقديم تنازلات جوهرية، تسمح بإعادة إنتاج نظام الاستبداد، وتمنع التفريط بجوهر الانتقال السياسي، الذي نصّ عليه القرار 2254.

فهل يذهب السوريون إلى الدعوة إلى خلق إطار عمل وطني ديمقراطي عريض، خارج التحاصص الأيديولوجي والحزبوي الضيّق؟ هذا ما ينتظره الشعب السوري من قواه السياسية والثورية.

 

  • Social Links:

Leave a Reply