الولايات المتحدة غير مهتمة بسوريا

الولايات المتحدة غير مهتمة بسوريا

يثير تقرير جديد حول الحرب السورية الى مدى اهتمام واشنطن بها في المقام الأول.
بقلم ستيفن أ. كوك
هل سيعير شخص ما أي اهتمام اذا نشر تقرير بتكليف من الكونغرس حول قضية مثيرة للجدل في السياسة الخارجية في واشنطن عام 2019؟ ربما لا، خاصة في هذه الأيام. وهذا ما حصل مع مجموعة دراسة سوريا (SSG)، وهي لجنة من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) تم تكليفهم من قبل الكونغرس “بفحص وتقديم توصيات بشأن الاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية للولايات المتحدة فيما يتعلق بالصراع في سوريا”.
ربما يكون توقيت الحدث سيئا لـ SSG – اذ تم اعلان التقرير النهائي في 24 سبتمبر، وهو نفس اليوم الذي أعلنت فيه رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي تحقيقًا في المساءلة حول إساءة استخدام الرئيس دونالد ترامب للسلطة.
ان تقرير SSG هو توصيف فعال لمختلف مسارات الصراع السوري ويوفر شرحًا واضحًا للجهات الفاعلة في ساحة المعركة. يقدم المؤلفون أيضًا مجموعة من التوصيات المدروسة جيدًا للحكومة الأمريكية. ومع ذلك، فإن التقرير يقدم في نفس الوقت شيئًا آخر مهمًا وحاسمًا: بطريقة غير مقصودة تمامًا، إنه يجعل من غير المرجح أن تساهم الولايات المتحدة بشكل كبير في السلام والاستقرار في سوريا.
يعتمد التقرير على وجهة نظر SSG بأن هناك خمس تهديدات للأمن القومي الأمريكي داخل الصراع السوري: أولاً، ما زالت الدولة الإسلامية المعلنة تمتلك القوة، ومزودة بالموارد الكافية، وملتزمة أيديولوجياً بتحقيق أهدافها على الرغم من القصف الذي تعرضت له خلال السنوات الخمس الماضية. وتؤكد التقارير الواردة من معسكرات الاعتقال المؤقتة الخاضعة لسيطرة القوات الديمقراطية السورية حقيقة أن أبو بكر البغدادي ما يزال لديه أعدادًا كبيرة من الأتباع وأن قيادة تنظيم الدولة الإسلامية لا تزال سليمة إلى حد كبير. ثانياً، يهدد تواجد إيران في سوريا بحرب إقليمية واسعة، تشير إليه حرب الظل بين الإسرائيليين والإيرانيين. حتى الآن، كان رد إيران المباشر على التوغلات الإسرائيلية ضئيلاً، وسيؤدي ذلك الى إمكانية تشجيع القادة الإيرانيون لوكلائهم في لبنان وقطاع غزة على الرد بأنفسهم. ثالثًا، إذا كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة وضعت استراتيجيتها من خلال منافسة القوى العظمى، فإن روسيا تستخدم سوريا لبناء النفوذ على حساب الولايات المتحدة. من وجهة نظر القادة في المنطقة، فان الروس يظهرون الكفاءة والبراغماتية بعيدا عن الأيديولوجية وأكثر مصداقية مقارنة بنظرائهم الأمريكيين.
بالإضافة إلى ذلك، كان للعنف الذي مارسه بشار الأسد وأنصاره في سوريا آثار بعيدة المدى، بما في ذلك زعزعة الاستقرار السياسي في أوروبا، لقد تواجد ومنذ فترة طويلة النازيون الجدد في السياسة الأوروبية – على الرغم من أنهم يشار إليهم بشكل روتيني بأنهم “أقصى اليمين” – ولكن موجة اللاجئين السوريين في عام 2015 أعطتهم دفعة سياسية في بلدان مثل السويد والمجر. في ألمانيا، حقق حزب “البديل من اجل ألمانيا” ((AFD، وهو حزب يميني متطرف، انتصارات سياسية كبيرة في الجزء الشرقي من البلاد. في إيطاليا، شغل (ماتيو سالفيني)، الذي غازل الفاشية اعلانية، وزارةً الداخلية حتى وقت قريب، ورغم إنه خارج الحكومة، لكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه سيعود هو وأنصاره، لقد استفاد سالفيني و AFD و Nigel Farage في المملكة المتحدة و(الرالي الوطني الفرنسي) من وجود السوريين في أوروبا الذين يبحثون عن الأمان من حرب مروعة.
أضعف حجة قدمتها SSG هي أن انتهاك نظام الأسد للمعايير الدولية “أدى إلى اضعاف تصورات القوة والمصداقية الأمريكية”. بالطبع، قتل الأسد مئات الآلاف من الناس واستخدم الأسلحة الكيماوية، لكن التقرير يجعل الأمر يبدو كما لو ان تقاعس الولايات المتحدة في الرد على هجمة النظام السوري هو المسؤول الوحيد عن خلق الانطباع الواسع عن الضعف الأمريكي، هذا ببساطة ليس صحيحا، فهناك مجموعة من السياسات الأمريكية الأخرى قبل وبعد الحرب الأهلية السورية التي غذت هذا الانطباع، وخاصة الغزو الفاشل للعراق، والانسحاب من الصفقة النووية الإيرانية، من بين أمور أخرى.

بعد مناقشة التقرير للتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة ومصالحها، ينتقل إلى دوافع أطراف المقاتلين الأساسيين في الصراع قبل الدخول في موضوع النفوذ الأمريكي، لأنه بدون ان يضع التقرير مكانة النفوذ والتأثير الأمريكي في مقدمة الاعتبارات والحسابات فلن يكون لدى المسؤولين الأميركيين أي سبب للاعتقاد بإمكانهم التأثير وتوجيه الصراع والمساعدة في وضع حد له بطريقة تحمي مواطنيهم. يقدم مؤلفوا التقرير حجة قوية مفادها أن الولايات المتحدة لديها قدر لا بأس به من التأثير على نظام الأسد، فيشيرون إلى أن الأميركيين وحلفائهم يسيطرون بالفعل على قطعة واسعة ومهمة من الأراضي السورية؛ كما ان العقوبات الأمريكية جعلت من الصعب على عائلة الأسد وأنصار النظام الاستفادة من الحرب، بالإضافة الى ان وزن واشنطن الدبلوماسي والمالي قادر على حرمان أموال إعادة إعمار النظام، على الرغم من أن خمس دول عربية قد بدأت في إعادة أو تطوير علاقاتها مع الحكومة السورية، يبقى موقع الولايات المتحدة يتمتع بقدر كبير من الدعم الدولي.
يوضح التقرير ايضا أن للولايات المتحدة مصالح على المحك في سوريا ولها من النفوذ ما يكفي لإجبار أطراف أخرى على فعل ما تريد. ومع ذلك، فإن جوهر الأمر يكمن في الأمر التالي: ما الذي تريده الولايات المتحدة في سوريا؟
التوصيات الموجهة للمسؤولين الأمريكيين هي أضعف جزء من تقرير SSG.، اذ يوصي أعضاء مجموعة الدراسة بأن على الولايات المتحدة القيام بعكس خططها للانسحاب العسكري في شمال شرق سوريا والتركيز على جهود تحقيق الاستقرار في هذا المجال، ومعارضة تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، والضغط على الروس لدعم تسوية سياسية تكون مقبول لدى الولايات المتحدة، ودفع الإيرانيين خارج سوريا. كما توصي المجموعة بالتعاون مع تركيا ومعالجة مخاوفها الأمنية، والعمل على تخفيف الأزمة الإنسانية في إدلب والتصدي للتهديد الإرهابي هناك، وتركيز الانتباه في النهاية على الأزمة الإنسانية في سوريا ككل ودعم البلدان التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئون السوريون.
يبدأ التقرير بإعلان: “تعتقد مجموعة دراسة سوريا أن السياسة الأمريكية السليمة تجاه سوريا تتطلب التزامًا سياسيًا مستدامًا من قبل كبار قادة حكومة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى استراتيجية تجمع بين الوسائل والغايات”. ومع اعتراف أعضاء المجموعة بان ذلك لن يحدث “الولايات المتحدة من غير المرجح أن ترفع بشكل كبير الأولوية التي توليها لسوريا “، ثم يصر أعضاء المجموعة انه “يجب ألا تقف أمريكا مكتوفة الأيدي.”

  • Social Links:

Leave a Reply